أخبارسوريامنوعات

سوريا: نهر العاصي.. عندما يتحول شريان حماة إلى مصيدة صامتة

ضحايا جدد في كل صيف.. لماذا يواصل نهر العاصي ابتلاع أبناء حماة؟

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
سوريا: محمد شيخ الزور

يمر نهر العاصي في وسط مدينة حماة كشريط ذكريات طويل يمنح المدينة هويتها، وتدور على ضفافه النواعير لتغزل حكايات الأجيال.
لكن خلف هذا المشهد الجمالي الآسر يختبئ وجه آخر أكثر قتامة؛ وجهٌ يتربص بأبناء المدينة وزوارها، ليتحول النهر في كل صيف من ملاذٍ للهرب من حرارة الطقس إلى مصيدة صامتة تبتلع أرواح الشباب والأطفال.

نهر العاصي “المخادع”: هدوء ظاهر وأخطار مخفية

مع تصاعد درجات الحرارة وتحوّل النهر إلى وجهة مجانية وحيدة لكثير من العائلات في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة، تعود إلى الواجهة فاجعة «الموت غرقاً»، لتُقضّ مضاجع الحمويين بأسئلة مكررة تتجدد مع كل ضحية: من المسؤول؟ وأين تكمن خطورة هذا النهر «المخادع»؟

من المعروف أن العاصي يجري عكس تيارات الأنهار الأخرى، ومن هنا جاءت تسميته. يبدو هادئاً في أجزائه التي تعبر قلب المدينة أو تمر بالقرب من السدود والجسور، لكن العارفين بخباياه يؤكدون أن هذا الهدوء مجرد خديعة بصرية؛ إذ يوجد أسفل كل ناعورة مجرى ضيق يشكّل شَرَكاً قاتلاً، فحين تدور الناعورة بأحد الأطفال إلى الأسفل تبتلعه في صمت دون أن ينتبه أحد لخطورة ذلك. وعلى مر الأزمنة، كان هذا السبب وراء أغلب حوادث الغرق في العاصي.

أسباب الغرق في نهر العاصي: خصائص بيئية وجيولوجية قاتلة

يتميز النهر بخصائص جيولوجية وبيئية تجعل السباحة فيه مغامرةً مجهولة العواقب. ومن أبرز هذه الأسباب:

1. الأعشاب والنباتات النهرية الكثيفة: تُشكّل شباكاً طبيعية تلتف حول أقدام السباحين وتمنعهم من الصعود إلى السطح، وهي السبب الرئيسي في غرق الأطفال تحديداً.

2. تفاوت الأعماق الصادم: يمكن للمرء أن يخطو خطوةً واحدة لينتقل من عمق نصف متر إلى حفرة مائية يتجاوز عمقها مترين أو ثلاثة أمتار.

3. التيارات السفلية الخفية: تفوق قدرة السباحين الهواة والأطفال على المقاومة، وكثيراً ما تكون السبب المباشر في الغرق.

4. ركود المياه والتلوث: تؤدي ظاهرة توقف جريان النهر وزيادة التلوث بمياه الصرف الصحي وانخفاض منسوب المياه إلى تفاقم الخطورة.

غياب الوعي وشُح البدائل: عوامل تُغذّي الكارثة

لا يمكن عزل تكرار حوادث الغرق عن الواقع المعيشي الصعب؛ فمع غياب المسابح العامة المجانية أو المدعومة، وارتفاع تكاليف المنشآت الخاصة، يجد المراهقون والأطفال في النهر متنفّساً مجانياً وحيداً.
ويُضاف إلى ذلك غيابٌ شبه تام للوحات التحذيرية عند النقاط الأكثر خطورة، كمناطق الخناق والطحالب والنباتات المائية، فضلاً عن ضعف ثقافة الإنقاذ والإسعافات الأولى لدى المواطنين، مما يجعل محاولات الإنقاذ العشوائية سبباً في غرق المنقِذ نفسه في بعض الأحيان.

الدفاع المدني في حماة: سباق مع الزمن في مياه عكرة

تبذل فرق الإطفاء والدفاع المدني في حماة جهوداً مضنية، إذ يتحرك غوّاصو الإنقاذ فور تلقّي البلاغات. لكن طبيعة النهر وعكارة مياهه التي تحجب الرؤية تحت السطح تجعلان العثور على الغريق في الوقت المناسب تحدياً هائلاً.
وفي كثير من الحالات تتحول مهمة الإنقاذ إلى «انتشال جثة»، مما يترك غصةً في قلوب الأهالي والمنقذين على حد سواء.

صرخة بوجه الجهات المعنية: حلول عاجلة لإنقاذ الأرواح

إن استمرار تدفق الشباب والأطفال نحو مجرى العاصي يستدعي تحركاً فورياً لم يعد قابلاً للتأجيل:

1. تسيير دوريات راجلة من قِبَل الجهات المحلية على ضفاف النهر طوال فصل الصيف.

2. تحديد النقاط السوداء الأكثر خطورة وإغلاقها بأسلاك أو وضع لوحات تحذيرية صارمة.

3. إطلاق حملات توعية في المدارس والمنابر المحلية حول مخاطر السباحة في مجرى النهر.

سيبقى العاصي رمزاً لحماة وشريان حياتها، لكن حتى لا يتحول هذا الشريان إلى سرادق عزاء مفتوح، يبقى الوعي الفردي والمسؤولية الجماعية هما طوق النجاة الوحيد، قبل أن يجرف التيار ضحيةً جديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews