مقالات

«مذكرة التفاهم».. انتصار لإيران وهزيمة لأمريكا وضربة قاصمة للخليج

مقال بقلم: عبده فايد

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

وقّع الرئيسان الأمريكي والإيراني أخيراً مذكرة التفاهم التي تُنهي الحرب بين البلدين. وحتى تُدرك مدى جنون ترامب وقوة الانتصار الإيراني، يجب أن تعود بالذاكرة إلى اتفاق إيران مع القوى الكبرى عام 2015، أو ما يُعرف باتفاق “5+1”. حينها أجبرت أمريكا وحلفاؤها إيران، بالوسائل السلمية ودون أي حرب، على قبول اتفاقية قاسية جداً.

اتفاق 2015 مقابل مذكرة 2026: مقارنة بين زمنين

نجحت اتفاقية 2015 في تخفيض نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 3.7%، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي من 19 ألفاً إلى حاجز 5 آلاف، وقصرها على أجهزة الجيل الأول شديدة التأخر من طراز R-1، وإجبار إيران على قبول التفتيش غير المقيّد لكل منشآتها النووية بواسطة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وليس هذا فقط؛ بل نصّت الاتفاقية أيضاً على استمرار حظر تصدير الأسلحة وتقنيات الصواريخ لإيران لمدة خمس سنوات كاملة من تاريخ التوقيع، والرفع التدريجي للعقوبات على مدى عشر سنوات، حتى يؤكد مفتشو الوكالة أن الخطر النووي الإيراني قد انتهى. وفوق ذلك، لم يتضمن الاتفاق أي آلية لتعويض إيران بمئات مليارات الدولارات، بل اقتصر على الإفراج التدريجي عن أصولها المجمّدة.

كان اتفاق أوباما مع إيران نموذجاً في كيفية تجريد إيران، بالأدوات الاقتصادية، من طموحها النووي، مقابل صفقة غير معلنة بضمان استمرار نفوذها الإقليمي دون اعتراض. ثم جاء ترامب وقرر أن يهدم المعبد فوق رأس إيران، فهدمه فوق رأس أمريكا بالكامل.

من إلغاء الاتفاق النووي إلى حرب 2026: مسار التصعيد الأمريكي الإيراني

وصل ترامب إلى الرئاسة، واستجاب لضغط “المختل العبري”، وقام بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وأطلق يده في استهداف الطاقم النووي الإيراني بالكامل من كبار العلماء، فكانت عملية محسن فخري زاده التي هزّت العالم، وفوقها تسعة عشر عالماً إيرانياً لقوا حتفهم على يد استخبارات العدو. وبدأ ترامب، في نهاية ولايته الأولى، ما اعتقد أنه تقليم للنفوذ الإقليمي الإيراني باستهداف أبرز جنرالاتها، الجنرال سليماني، ثم دارت الدائرة لتشمل حربين إضافيتين: واحدة محدودة عام 2025، وأخرى كاسحة عام 2026.

غرور ترامب هو ما صنع الهزيمة الأمريكية؛ ففي صباح 28 فبراير 2026، كانت الشروط الأمريكية واضحة: إسقاط النظام الإيراني الذي باتت أيامه معدودة بحسب تصريحات ترامب، واستسلام النظام الجديد بالكامل، بما يعني التخلي عن البرنامج النووي، وتسليم البرنامج الصاروخي، وإنهاء التصنيع العسكري للمسيّرات. وما فعلته إيران بأمريكا غيّر الشرق الأوسط مرة واحدة وللأبد.

الحرب الكاسحة: حشد عسكري تاريخي ورد إيراني صاعق

خاضت أمريكا حرباً هائلة، استخدمت فيها مئات آلاف الأطنان من الذخائر، أطلقتها قوة عسكرية محتشدة في الخليج العربي والبحر الأحمر، كانت الأضخم في تاريخ المنطقة منذ عشرين عاماً، بمشاركة خمسين ألف جندي أمريكي ينشطون في قواعد خمس دول، ومعهم “الكيان” الذي شنّ في أول أيام الحرب أضخم غاراته الجوية على الإطلاق منذ تأسيسه، بحسب وصف وزير دفاعه.

والنتيجة؟ إيران صعقت الجميع: أغلقت المضيق، وشلّت الطاقة، وصبّت حمم صواريخها على الخليج، واستهدفت قلب “الكيان” بقصف لم يسبق له مثيل، ودكّت القواعد الأمريكية، وأجبرت حاملة طائرات على الانسحاب، وأسقطت ثلاث طائرات فوق سمائها، ودمّرت عشرات الطائرات، منها سبع طائرات تجسس في قاعدة واحدة بالسعودية، وعاد الجنود الأمريكيون في توابيت لأوطانهم. لم يسقط النظام، بل جاء الابن الأشد قسوة من أبيه؛ إذ أصبح الحرس الثوري هو المهيمن بالكامل على عقل الجمهورية الإسلامية. وانتهت الحرب بصمود إيراني باهر، توّجته اليوم مذكرة تفاهم وصفها الكاتب بأنها “مهينة لأمريكا، مبهرة لإيران”.

بنود مذكرة التفاهم 2026: غياب الصواريخ وتأجيل الملف النووي

النظام الذي أراد ترامب إسقاطه هو ذاته الذي وقّع على مذكرة التفاهم. ولم تتضمن المذكرة حرفاً واحداً عن البرنامج الصاروخي الإيراني، وهو المسؤول الأساسي عن الدمار الهائل في الخليج و”الكيان”. وتُقدَّر كلفة الدمار المبدئية في منشآت الطاقة الخليجية، في قطر والإمارات والسعودية، بخمسين مليار دولار؛ إذ تضررت 17% من قدرة قطر على إنتاج الغاز، وتحتاج خمس سنوات للإصلاح بحسب التصريحات الرسمية القطرية، وهذا على سبيل المثال لا الحصر.

ولم تنصّ المذكرة في عبارة واحدة على تخلي إيران عن الصواريخ، أو تقييد مداها، أو إنهاء برنامج المسيّرات. وأفلتت إيران ببقاء نظامها السياسي بنسخة أكثر راديكالية، محتفظةً باليد الباطشة التي صعقت الخليج و”الكيان” وأمريكا. أما البرنامج النووي، فلا حديث عن أي تفاصيل تقنية؛ فقط نصّت المذكرة على بقاء البرنامج على حاله طوال جولة التفاوض التالية لمدة 60 يوماً، مع بدء محادثات خلال الشهرين القادمين حول طبيعته، وقابلية التمديد إن لم يُتوصل إلى اتفاق. وقد يصبح هذا الأجل مئة يوم أو مئتين، وفقاً لتعقيدات التفاصيل الفنية. فترامب لم يرغب في هزيمة ساحقة كاملة، واختار تأجيلها على دفعات حتى تسقط الحرب من الذاكرة.

هل تُسلّم إيران برنامجها النووي؟ أسئلة حول مصداقية المذكرة

السؤال الأهم: هل يأمن الإيراني، بعد الغدر الأمريكي، فيُسلّم برنامجه النووي بالكامل في غضون ستين يوماً؟ لو أرادت تسليمه، لكانت قد سلّمته بعد حربين، حتى تسلّمه بالتفاوض. وأصلاً، فإن ترامب هو المسؤول عن وصول إيران إلى عتبة الدول النووية؛ لأنه بعد انسحابه من الاتفاق الإطاري لعام 2015، رفعت إيران فوراً نسبة التخصيب من 3.67% إلى 20%، ثم في غضون ثلاثة أعوام إلى 60%، وباتت على بُعد شهر من امتلاك القنبلة الذرية.

وتعلم إيران الآن، بالطريقة الصعبة، أن مكانتها الكبيرة في المجتمع الدولي محجوزة بفضل هذا المخزون من 450 كيلوغراماً من اليورانيوم، وتلك المعرفة التقنية الكبيرة التي طوّرتها على مدى ثلاثين عاماً. وحتى لو قدّمت تنازلات في حدود ما قدّمته عام 2015، ستظل تمتلك القدرة على العودة إلى التخصيب بمجرد استشعار الخطر الأمريكي، إذ تمتلك التجربة والمنشآت التي لا تستطيع القنابل الأمريكية الوصول إليها، في جبال جرانيتية محصّنة على عمق 610 أمتار تحت الأرض، وهو موقع “كوه كنگ” الذي شيّدته إيران عام 2020.

صندوق التعويضات: 300 مليار دولار من جيوب دول الخليج

الفاجعة الكبرى تكمن في صندوق التعويضات الذي سُمّي مجازاً “إعادة تأهيل إيران وتنميتها”. فمن المعروف، ومستقر عليه بلا لبس، أن من يدفع الأموال هو الطرف المهزوم في الحرب؛ لا يوجد منتصر يدفع سنتاً واحداً. وستدفع أمريكا 300 مليار دولار، لكن ليس من جيبها، بل من خلال شركائها الخليجيين. وهذه، بحسب الكاتب، سابقة لم يشهدها تاريخ البشر منذ معاهدات “مترنيخ” والحروب النابليونية.

ويتساءل الكاتب عن حجم “المهانة” التي يشعر بها حكام الخليج، الذين حرّضوا على حرب توهّماً منهم باستئصال النظام الإيراني، واستضافوا خمسين ألف جندي أمريكي، وانطلقت من قواعدهم هجمات القاذفات الأمريكية، ثم تعرّضوا لقصف مهول بالمسيّرات والصواريخ الإيرانية، وتعرّضت خطوط إنتاجهم النفطي للقصف، دون أن يملكوا القدرة على تحريك برميل نفط واحد دون أن تشهد إيران ذلك، أو تُغلق مضيق هرمز. ثم يُحمّلهم ترامب، بحسب وصفه، تكاليف إصلاح الأضرار التي أحدثتها أساطيله في إيران.

قراءة في “الانتصار الإيراني”: من ميرتس إلى فرساي

بحسب الكاتب، زعم البعض أن إيران ستنهار كما انهارت فنزويلا بغارتين، وأن قوتها الصاروخية مُحيت وزوارقها البحرية فنيت، لكن الكاتب يصف ذلك بأنه لم يتحقق، وأن إيران تحدّت أقوى حشد عسكري في تاريخ المنطقة. ويستشهد بتصريح للمستشار الألماني فريدريش ميرتس وصف فيه إيران بأنها أقوى بكثير مما كان يتوقع أحد. ويُشير الكاتب إلى أن ترامب وقّع المذكرة في البلدة الفرنسية ذاتها التي وقّع فيها الجنرالات الألمان شروط استسلامهم في الحرب العالمية الأولى، فرساي، في إشارة رمزية يسوقها الكاتب لتعزيز موقفه.

ويختم الكاتب مقاله برؤيته الخاصة لمستقبل المنطقة، معتبراً أن ما جرى يعكس تبدّلاً في موازين القوى الإقليمية لصالح إيران، وأن دول الخليج تدفع، بحسب تعبيره، “الجزية مرتين”، لأمريكا وإيران معاً، في مشهد يصفه بأنه “الشرق الأوسط الجديد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews