تقارير و تحقيقات

انحسار مناسيب النيل يهدد محطات المياه ومشاريع الري بالسودان

انحسار النيل يهدد السودان

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
مصعب محمد

الخرطوم: تشهد عدة مناطق سودانية انحساراً لافتاً في مناسيب نهر النيل، ولا سيما في مجرى «النيل الأزرق»، ما أثار مخاوف واسعة من تداعيات ذلك على إمدادات مياه الشرب والمشاريع الزراعية. وامتد التراجع المائي من العاصمة الخرطوم وصولاً إلى ولايتي «نهر النيل» و«الشمالية» شمالي السودان، متسبباً في ظهور جزر وألسنة رملية حادة داخل المجرى الرئيسي للنهر ، إلى جانب خروج عدد من محطات المياه المباشرة عن الخدمة — من بينها محطة «الصالحة» جنوب أم درمان ومحطات أخرى بمدينة بحري بالعاصمة الخرطوم — الأمر الذي ضاعف من قلق المواطنين بشأن مستجدات الأمن المائي في البلاد.

وأكدت وزارة الزراعة والري السودانية أن قيام «سد النهضة» الإثيوبي تسبب في أحداث «تغيير في هيدرولوجيا نهر النيل»، مشيرة إلى أن الانخفاض المؤقت الذي شهدته مناسيب النيل مؤخراً يعود بصورة مباشرة إلى انخفاض وارد النيل الأزرق وتراجع تصريف السد الإثيوبي خلال هذه الفترة.

وأوضحت الإدارة العامة للخزانات بالوزارة، في بيان رسمي، أن انحسار وفيضان مياه النيل وفروعه لم يعد يُعد «ظاهرة طبيعية»، بل بات يخضع لتأثيرات سد النهضة والتغييرات الهيدرولوجية التي أحدثها، مؤكدة أنها تتعامل مع هذه المعطيات عبر «المعالجات التشغيلية الفنية اللازمة لضمان استقرار الإمدادات المائية، والمحافظة على المناسيب المطلوبة».

وميدانيا أفادت منصة «الشمالية الآن» التابعة لحكومة الولاية الشمالية في السودان، بتراجع مجرى النهر لمسافة تتجاوز كيلومترين ونصف، عقب انحسار غير مسبوق للمياه بين جسر “السليم” ومعدية” مقاصر” .

ونقلت المنصة عن مزارعين تأكيدهم أن هذا الانحسار تسبب في تلف مساحات واسعة من المحاصيل نتيجة تعذر الري بالوسائل التقليدية، مما دفعهم لمناشدة السلطات المختصة للتدخل العاجل وتقديم حلول إسعافية عاجلة.

في المقابل أفاد الباحث الإثيوبي المتخصص في الشأن الأفريقي، موسى شيخو في تصريحات خاصة ل “مراسلين” أن عمليات ملء خزان سد النهضة تتم وفق خطة تدريجية تأخذ في الاعتبار الظروف الهيدرولوجية السنوية، ولا تهدف لإحداث انخفاض دائم في تدفقات مياه النيل، وإنما لتخزين جزء من مياه موسم الأمطار الغزيرة التي كانت تتدفق سابقاً لدولتي المصب. وأضاف شيخو أنه بعد اكتمال مراحل السد، يقتصر التأثير على إعادة تنظيم تدفق المياه وليس استهلاكها، كون المشروع مخصصاً لتوليد الطاقة الكهرومائية، وهي عملية لا تستهلك المياه بل تمررها بعد توليد الكهرباء.

وتخزن إثيوبيا خلف «سد النهضة» نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وسط رفض متكرر لمطالب دولتي المصب (مصر والسودان) بإبرام اتفاق قانوني ملزم ينظم قواعد الملء والتشغيل، لا سيما خلال فترات الجفاف، بينما تمسك أديس أبابا بأن مشروعها لن يؤثر على التدفقات المائية للبلدين.

​وعلى صعيد آخر ، رجّح أستاذ الموارد المائية والزراعة بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، أن تشهد مصر والسودان «موسم جفاف» خلال العام الحالي، مشيراً في تصريحات متلفزة إلى أن تقارير المنظمات المائية الدولية والأرصاد الجوية تنبأت بأن هذه السنة ستكون من «السنوات العجاف» على حوض النيل، مستدلاً بالصور والمشاهد التي وثقت انحسار مناسيب النيل في عدة مناطق سودانية.

ويرى محللون أن انحسار مياه نهر النيل في الوقت الراهن يعود إلى تقاطع عاملَين رئيسيَّين: الأوّل يتمثل في السيطرة الإثيوبية المنفردة على تدفقات المياه عبر «سد النهضة»، والثاني يتصل بالتغيرات المناخية التي أسفرت عن تراجع معدلات هطول الأمطار.

في هذا السياق، يوضح خبراء ومتخصصون أن التقلبات المناخية في الحقبة التي سبقت تدشين «سد النهضة» كانت تؤدي، في حال الفيضانات العالية، إلى تدفقات محدودة يمكن للجهات المختصة التعامل معها واستيعابها. أما في حالات الفيضان المنخفض، فكان يتشكل انحسار تحت السيطرة، إلا أن النمط الهيدرولوجي للنهر شهد تحولاً جذرياً عقب تشغيل السد.

ويُجمِع خبراء الموارد المائية على أن ملء وتشغيل خزان هائل تتجاوز سعته التخزينية 60 مليار متر مكعب من شأنه — بمرور الوقت — أن ينطوي على تداعيات كارثية تتراوح بين الانحسار الحاد والفيضان المفاجئ، ما لم يُصر إلى إرساء آليات تنسيق مسبق وقواعد ملزمة مع دولتي المصب (مصر والسودان).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews