العراق: الإطاحة بالبصري والأعرجي.. رئيس الوزراء يعيد ترتيب مراكز التأثير في الدولة
تفاهمات "الزيدي - براك".. هل خضعت بغداد للتحفظات الأمريكية قبل زيارة واشنطن؟

شبكة مراسلين
أطلق رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، عاصفة من القرارات السيادية التي تمثلت في إحداث حزمة تغييرات أمنية بالعراق طالت كبار القادة والمسؤولين في الأجهزة الأمنية والمالية والاستثمارية للدولة.
وتأتي هذه الخطوة الرسمية لتؤكد دقة التقارير الاستخبارية والإعلامية التي تم تداولها الأسبوع الماضي بشأن نية الحكومة الجديدة إعادة هيكلة مراكز القرار.
ووفقاً لوكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع)، فقد شملت القرارات إقالة رئيس جهاز الأمن الوطني العراقي عبد الكريم البصري (المعروف بأبو علي البصري)، وتعيين باسم البدري بدلاً منه، بالتوازي مع إعفاء قاسم الأعرجي من منصب مستشار الأمن القومي وتكليف قاسم العبودي بإدارة هذا الملف الحساس.
ولم تتوقف الهيكلة عند العاصمة بغداد، بل امتدت لتشمل تغييرات جذرية في القيادات الأمنية الرفيعة بمحافظات ذي قار والديوانية والبصرة وسامراء، في مسعى لبسط سيطرة الحكومة المركزية على المفاصل الميدانية.
ملف الفصائل الشائك وإعادة تموضع “الحشد الشعبي”
حملت قرارات رئيس الوزراء بعداً أمنياً وعسكرياً بالغ الحساسية، تمثل في النقاط الاستراتيجية التالية:
- إنهاء نفوذ الصقور: تحظى إقالة “أبو علي البصري” بأهمية استثنائية لكونه أدار المشهد الاستخباري لسنوات طويلة، ويُحسب تاريخياً على الفصائل المسلحة القريبة من طهران، وتحديداً منظمة “بدر” بزعامة هادي العامري و”كتائب حزب الله” بزعامة أحمد الحميداوي.
- ملف فك الارتباط: عيّن رئيس الوزراء علي عبد الله العقيلي مسؤولاً مباشراً عن عملية “فك الارتباط” للفصائل المسلحة وتنظيمها جغرافياً وعقائدياً ضمن الهيكل الرسمي لهيئة “الحشد الشعبي” (المظلة الجامعة لأكثر من 70 فصيلاً)، لإنهاء ظاهرة المجموعات المنفلتة.

تطهير الواجهة الاقتصادية والمالية
بالتوازي مع القبضة الأمنية، ضربت القرارات الهيكل المالي للعراق؛ حيث أُقيل محافظ البنك المركزي العراقي علي العلاق، وتولى رئيس جهاز مكافحة غسل الأموال وتمويل الإهراب، نزار ناصر، المسؤولية بدلاً منه، في إشارة واضحة لرغبة بغداد في محاصرة قنوات تهريب العملة.
كما أطاح الزيدي برئيس هيئة الاستثمار العراقية حيدر مكية، مسمياً عادل الياسري بديلاً له لإنعاش المشاريع التنموية المتوقفة.
كواليس التحرك: الفيتو الأمريكي والتحضير لزيارة واشنطن
أكدت مصادر برلمانية وعسكرية، اشترطت عدم كشف هويتها، أن هذه التغييرات لا يمكن فصلها عن الحراك السياسي والأمني المكتوم الذي شهدته بغداد في الأيام الماضية.
وتأتي هذه القرارات بعد يومين فقط من المباحثات المغلقة التي أجراها الزيدي مع المبعوث الأمريكي توماس براك في بغداد، والتي تمخضت عن تفاهمات أمنية واقتصادية استراتيجية.
وأشارت المصادر إلى أن الجانب الأمريكي أبدى خلال اللقاءات تحفظات صارمة على استمرار بعض القيادات القريبة من الفصائل في مواقعها السيادية، مما دفع الزيدي للإسراع في حسم هذه الملفات، إلى جانب حراك موازٍ لحسم حقيبتي الدفاع والداخلية، لتقديم أوراق اعتماده كحكومة حازمة وإصلاحية قبل زيارته المرتقبة إلى واشنطن الشهر المقبل.
رسائل الهيكلة واختبار النفوذ الفعلي
تثبت محصلة حزمة تغييرات أمنية بالعراق أن رئيس الوزراء الجديد علي الزيدي قرر خوض معركة “كسر عظم” سياسية وإدارية مبكرة؛ فالرسالة الموجهة للخارج -وتحديداً للبيت الأبيض- تنص على أن بغداد قادرة على لجم نفوذ الفصائل وإعادة تدوير المناصب الثانوية والقيادية لخدمة استقرار الدولة المالي والأمني عبر تفعيل قوانين مكافحة غسل الأموال.
وفي المقابل، يرى الأكاديميون والمحللون أن نجاح هذه القرارات لا يكمن في استبدال الأسماء الصقورية بأسماء تكنوقراط، بل في مدى قدرة الحكومة على الصمود أمام ردود أفعال قادة الفصائل المسلحة الذين تم إقصاؤهم من الحلقات الإدارية والفنية الفاعلة التي صاغوها على مدى سنوات.
إن الأيام القادمة، وتحديداً الأسبوع المقبل الذي يشهد صدور حزم جديدة من الإقالات في المخابرات ومكافحة الإرهاب، ستحدد ما إذا كان العراق يتجه نحو إصلاح مؤسسي حقيقي مدعوم دولياً، أم أن البلاد مقبلة على جولة جديدة من التجاذبات السياسية والأمنية التي قد تهدد استقرار الهدنة الهشة.



