إسرائيليون غادروا بلا رجعة: اخترنا الهجرة لنعيش بلا خوف
إعداد وترجمة: أبو بكر إبراهيم أوغلو

أكثر من ربع مليون إسرائيلي غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الأخيرة، في رقم قياسي مقارنة بالسنوات السابقة. وتشير شهادات المهاجرين إلى أن تراجع الثقة بالدولة، وتداعيات 7 أكتوبر، والحروب المتواصلة، وارتفاع تكاليف المعيشة، كانت من أبرز دوافع الرحيل.
كشف بحث جديد صادر عن جامعة تل أبيب عن تصاعد غير مسبوق في أعداد الإسرائيليين الذين يقررون مغادرة البلاد والاستقرار في الخارج، مدفوعين بمزيج من المخاوف الأمنية والضغوط الاقتصادية والانقسامات الاجتماعية وفقدان الثقة بمؤسسات الدولة.
وبحسب نتائج البحث، غادر 90,922 إسرائيليًا البلاد خلال عام 2025 لمدة ثلاثة أشهر متتالية على الأقل، مقابل 91,499 شخصًا في عام 2024، و86,509 أشخاص في عام 2023. وبذلك بلغ إجمالي المغادرين خلال السنوات الثلاث الأخيرة نحو 268 ألف إسرائيلي.
وتحدثت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، عبر موقعها الإلكتروني «واي نت»، إلى عدد من الإسرائيليين الذين هاجروا أخيرًا، مؤكدين أنهم لا يشعرون بالحاجة إلى الاعتذار عن قرارهم، وأنهم اختاروا البحث عن حياة أكثر أمنًا واستقرارًا لأسرهم وأطفالهم.

«انهارت ثقتنا بالدولة»
هاجرت آنا سيتشاكس، البالغة من العمر 42 عامًا، إلى البرتغال في مارس 2025 برفقة شريكتها موران وابنتيهما غالي وتومي وكلبيهما.
وتقول آنا إن قرار الرحيل جاء نتيجة عدة عوامل، من بينها المضايقات التي تعرضت لها الأسرة بسبب ميولها الجنسية، وأحداث 7 أكتوبر، ورغبتها في توفير حياة أكثر هدوءًا وأمانًا لطفلتيها.
وأوضحت أن الأسرة اختارت العيش في منطقة «برديس حنا»، المعروفة بطابعها المنفتح والليبرالي، لكنها تعرضت لفترة طويلة لمضايقات من بعض الجيران، امتدت إلى تقديم شكاوى كاذبة ضد مشروعهما الخاص، وهو فندق منزلي لرعاية الكلاب.
وبحسب روايتها، وصلت المضايقات إلى ذروتها عندما أقدم أحد الجيران على إحراق علم المثليين وإشعال النار في الساحة الأمامية للمنزل، بعد وقت قصير من تصريحات للنائب الإسرائيلي إسحاق بندروس اعتبر فيها أن المثليين يشكلون خطرًا على إسرائيل يفوق خطر حركتي حماس وحزب الله.
وقالت آنا:
«لحسن الحظ، لم ينته الحادث بكارثة، لكنه كان تجربة مخيفة للغاية. ورغم وجود شهود وأدلة ومعرفة هوية الفاعل، اختارت الشرطة عدم التعامل مع القضية، كما رفض المجلس المحلي إدانة الحادث».
وأضافت أن ما حدث حطم ثقتها بالدولة ومؤسساتها، ورسخ لديها شعورًا بأنه لا توجد جهة مستعدة لحمايتها أو تحقيق العدالة، في وقت يحظى فيه مرتكبو العنف، بحسب وصفها، بالاحتضان والقبول.
7 أكتوبر ونهاية الأمل
تقول آنا إن أحداث 7 أكتوبر وما أعقبها من حرب أسهمت في تسريع قرار الرحيل، بعدما أدت إلى انتشار الخوف والألم والكراهية والعنف والعنصرية داخل المجتمع الإسرائيلي.
وأضافت:
«لم تكن هذه هي الأجواء التي نريد أن نربي فيها طفلتينا. قبل 7 أكتوبر، كان لا يزال لدينا أمل بمستقبل أفضل، وبالفصل بين الدين والدولة، وبحياة مشتركة مع العرب في إسرائيل، وبالسلام مع الفلسطينيين. لكن بعد ذلك شعرنا بأن غالبية المحيطين بنا لم يعودوا مهتمين بهذه الأفكار».
وتابعت أن رؤية ما وصفته بـ«اللامبالاة الكاملة تجاه الأطفال الذين يتعرضون للأذى في غزة» أصبحت أمرًا لا يمكن تحمله بالنسبة إليهما، مضيفة:
«تحولنا إلى أقلية داخل الأقلية، وفقدنا الأمل بصورة كاملة».
«حياتنا أصبحت أكثر هدوءًا»
بعد الانتقال إلى البرتغال، تمكنت آنا وشريكتها من إنشاء فندق صغير للكلاب والقطط على مساحة واسعة، وهو مشروع تقول إنه كان من الصعب تحقيقه في إسرائيل.
وأشادت بتعامل السلطات البرتغالية، موضحة أنها قدمت لهما الدعم وساعدتهما في تأسيس المشروع، كما وجدت الأسرة تعاملًا وديًا من المجتمع المحيط.
وقالت:
«إنه عالم مختلف تمامًا. طفلتانا سعيدتان، وأصبح لدينا وقت وطاقة أكبر للاهتمام بهما، وأعتقد أننا أصبحنا أمَّين أفضل بفضل الانتقال. إنهما تكبران في أجواء من الطيبة والهدوء والتعاون والأمان الشخصي، وهي أمور لا نجدها في إسرائيل».
وتضيف أن الطبيعة الخضراء وإمكانية بدء اليوم بالسباحة في البحيرة تعكسان نوعية حياة مختلفة تمامًا عما اعتادته الأسرة سابقًا.
الهجرة ليست تجربة سهلة
ورغم الصورة الإيجابية التي ترسمها لحياتها الجديدة، تعترف آنا بأن الهجرة عملية معقدة ومؤلمة، خصوصًا بسبب الاشتياق إلى العائلة والأصدقاء، وصعوبة تعلم اللغة البرتغالية، والحاجة إلى بناء شبكة جديدة من العلاقات الاجتماعية في سن الثانية والأربعين.
وقالت:
«الهجرة تعني تفكيك الهوية وإعادة بنائها من جديد. الأمر صعب، لكنه بالنسبة إلينا يستحق ذلك تمامًا».
وعندما سُئلت عن احتمال العودة إلى إسرائيل، أجابت بأنها لا تستطيع تصور سيناريو يدفع الأسرة إلى اتخاذ هذا القرار.
وأضافت:
«لم ننتقل بصورة مؤقتة من أجل العمل، بل اخترنا الهجرة. نحن مقتنعتان تمامًا بقرارنا، وآمل أن تجيب ابنتي بعد عشر سنوات، عندما يسألها أحدهم من أين أنتِ، بأنها برتغالية. ربما فات الأوان بالنسبة إلينا، لكنني أتمنى لابنتيَّ الاندماج هنا والشعور بالانتماء الحقيقي إلى هذه الدولة».
وأكدت أن الانتخابات الإسرائيلية لا تزال مهمة بالنسبة إليهما، وأنهما كانتا ترغبان في السفر للتصويت، لكن وضعها الصحي المعقد قد يمنع ذلك، منتقدة عدم سماح إسرائيل لمواطنيها المقيمين في الخارج بالتصويت داخل السفارات.
من تل أبيب إلى براغ
بدورها، هاجرت شارون دينر، البالغة من العمر 35 عامًا، قبل نحو شهر إلى العاصمة التشيكية براغ، برفقة زوجها وابنتهما البالغة من العمر عامين.
وتقول شارون إن العيش في دولة أخرى كان مغامرة أرادت خوضها مع زوجها، لكن الوضع الأمني والصعوبات الاقتصادية في إسرائيل كانا من العوامل الرئيسية التي سرعت القرار.
وأوضحت:
«منذ ولادة ابنتنا، أصبح العيش في ظل حالة حرب مستمرة مرهقًا للغاية، خصوصًا بالنسبة إليّ. لا أريد تربية ابنتي في وضع أمني صعب. كما أصبح كل شيء باهظ الثمن، وبات علينا التفكير مرتين قبل اتخاذ أي قرار مالي مهم».
وترى شارون أن مستوى حياة أسرتها تحسن في براغ، مشيرة إلى أن ابنتها تتلقى تعليمًا دوليًا وتتعلم لغة جديدة، داخل روضة تضم عشرة أطفال فقط تشرف عليهم ثلاث مربيات.
وقارنت ذلك بروضة ابنتها السابقة في تل أبيب، التي كانت تضم 23 طفلًا وأربع مربيات، معتبرة أن الأعداد الكبيرة كانت تجعل تقديم الرعاية الفردية لكل طفل أمرًا صعبًا.
تكاليف أقل وخدمات أفضل
تقول شارون إن تكاليف السكن في براغ أقل بكثير مما كانت تدفعه في تل أبيب، إذ تمكنت من استئجار منزل أكبر، تم تجديده ويضم تجهيزات وأثاثًا جديدًا، داخل مبنى جيد في وسط المدينة، وبسعر يقل بنحو ثلاثة آلاف شيكل عن إيجار شقتها القديمة والأصغر مساحة في تل أبيب.
وأضافت أن أسعار المواد الغذائية أكثر انخفاضًا، وأن تكلفة مشتريات الأسرة من المتجر لا تتجاوز عادة 400 شيكل، بما يشمل معظم احتياجات المنزل.
كما أشادت بهدوء الشوارع ونظافتها وانتظام وسائل النقل العام، موضحة أن شبكة المواصلات تتيح للأسرة التنقل بسرعة وراحة من دون الحاجة إلى امتلاك سيارة.
ومع ذلك، تعترف بأن الابتعاد عن العائلة يمثل أحد أصعب جوانب الهجرة، وأنها تحاول بناء صداقات جديدة لتعويض هذا الغياب.
وقالت:
«مهما كانت الحياة هنا مريحة، فإن التشيك ليست وطني. هناك شيء خاص في الدولة التي وُلدت فيها، يجعلك تشعر بأنك في بيتك فقط عندما تكون هناك. لكنني في الوقت الحالي لا أرى نفسي عائدة إلى إسرائيل، ولا يمكن معرفة ما سيحدث بعد عدة سنوات».
وأشارت شارون إلى أن انخفاض معدلات الجريمة وشعورها بالأمان في التشيك يمنحانها قدرًا كبيرًا من الطمأنينة، لكنها قد تعيد النظر في موقفها إذا تغير الوضع وأصبحت تخشى التحدث باللغة العبرية في الأماكن العامة.
أما بشأن المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر، فقالت إن الأسرة لا تخطط للسفر من أجل التصويت بسبب الارتفاع الكبير وغير المقبول، وفق وصفها، في أسعار تذاكر الطيران.
«من الصعب وصف الحياة من دون خوف»
كما انتقلت هدار تسور، البالغة من العمر 50 عامًا، إلى التشيك قبل نحو شهر برفقة ابنتها البالغة من العمر 13 عامًا.
وتقول تسور إن جدها ينحدر من التشيك، وإنها زارت البلاد مرات عديدة وارتبطت بها، لكنها أوضحت أن الوضع داخل إسرائيل كان العامل الحاسم في قرار الهجرة.
وأضافت أن ابنتها عانت خلال العامين الماضيين من مخاوف متزايدة بسبب الحرب والصواريخ وصفارات الإنذار، مؤكدة أنه لولا أحداث 7 أكتوبر والحروب الأخيرة، ربما لم تكن الأسرة ستغادر.
وقالت:
«في الفترة الأخيرة أصبح الوضع مبالغًا فيه ولم نعد نحتمله».
ولا تزال تسور تحاول التأقلم مع هدوء براغ والشعور بالأمان الذي افتقدته في إسرائيل.
وأضافت:
«من الصعب أن تشرح كيف تبدو الحياة من دون ذلك الخوف الموجود طوال الوقت داخل رأسك. الأمر لا يتعلق بالحرب فقط، بل أيضًا بالخوف من وقوع هجوم مفاجئ. في إسرائيل، تسير في الشارع وأنت تراقب كل من حولك، خشية أن يخرج أحدهم سكينًا ويبدأ في طعن المارة».
وتابعت:
«كنا نعيش مع هذا الخوف باعتباره أمرًا طبيعيًا، لكنه غير موجود هنا. علينا أن نتعلم كيف نعتاد على الهدوء والأمان. في كل مرة أسأل نفسي بدهشة: هل الحياة هنا هكذا بالفعل؟».
وتواجه هدار صعوبات مرتبطة بالاشتياق إلى أسرتها وإلى كلابها التي تركتها في إسرائيل، إضافة إلى تحديات التأقلم مع المجتمع الجديد، لكنها مصممة حاليًا على مواصلة حياتها الهادئة في براغ.
وعن احتمال العودة قالت:
«لا يمكن معرفة ما سيحدث. لا أستطيع القول إنني لن أعود مطلقًا، فوالداي متقدمان في العمر وقد أضطر إلى العودة بصورة مفاجئة. لكن ما دامت عائلتي بخير، فسنبقى هنا».
أكثر من ربع مليون مغادر خلال ثلاث سنوات
توضح أرقام جامعة تل أبيب أن عدد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد خلال عام 2025 لمدة ثلاثة أشهر متتالية على الأقل بلغ 90,922 شخصًا.
ورغم أن الرقم يقل بصورة طفيفة عن عام 2024، الذي سجل مغادرة 91,499 إسرائيليًا، فإنه يتجاوز حصيلة عام 2023 البالغة 86,509 أشخاص.
وبذلك يصل إجمالي عدد الإسرائيليين الذين غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الأخيرة إلى نحو 268 ألف شخص، ما يعكس اتساع ظاهرة الهجرة وتحولها إلى أحد أبرز المؤشرات الاجتماعية والديموغرافية المرتبطة بالأزمة الداخلية الإسرائيلية.
المصدر: موقع «واي نت» الإسرائيلي
النص الأصلي: نينا فوكسودة



