إعداد: أبو بكر إبراهيم أوغلو
الأحد 2 أغسطس/آب 2026
في تطور يُعد الأبرز سياسيًا على الساحة الدولية اليوم، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق ضربة عسكرية جديدة كانت مقررة ضد إيران، بعدما قال إن جهود الوساطة الإقليمية أحرزت تقدمًا نحو وضع إطار لاتفاق ينهي الحرب المستمرة منذ خمسة أشهر.
ويكتسب الإعلان أهميته من ارتباطه بثلاثة ملفات شديدة الحساسية: وقف المواجهة العسكرية الأميركية–الإسرائيلية مع إيران، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة، والتوصل إلى تسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني. لكن المواقف الصادرة من طهران تكشف أن الطريق إلى الاتفاق النهائي ما يزال محفوفًا بالخلافات.
ماذا أعلن ترامب؟
قال ترامب إن إيران وعددًا من دول الشرق الأوسط طلبت منح الجهود الدبلوماسية فرصة لاستكمال اتفاق يتضمن إعادة فتح مضيق هرمز بصورة فورية وكاملة، وإنهاء ما وصفه بـ«التهديد النووي الإيراني».
وأوضح أنه وافق، بناءً على هذا الطلب، على إلغاء الهجوم الأميركي المرتقب، شريطة التوصل سريعًا إلى اتفاق. كما قال إن إسرائيل تشاركه الالتزام بإنهاء الحرب وتنفيذ التفاهمات المحتملة، رغم عدم صدور إعلان إسرائيلي رسمي يؤكد تفاصيل الاتفاق.
وجاء قرار التهدئة عقب اتصال بين ترامب وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، شدد خلاله الأخير على أولوية الحوار وخفض التصعيد، محذرًا من التداعيات الاقتصادية والأمنية التي قد تنتج عن اتساع المواجهة. وأكدت رويترز أن الإعلان الأميركي أعقب أيامًا من تبادل التهديدات بين واشنطن وطهران.
اتفاق لم يُبرم بعد
على الرغم من اللغة المتفائلة التي استخدمها ترامب، لا تشير المعلومات المتاحة إلى توقيع اتفاق نهائي حتى الآن. ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن مسؤول إقليمي مشارك في جهود الوساطة أن المقترح يهدف إلى إعادة الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات، وأن العديد من القضايا الأساسية لا تزال قيد البحث.
ويتضمن الإطار المطروح عدة بنود رئيسية:
- إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية.
- وقف الهجمات المتبادلة في المنطقة.
- إنهاء هجمات الجماعات المتحالفة مع إيران على دول الخليج والأردن.
- رفع الحصار البحري الأميركي المفروض على إيران.
- السماح لطهران باستئناف صادراتها النفطية.
- بدء مفاوضات جديدة حول البرنامج النووي الإيراني والترتيبات الأمنية الإقليمية.
غير أن المسؤول الإقليمي أكد أن هذه البنود لا تزال تمثل أساسًا للتفاوض، وليست اتفاقًا مكتملًا أو ملزمًا للأطراف.
طهران تخفّض سقف التفاؤل
جاء الرد الإيراني أكثر تحفظًا، إذ قال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إن مضيق هرمز «لن يعود بأي حال إلى الوضع الذي كان قائمًا قبل 28 فبراير»، تاريخ اندلاع الحرب.
وأوضح أن المحادثات الجارية مع سلطنة عُمان تتركز على تحديد مسار جديد لعبور السفن، ولا تعني التوصل إلى اتفاق بشأن الفتح الكامل للمضيق. كما أكد وزير الدفاع الإيراني أن بلاده ما تزال في حالة تأهب، وأنها تتعامل بجدية مع التهديدات الأميركية.
وتكشف هذه التصريحات عن فجوة واضحة بين الروايتين الأميركية والإيرانية: فبينما تقدم واشنطن فتح المضيق وإنهاء التهديد النووي باعتبارهما من عناصر التفاهم، تصر طهران على أن قواعد الملاحة لن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، وأن المفاوضات البحرية منفصلة عن مستقبل برنامجها النووي.
لماذا يُعد مضيق هرمز جوهر الأزمة؟
يمر عبر مضيق هرمز، في الظروف الطبيعية، نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وأدى تعطيل حركة الملاحة خلال الحرب إلى ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وزيادة الضغوط التضخمية في عدد من الاقتصادات.
وبحسب رويترز، قفزت أسعار خام برنت بنحو 24% خلال يوليو الماضي بالتزامن مع انهيار التهدئة السابقة وتجدد المواجهات. كما اتسع القلق بعد تهديد جماعة الحوثي باستهداف حركة الملاحة في باب المندب، ما وضع اثنين من أهم الممرات البحرية العالمية تحت ضغط متزامن.
وقد انعكس إعلان ترامب سريعًا على أسواق المنطقة، إذ سجلت بورصات السعودية وقطر ومصر ارتفاعات مدفوعة بتوقعات خفض التصعيد، بينما غادرت ناقلة تابعة لـ«قطر للطاقة» المضيق للمرة الأولى منذ 11 يوليو، وفق رويترز.
الدور الخليجي
يشير تسلسل الأحداث إلى أن دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية وسلطنة عُمان، أصبحت الطرف الأكثر تأثيرًا في محاولة نقل الأزمة من المواجهة العسكرية إلى المسار السياسي.
فالرياض تخشى أن يؤدي أي هجوم أميركي واسع إلى رد إيراني على منشآت الطاقة والقواعد العسكرية في المنطقة، بينما تقود مسقط المحادثات الفنية المتعلقة بالملاحة في المضيق. وتبدو دول الخليج حريصة على منع تحول أراضيها ومنشآتها الاقتصادية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين واشنطن وطهران.
ولا يعني ذلك أن المخاوف الخليجية قد انتهت؛ فاستمرار نشاط الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق واليمن، وإمكانية استهداف الكويت أو منشآت الطاقة، يظلان من أبرز مصادر التهديد لأي اتفاق مرتقب.
الموقف الإسرائيلي
رغم قول ترامب إن إسرائيل تشاركه الالتزام بالتسوية، فإن تصريحات وزير الطاقة الإسرائيلي وعضو المجلس الأمني المصغر إيلي كوهين أظهرت أن تل أبيب تحتفظ بحق التحرك العسكري منفردة.
وأكد كوهين أن إسرائيل ستضرب إيران إذا حاولت استعادة برنامجها النووي أو تطوير صناعاتها الصاروخية، سواء تم التوصل إلى اتفاق أم لا. ويضع هذا الموقف أحد أكبر التحديات أمام أي تسوية؛ لأن طهران قد ترفض اتفاقًا لا يتضمن ضمانات واضحة بوقف الهجمات الإسرائيلية.
ثلاثة سيناريوهات محتملة
السيناريو الأول: اتفاق شامل
تنجح الوساطات في تثبيت وقف دائم لإطلاق النار، وفتح مضيق هرمز، واستئناف الصادرات الإيرانية، مقابل قيود ورقابة مشددة على البرنامج النووي. وسيؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار الطاقة وبدء إعادة ترتيب منظومة الأمن الإقليمي.
السيناريو الثاني: تفاهم مرحلي
يتفق الطرفان على وقف مؤقت للهجمات وتنظيم الملاحة، مع تأجيل الملفات النووية والصاروخية الأكثر تعقيدًا. وهذا هو السيناريو الأقرب في المدى القصير، لكنه يظل معرضًا للانهيار عند أول خرق أمني.
السيناريو الثالث: فشل المفاوضات
تتعثر المحادثات بسبب الخلاف حول هرمز أو البرنامج النووي أو الضمانات الإسرائيلية، فتستأنف الولايات المتحدة ضرباتها وترد إيران باستهداف الملاحة ومنشآت الطاقة، بما ينذر بحرب إقليمية أوسع.
اختبار حقيقي لاختراق سياسي
لا يمثل إعلان ترامب نهاية للحرب حتى الآن، بل فرصة أخيرة تقريبًا لمنع جولة جديدة من التصعيد. وقد سبق أن أعلنت واشنطن أكثر من مرة تعليق الضربات، قبل أن تنهار تفاهمات وقف إطلاق النار وتتجدد المواجهات.
لذلك، فإن المعيار الحقيقي لنجاح التحرك الحالي لن يكون الخطاب السياسي، وإنما بدء تنفيذ خطوات ملموسة: توقف العمليات العسكرية، مرور السفن بأمان، تثبيت الوساطة العُمانية، وصدور تأكيد رسمي متطابق من واشنطن وطهران وتل أبيب.
ومع أن الفجوة بين الأطراف لا تزال واسعة، فإن تعليق الضربة الأميركية يمنح الدبلوماسية نافذة جديدة. وإذا تحولت هذه النافذة إلى اتفاق قابل للتنفيذ، فقد يصبح يوم 2 أغسطس 2026 نقطة تحول في واحدة من أخطر الحروب التي شهدها الشرق الأوسط؛ أما إذا فشلت، فقد لا يكون الإعلان سوى هدنة قصيرة تسبق مواجهة أشد اتساعًا.

