أخباراقتصادعربي و دولي

لماذا يفكر الشباب العربي في الهجرة؟ أرقام تكشف الدول الأكثر رغبة وسيناريوهات الملف حتى 2030

هجرة العقول والأحلام.. لماذا يريد الشباب العربي الرحيل إلى الشمال؟ أرقام صادمة وسيناريوهات حتى 2030

ابوبكر ابراهيم اوغلو

لم تعد الهجرة بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الشباب العربي مجرد رغبة في الانتقال الجغرافي أو خوض تجربة مختلفة، بل أصبحت في كثير من الحالات تعبيراً عن أزمة اقتصادية واجتماعية ممتدة؛ تبدأ من صعوبة الحصول على وظيفة مستقرة، وتمر بتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف السكن، ولا تنتهي عند فقدان الثقة في إمكان تحسين الأوضاع داخل البلدان الأصلية.

وتكشف أحدث استطلاعات الرأي الإقليمية أن الرغبة في الهجرة ترتفع بصورة واضحة بين الشباب مقارنة بالفئات الأكبر سناً، وأن أصحاب التعليم الجامعي يشكلون نسبة بارزة من الراغبين في المغادرة. ويشير ذلك إلى أن المنطقة العربية لا تواجه فقط هجرة الفئات الأفقر أو الأكثر هشاشة، وإنما تواجه أيضاً خطر فقدان جزء من رأسمالها البشري المتعلم والمهني.

ويبدو «الشمال» — ولا سيما أوروبا وأميركا الشمالية — في مخيلة كثير من الشباب فضاءً للرواتب الأعلى، والمؤسسات الأكثر استقراراً، والخدمات العامة الأفضل، وإمكان الترقي الاجتماعي والمهني. غير أن هذه الصورة لا تعكس دائماً الواقع الكامل، إذ يواجه المهاجرون صعوبات تتعلق بالاعتراف بالمؤهلات، والتمييز، وارتفاع تكاليف المعيشة، والقيود القانونية، واحتمال العمل في وظائف أدنى من مستوياتهم التعليمية.

أرقام الرغبة في الهجرة

بحسب الموجة الثامنة من «الباروميتر العربي»، التي أُجريت في سبع دول خلال عامي 2023 و2024، جاءت تونس في مقدمة الدول المشمولة من حيث نسبة المواطنين الذين قالوا إنهم فكروا في الهجرة، تلتها الأردن ولبنان والمغرب. ولا تشمل هذه المقارنة جميع الدول العربية، ولذلك لا يجوز اعتبارها ترتيباً عربياً شاملاً.

الدولةنسبة عموم المواطنين الذين فكروا في الهجرةنسبة الشباب بين 18 و29 عاماً
تونس46%71%
الأردن42%54%
لبنان38%58%
المغرب35%55%
فلسطين25%35%
موريتانيا22%27%
الكويت16%27%

وتكشف المقارنة أن الفجوة بين الشباب والفئات الأكبر سناً واسعة. ففي تونس، يرغب 71% من الشباب في الهجرة مقابل 36% ممن تبلغ أعمارهم 30 عاماً فأكثر. وفي لبنان تبلغ النسبتان 58% و29%، وفي المغرب 55% و24%، ما يعني أن الشباب في بعض البلدان أكثر ميلاً إلى الهجرة بنحو الضعف مقارنة بالأجيال الأكبر.

ولا تعني هذه الأرقام أن جميع من يعبرون عن الرغبة سيهاجرون فعلياً. فالرغبة في المغادرة تختلف عن امتلاك خطة تنفيذية أو جواز سفر أو تأشيرة أو موارد مالية أو فرصة عمل. وتوضح مؤسسة غالوب أن أسئلة الرغبة في الانتقال تقيس التفضيلات والطموحات، ولا تمثل توقعاً مباشراً لحجم الهجرة الفعلية.

لماذا تتصدر تونس؟

تقدم الحالة التونسية نموذجاً واضحاً للعلاقة بين تعثر الاقتصاد وتصاعد الرغبة في الهجرة. فقد ارتفعت نسبة التونسيين الذين يفكرون في المغادرة من 22% عام 2011 إلى 46% في استطلاع 2023–2024، وهي أعلى نسبة سجلها الباروميتر العربي في البلاد منذ بدء تتبع المؤشر. وبين الشباب، وصلت النسبة إلى 71%.

ولا يمكن تفسير ذلك بعامل البطالة وحده. فالمشكلة تشمل ضعف نمو القطاع الخاص، وتراجع القدرة الشرائية، وضبابية المسار المهني، واتساع الفجوة بين التعليم الجامعي واحتياجات سوق العمل، إلى جانب الشعور بأن الانتظار لا يؤدي إلى تحسن ملموس.

ومن اللافت أن 89% من التونسيين الراغبين في الهجرة أرجعوا توجههم إلى أسباب اقتصادية، وهي نسبة تكشف أن الهجرة تُقرأ لديهم باعتبارها مخرجاً من أزمة الفرص والدخل، أكثر من كونها اختياراً ثقافياً أو تفضيلاً لنمط حياة أجنبي.

الأردن: الوظيفة والدخل في مقدمة الدوافع

يأتي الأردن ثانياً بين الدول التي شملها الاستطلاع، إذ قال 42% من المواطنين إنهم فكروا في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 54% بين الشباب. وعلى الرغم من انخفاض الرقم العام من 48% عام 2022 إلى 42% في 2024، فإنه ما زال أعلى بكثير من المستويات المسجلة قبل عام 2018.

وتبدو الدوافع الاقتصادية في الأردن أكثر وضوحاً من أي دولة أخرى في العينة؛ إذ قال 90% من الراغبين في الهجرة إن الأسباب الاقتصادية هي المحرك الأساسي لرغبتهم. ويعكس ذلك ضغوط البطالة، وضعف فرص العمل النوعية، وتفاوت الأجور، وارتفاع تكاليف السكن والمعيشة مقارنة بدخول الشباب.

لبنان: الهجرة هرباً من الاقتصاد وعدم الاستقرار

في لبنان، يفكر 38% من المواطنين في الهجرة، وترتفع النسبة إلى 58% بين الشباب. وترتبط هذه النسبة بأزمة اقتصادية عميقة وتراجع الخدمات العامة وفقدان المدخرات وتدهور قيمة العملة، إضافة إلى المخاوف الأمنية والسياسية.

ورغم أن الأسباب الاقتصادية ما تزال في المقدمة، إذ ذكرها 72% من الراغبين في الهجرة، فإن العامل الأمني والسياسي يحتل موقعاً أكثر أهمية في لبنان مقارنة بعدد من الدول الأخرى، خصوصاً مع استمرار التوترات والخوف من توسع النزاعات.

وتختلف الهجرة اللبنانية جزئياً عن بعض الأنماط الأخرى بسبب وجود شبكات اغتراب تاريخية واسعة. فوجود أقارب وجاليات مستقرة في أوروبا وأميركا الشمالية وأستراليا والخليج يقلل تكلفة الانتقال، ويوفر معلومات وفرص عمل وإقامة، ويجعل قرار المغادرة أكثر قابلية للتنفيذ.

المغرب: التعليم لا يمنع التفكير في الرحيل

قال 35% من المغاربة إنهم فكروا في الهجرة، بينما ارتفعت النسبة إلى 55% بين الشباب. كما تظهر البيانات أن الرغبة في المغادرة أعلى بين الرجال، إذ بلغت 45% مقابل 25% بين النساء.

وتبرز في المغرب مفارقة مهمة: فالراغبون في الهجرة ليسوا جميعاً من غير المتعلمين أو العاطلين، بل تشمل الظاهرة شباباً جامعيين يرون أن مؤهلاتهم لا تقود إلى وظيفة تتناسب مع سنوات الدراسة أو توفر دخلاً يسمح بالاستقلال وتكوين أسرة.

وقال 45% من المغاربة الراغبين في الهجرة إن الأسباب الاقتصادية هي الدافع الأساسي، بينما أظهر استطلاع الباروميتر العربي أن 53% من المهاجرين المحتملين في المغرب قد يفكرون في المغادرة من دون أوراق رسمية، وهي إشارة إلى اتساع المسافة بين شدة الرغبة وإتاحة المسارات القانونية.

البطالة وحدها لا تفسر الظاهرة

تسجل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أحد أعلى معدلات بطالة الشباب عالمياً. وقد قدرت منظمة العمل الدولية معدل بطالة الشباب في المنطقة بنحو 24.5% في 2024، مع توقع انخفاض طفيف إلى 24.2% في 2025، فيما تضع تقديرات أخرى للبنك الدولي المعدل الإقليمي عند نحو 25% إلى 26% بحسب التغطية الجغرافية والسنة والمنهجية المستخدمة.

لكن البطالة ليست التفسير الوحيد. فقد يكون الشاب موظفاً، لكنه يعمل بأجر غير كافٍ، أو في وظيفة مؤقتة بلا حماية اجتماعية، أو في مجال لا يتناسب مع تخصصه، أو داخل اقتصاد غير رسمي لا يوفر مساراً واضحاً للترقي.

لذلك يمكن القول إن الدافع الحقيقي في حالات كثيرة هو فجوة الفرصة وليس غياب الوظيفة فقط؛ أي الفجوة بين ما يتوقعه الشاب بعد التعليم والتدريب، وما يستطيع الاقتصاد المحلي تقديمه فعلياً من أجر واستقرار ومكانة اجتماعية.

ستة دوافع اقتصادية للهجرة

1. بطالة الشباب

كلما طالت فترة البحث عن العمل بعد التخرج، تحولت الهجرة من خيار بعيد إلى خطة شخصية. ولا يقتصر أثر البطالة على فقدان الدخل، بل يمتد إلى تأجيل الزواج والاستقلال والسكن وتكوين الأسرة.

2. ضعف الأجور والقوة الشرائية

قد يكون الشاب موظفاً، لكنه لا يستطيع تغطية السكن والنقل والغذاء والادخار. ومع التضخم وارتفاع الأسعار، يصبح الفرق بين الأجور المحلية والأجور المتوقعة في الخارج عاملاً شديد التأثير.

3. عدم تطابق التعليم مع سوق العمل

تخرج الجامعات العربية أعداداً كبيرة في تخصصات لا يستوعبها الاقتصاد بالسرعة نفسها، بينما تعاني قطاعات أخرى نقصاً في المهارات التقنية والمهنية. وينتج عن ذلك بطالة بين الخريجين أو انتقالهم إلى وظائف أقل من مؤهلاتهم.

4. ضعف الثقة في المستقبل الاقتصادي

تظهر بيانات الباروميتر العربي أن تقييم الاقتصاد وآفاقه المستقبلية أكثر تأثيراً في الرغبة في الهجرة من مستوى دخل الأسرة وحده. فالشخص قد يتحمل دخلاً محدوداً عندما يعتقد أن أوضاعه ستتحسن، لكنه يفكر في المغادرة عندما يفقد هذا الأمل.

5. شبكات المغتربين

وجود أقارب وأصدقاء في الخارج يخفض المخاطر والتكلفة، ويوفر السكن المؤقت والمعلومات والإحالات الوظيفية. ولهذا تؤثر العلاقات التاريخية واللغوية في اختيار الوجهة، مثل توجه المغاربيين إلى فرنسا وبلجيكا وكندا، وتوجه آخرين إلى ألمانيا والخليج وأميركا الشمالية.

6. جاذبية المؤسسات والخدمات

لا يبحث المهاجر المحتمل عن الراتب فقط، بل عن سيادة القانون، والتأمين الصحي، والتعليم، والنقل، والحماية الاجتماعية، ووضوح الإجراءات. وفي هذا المعنى تصبح الهجرة تصويتاً غير مباشر على جودة المؤسسات داخل الدولة الأصلية.

لماذا يبدو «الشمال» أكثر جذباً؟

تحتفظ أوروبا بجاذبيتها بسبب القرب الجغرافي من شمال أفريقيا، ووجود جاليات عربية كبيرة، وتوافر برامج تعليم وعمل وحماية اجتماعية. كما تمنح اللغة والروابط التاريخية بعض الدول ميزة إضافية لدى مهاجرين من بلدان بعينها.

وتشير بيانات غالوب لعام 2025 إلى أن ألمانيا أصبحت الوجهة الأولى المحتملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 13% من الراغبين في الهجرة، تلتها السعودية بنسبة 12%، ثم الولايات المتحدة بنسبة 9%. ويعني ذلك أن «الشمال» ليس الوجهة الوحيدة؛ فدول الخليج ما تزال مركز جذب اقتصادي مهم للشباب العربي.

وعلى المستوى العالمي، بقيت الولايات المتحدة الوجهة الأكثر رغبة، لكن حصتها تراجعت إلى 15% من المهاجرين المحتملين في 2025، مقابل 9% لكندا، فيما تراوحت حصة دول مثل ألمانيا وإسبانيا وفرنسا وإيطاليا وأستراليا بين نحو 3% و5% عالمياً.

الشمال يحتاج إلى الشباب أيضاً

لا تتحرك الهجرة بفعل عوامل الطرد في الجنوب فقط، وإنما بفعل عوامل الجذب في الشمال. فالاتحاد الأوروبي يواجه شيخوخة سكانية وتراجعاً في حجم القوى العاملة، إلى جانب نقص في قطاعات الصحة والرعاية والبناء والنقل والتكنولوجيا والهندسة والسياحة.

وتوقعت المفوضية الأوروبية انخفاض عدد السكان في سن العمل، بين 20 و64 عاماً، من 265 مليوناً عام 2022 إلى نحو 258 مليوناً بحلول 2030. ولهذا تضع المؤسسات الأوروبية الهجرة القانونية المستهدفة ضمن أدوات معالجة النقص في العمالة والمهارات.

كما دخلت مبادرة «تجمع المواهب الأوروبي» حيز التنفيذ في يونيو/حزيران 2026، بوصفها منصة أوروبية لتسهيل توظيف الباحثين عن عمل من خارج الاتحاد، خصوصاً في المهن التي تعاني نقصاً في العمالة.

وتشير تحليلات المفوضية إلى أن زيادة توظيف المولودين خارج الاتحاد الأوروبي ساهمت بالفعل في تخفيف نقص العمالة، في ظل تباطؤ نمو السكان في سن العمل واستمرار الطلب على الموظفين.

وبذلك تنشأ معادلة مزدوجة: جنوب عربي يمتلك كتلة شبابية كبيرة ولا يوفر ما يكفي من الوظائف النوعية، وشمال أوروبي متقدم اقتصادياً لكنه يشيخ ويحتاج إلى عمال ومهارات جديدة.

الهجرة النظامية وغير النظامية

من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات:

الرغبة في الهجرة: تعبير عام عن تفضيل الانتقال إلى الخارج.

الاستعداد للهجرة: وجود خطوات أولية، مثل تعلم لغة أو جمع المال أو البحث عن منحة أو عقد عمل.

الهجرة الفعلية: الانتقال القانوني أو غير القانوني عبر مسار محدد.

ولا يتحول كل راغب إلى مهاجر، كما لا يتجه كل مهاجر إلى أوروبا. فقد يختار البعض دول الخليج، أو ينتقلون إلى دولة عربية أخرى، أو يهاجرون من أجل التعليم ثم يعودون.

لكن انسداد المسارات القانونية قد يدفع جزءاً من الشباب إلى طرق غير نظامية. وتبين بيانات الباروميتر العربي أن الفئات الأقل تعليماً والأشد معاناة في تغطية نفقاتها أكثر استعداداً للنظر في الهجرة من دون وثائق، بينما يميل المتعلمون إلى البحث عن مسارات الدراسة والعمل النظامية.

الكلفة الاقتصادية على الدول العربية

خسارة رأس المال البشري

عندما يهاجر الأطباء والمهندسون والباحثون والمبرمجون، تخسر الدولة جزءاً من العائد على الإنفاق العام والأسري الذي استُثمر في تعليمهم وتدريبهم.

نقص المهارات

قد تعاني بعض الدول البطالة العامة، لكنها تواجه في الوقت نفسه نقصاً في مهارات متخصصة. وتؤدي هجرة الكفاءات إلى تعميق هذا التناقض.

ضعف الابتكار

تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى كتلة حرجة من الباحثين ورواد الأعمال والمختصين. وخروج هذه الفئات يقلل فرص بناء شركات تقنية وصناعات معرفية محلية.

اختلالات ديموغرافية واجتماعية

يؤدي رحيل الشباب إلى تأخر الزواج وتشتت الأسر وزيادة الاعتماد على التحويلات المالية، وقد تصبح الهجرة معياراً للنجاح الاجتماعي بدلاً من النجاح داخل الاقتصاد الوطني.

لكنها ليست خسارة كاملة

للهجرة فوائد اقتصادية أيضاً، أبرزها التحويلات المالية، ونقل المعرفة، وتكوين شبكات تجارية واستثمارية دولية، وتخفيف الضغط المؤقت على سوق العمل المحلي.

ويمكن للمهاجرين أن يتحولوا إلى مصدر للاستثمار والتصدير ونقل التكنولوجيا، إذا حافظت الدول الأصلية على علاقات مؤسسية معهم، وسهلت تأسيس الشركات والاستثمار والعودة المؤقتة والعمل عن بُعد.

لذلك لا تكمن المشكلة في الهجرة ذاتها، بل في تحولها إلى نزيف دائم للكفاءات من دون سياسات لاستعادة المعرفة أو جذب الاستثمارات أو تشجيع العودة.

ماذا سيحدث حتى 2030؟

لا توجد قاعدة علمية تسمح بتحديد عدد دقيق للشباب العرب الذين سيهاجرون حتى 2030؛ فالحروب، والأسعار، والسياسات الأوروبية، وأسواق العمل، والتغير المناخي قد تغير الاتجاه خلال أشهر.

لكن المؤشرات الحالية تسمح ببناء ثلاثة سيناريوهات استشرافية.

السيناريو الأول: استمرار الاتجاه الحالي

في هذا السيناريو، تحقق الاقتصادات العربية نمواً محدوداً لا ينتج وظائف كافية، وتبقى البطالة والأجور الحقيقية عند مستويات ضاغطة، بينما تستمر أوروبا في فتح مسارات انتقائية للعمالة الماهرة وتشديد الحدود أمام الهجرة غير النظامية.

النتيجة المتوقعة هي استمرار الرغبة المرتفعة في الهجرة، مع توسع هجرة الأطباء والمهندسين والتقنيين والطلاب، وارتفاع التنافس على التأشيرات والمنح وعقود العمل.

وستتحول الهجرة تدريجياً من موجات عامة إلى هجرة أكثر انتقائية، تستهدف أصحاب المهارات المطلوبة، بينما تظل الفئات الأقل تأهيلاً أمام مسارات أصعب وأكثر خطورة.

السيناريو الثاني: تفاقم الأزمات

يتحقق هذا السيناريو إذا اتسعت النزاعات، أو تصاعدت أزمات الديون والتضخم والبطالة، أو زادت آثار الجفاف وندرة المياه وارتفاع أسعار الغذاء.

عندها قد تتجاوز الهجرة كونها بحثاً عن دخل أعلى، لتصبح وسيلة للحماية والاستقرار. وقد ترتفع الرحلات غير النظامية عبر البحر المتوسط والأطلسي والبلقان، بالتزامن مع سياسات أوروبية أشد صرامة وإعادة أكبر للمهاجرين إلى دول العبور.

وسيكون هذا السيناريو الأعلى كلفة إنسانية وسياسية، لأنه سيجمع بين زيادة دوافع المغادرة وانخفاض فرص الدخول القانوني.

السيناريو الثالث: تحويل الهجرة إلى شراكة تنموية

يفترض هذا السيناريو أن تطور الدول العربية سياسات جدية لخلق الوظائف، وتحسين مناخ الاستثمار، وربط التعليم بالمهارات المطلوبة، ودعم الشركات الصغيرة والتكنولوجيا والاقتصاد الأخضر.

وفي الوقت نفسه، تتوسع الشراكات مع أوروبا في التدريب والتوظيف المؤقت والتنقل الدائري والاعتراف المتبادل بالمؤهلات، بما يسمح للشباب بالعمل واكتساب الخبرة ثم العودة أو الاستثمار في بلدانهم.

وقد يخفف هذا المسار الهجرة غير النظامية، لكنه لن يوقف الهجرة، بل سيجعلها أكثر أمناً وتنظيماً وإنتاجية لكل من دول المنشأ والاستقبال.

ترجيح المسار الأقرب

حتى 2030، يُرجح أن تسير المنطقة في مزيج من السيناريوهين الأول والثالث، مع اختلاف كبير بين الدول.

ستستمر الرغبة في الهجرة عند مستويات مرتفعة في الدول التي تعاني الأزمات المالية أو النزاعات أو ضعف القطاع الخاص. وفي المقابل، ستتوسع الهجرة القانونية للمتخصصين في الصحة والتكنولوجيا والهندسة والحرف المهنية إلى أوروبا ودول الخليج.

وقد تتراجع جاذبية بعض الوجهات التقليدية بسبب ارتفاع تكاليف السكن وتشديد قوانين اللجوء ولمّ الشمل، بينما تصعد وجهات أخرى مثل ألمانيا وكندا ودول الخليج، وفق احتياجات سوق العمل وسهولة التأشيرات.

كما يُتوقع أن يصبح عامل المهارة أكثر أهمية من عامل القرب الجغرافي؛ فالدول المستقبلة ستبحث عن العامل الذي تحتاج إليه، لا عن المهاجر بصفته مهاجراً فقط.

خطر خسارة الشباب المتعلم

تكشف بيانات الباروميتر العربي أن التعليم الجامعي لا يقلل بالضرورة الرغبة في المغادرة، بل قد يزيدها. ففي تونس، يريد 60% من الحاصلين على تعليم جامعي الهجرة مقابل 40% من الأقل تعليماً. وفي الأردن تبلغ النسبتان 50% و38%، وفي لبنان 46% و33%.

وتشير غالوب إلى أن الهجرة المحتملة قد تعيد توزيع الشباب والمتعلمين عالمياً؛ إذ يمكن أن تحقق دول متقدمة مكاسب كبيرة في أعداد الشباب وأصحاب الشهادات، بينما تواجه دول في شمال أفريقيا وأفريقيا جنوب الصحراء وأميركا اللاتينية خسائر محتملة في هذه الفئات.

ولا يمثل هذا المؤشر توقعاً بحركة فعلية، لكنه يوضح حجم التحدي: الدول القادرة على توفير الفرص ستجذب رأس المال البشري، والدول التي تفشل في ذلك ستدفع جزءاً من شبابها إلى البحث عن مستقبل خارجها.

ما المطلوب من الحكومات العربية؟

الحد من الهجرة القسرية اقتصادياً لا يتحقق بإغلاق الحدود أو حملات التخويف، بل بتقليل الفجوة بين طموح الشباب والواقع المتاح.

ويحتاج ذلك إلى:

  1. خلق وظائف إنتاجية في القطاع الخاص، بدلاً من الاعتماد المفرط على التوظيف الحكومي.
  2. إصلاح التعليم المهني والجامعي وربطه باحتياجات الأسواق المحلية والدولية.
  3. دعم الشركات الصغيرة والناشئة وتسهيل التمويل والتسجيل والضرائب.
  4. تحسين الأجور والحماية الاجتماعية للعاملين، خصوصاً في الاقتصاد غير الرسمي.
  5. إنشاء برامج للهجرة الدائرية تتيح العمل والتدريب في الخارج ثم العودة.
  6. بناء قواعد بيانات للكفاءات العربية المهاجرة وربطها بالاستثمار والبحث العلمي.
  7. معالجة الفساد والمحسوبية وغياب تكافؤ الفرص، لأنها عوامل تدفع الشباب المتعلم إلى فقدان الثقة.

ويؤكد البنك الدولي أن المنطقة تحتاج إلى إعادة تشكيل دور الحكومات في الاقتصاد، وتعزيز المنافسة، وتقليل الامتيازات التي تتمتع بها الشركات المرتبطة بالدولة، حتى يتمكن القطاع الخاص من خلق الوظائف المطلوبة للسكان في سن العمل.

خلاصة

تكشف الأرقام أن الرغبة في الهجرة ليست ظاهرة هامشية بين الشباب العربي. ففي الدول السبع التي شملها أحدث استطلاع للباروميتر العربي، بلغت النسبة بين الشباب 71% في تونس، و58% في لبنان، و55% في المغرب، و54% في الأردن.

وتقف الأسباب الاقتصادية في صدارة المشهد، لكنها لا تقتصر على البطالة. فالشباب يبحثون عن دخل يكفي للحياة، ووظيفة تتناسب مع التعليم، ومؤسسات يمكن الوثوق بها، ومسار واضح للترقي والاستقرار.

وفي المقابل، يحتاج الشمال الأوروبي إلى عمال ومهارات بسبب شيخوخة السكان وانكماش القوى العاملة، ما يعني أن حركة الشباب من الجنوب إلى الشمال لن تتوقف حتى 2030، لكنها ستصبح أكثر انتقائية وتنظيماً من جهة، وأكثر صعوبة وخطورة على المسارات غير النظامية من جهة أخرى.

وستكون المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة معركة على رأس المال البشري: إما أن تنجح الدول العربية في تحويل شبابها إلى قوة إنتاج وابتكار داخلية، وإما أن تواصل الاقتصادات الأكثر تقدماً استقطاب أفضل ما أنفقت المنطقة سنوات طويلة على تعليمه وتكوينه.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews