مقالات

استباحة الجنوب السوري وغياب حلول الدولة

مقال للكاتب محمد نور حمشو

لا زال الجنوب يمثل الخاصرة الرخوة للدولة السورية الجديدة فبعد تقدم إسرائيل في ٨ ديسمبر ٢٠٢٤ في مرتفعات جبل الشيخ متجاوزة اتفاقية مناطق فض الاشتباك ١٩٧٤؛ ثم استعصاء الحل السياسي في السويداء قبل انفجار الوضع في تموز ٢٠٢٥؛ عاشت القنيطرة ودرعا تحت ضغط التوغلات الإسرائيلية المتكررة واستباحة المنطقة بذرائع مختلفة؛ لكن ما حصل في درعا مؤخراً من ضربات بسلاح الجو الأردني على درعا وما تلاه من شهداء مدنيين بينهم أطفال ونساء كان ذروة ما وصل إليه الجنوب السوري منذ ٨ ديسمبر ٢٠٢٤.

وكانت ضربات الطيران الأردني رداً على مجزرة مروعة حدثت قبل أيام في قرية حمود بمحافظة الكرك ثم تلاها إعلان رسمي أردني عن إلقاء القبض على منفذي المجزرة الثلاثة في مبنى مهجور.

أدانت الدولة السورية العملية في درعا التي أطلق عليها الجيش الأردني “الردع الأردني؛ حمود” وسط غضب شعبي سوري واسع رافقه قرار حكومي بإغلاق معبر نصيب الحدودي مع الأردن بشكل كامل.

وبالرغم من فاجعة سقوط ضحايا مدنيين بما فيهم أطفال تحت عشر سنوات؛ فإن ما حدث يعتبر تصعيد سياسي وعسكري كبير من الأردن تجاه سوريا الجديدة كما يعتبر امتحان حقيقي للحكومة السورية لمراجعة طريقة التعامل مع الخاصرة الرخوة للدولة السورية الجديدة ولدمشق العاصمة؛ تلك المراجعة التي باتت اليوم ضرورة ملحة وأساس لبسط الدولة سلطتها على كامل التراب السوري.

والأشد خطورة أن رواية الجانب الأردني بعد عملية “الردع الأردني؛ حمود” في درعا باتت متوافقة مع رواية الاحتلال الإسرائيلي لتبرير توغلاته الشبه يومية في القنيطرة ودرعا وما يرافقها من عمليات اعتقال ونصب حواجز لترهيب السكان وزرع أجهزة تجسس استخبارية.

ولا يخفى على أحد أن الإدارة الجديدة فشلت في موضوع الجنوب فشلاً كبيراً فتحول الجنوب إلى أرض خارج سيطرة الدولة تحكمها ميليشيات الهجري وتجار المخدرات و “داعش” حسب الروايتين الإسرائيلية والأردنية التي تحدثت عن خلايا إرهابية في الجنوب؛ هذا الفشل ترجم بشكل كبير بعد الضربة الأردنية على درعا فبينما أكد البيان الأردني على التنسيق مع الجانب السوري نفى البيان السوري هذا التنسيق لكن البيان زاد الاحتقان الشعبي بدلاً من احتوائه.

فقد جاء البيان وما تلاه دون مستوى الفاجعة كما غاب عن البيان نية الحكومة السورية في بسط سلطتها على الجنوب وقطع محاولات الميليشيات وتجار المخدرات لإضعاف الدولة الجديدة.

ثم تم الاتفاق بين الحكومتين السورية والأردنية على تشكيل لجنة للتحقيق وهو الإجراء الذي اعتاده السوريين وبات موضع شك لكسب الوقت والتسويف.

ما حصل في درعا يضع الحكومة السورية تحت ضغط كبير ويلزمها بحلول عاجلة وحاسمة فمنذ أسبوع فقط نظمت مظاهرات عارمة في درعا وريف دمشق ومناطق أخرى ضد التوغلات الإسرائيلية في الجنوب.

ولا يقتصر الأمر في الجنوب السوري على التدخلات الإسرائيلية بل يتعدى ذلك بعد أن تحول إلى ساحة مفتوحة لتصنيع وتهريب المخدرات وخصوصاً في السويداء مع غياب أفق حل سياسي لأزمة السويداء.

ومع حصول تقدم ملموس في ملف “ملف قسد” لا يزال الجنوب السوري خارج السيطرة وهذا ما يجعله بيئة تهدد دول الجوار فالقصف الأردني ليس الأول بل سبقه قصف معامل ومستودعات مخدرات في السويداء ودرعا مرات عديدة منذ ٢٠٢٣ وبعد سقوط النظام البائد تحول ثقل صناعة المخدرات إلى الجنوب وخصوصاً السويداء وكذلك نشطت بعض المجموعات المسلحة المدعومة ايرانياً وهو ما شهدناه في اطلاق صواريخ على الجولان المحتل في حزيران ٢٠٢٥؛ بالإضافة إلى خلايا “داعش”

كل هذا يلزم الحكومة السورية العمل على حلول عاجلة لفرض سيطرة الدولة على الجنوب هذه الحلول التي توجب التفكير خارج الصندوق لتفويت فرصة الكيان الإسرائيلي لإضعاف الدولة السورية الجديدة والحيلولة دون تعافيها ومن جهة أخرى يجب أن تكون الحلول أكثر واقعية وتتخطى تشكيل اللجان التي أصبحت تزداد بعد كل أزمة في الجنوب فتجاهل المرض بإبر مسكنة لا ينهي المرض بل يؤجل ولفترة معينة فقط تفشيه في الجسم وقدرته على السيطرة عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى