تراجع الطلب على المجوهرات بـ 23%.. العائلات الخليجية تتجه للسبائك والملاذات الآمنة
معادلة "اقتصاد الحرب"..قراءة في السلوك الاستثماري الجديد للمواطن الخليجي

شبكة مراسلين
تواجه أسواق الذهب والفضة في دول مجلس التعاون الخليجي ضغوطاً غير مباشرة ناتجة عن التوترات الجيوسياسية الإقليمية المتصاعدة.
وعلى الرغم من عدم فرض الحكومات الخليجية أي حظر رسمي على حركتي الاستيراد والتصدير، إلا أن التداعيات اللوجستية والرقابية ألقت بظلالها على أسواق المعادن الثمينة المحلية، مما أحدث تحولات جوهرية في آليات التجارة والسلوك الادخاري للمواطنين.
الضغط اللوجستي وتشديد قواعد الامتثال الدولي
تمثلت أولى مظاهر الضغوط الجيوسياسية في الارتفاع الحاد لكلفة التأمين والتحميل على الشحنات الثمينة، نتيجة الاضطرابات المستمرة في ممرات الملاحة الحيوية.
هذا الارتفاع ينعكس تلقائياً على أسعار الذهب المصنع محلياً ورسوم مصنعيته التي يتكبدها المستهلك النهائي.
وتزامن ذلك مع تراجع أسعار الذهب عالمياً بنسبة 4% خلال أسبوع في مايو/ أيار الماضي ليصل لأقل من 4500 دولار للأونصة، بضغط من قوة الدولار وتلاشي آمال خفض الفائدة الأميركية، وفقاً لبيانات منصة “كيتكو نيوز”.
وترافق الاضطراب اللوجستي مع تشديد أمني ورقابي غير مسبوق من المصارف المركزية الخليجية على التحويلات المالية المصاحبة لصفقات المعادن الثمينة. ويأتي هذا التشدد التزاماً بقواعد الامتثال الدولي، ولمنع استغلال الذهب في الالتفاف على العقوبات المفروضة على أطراف إقليمية كإيران، بحسب تقرير منصة “غولد سيلفر”.
وتسببت هذه الإجراءات الصارمة في تباطؤ حركة دوران رأس المال لدى التجار، مما دفعهم لرفع هوامش أسعار المشغولات لتعويض تكاليف الامتثال الإداري والمالي المرتفعة.
تحول النمط الادخاري: الهجرة من المشغولات إلى السبائك
أدت القفزات السعرية ورسوم المصنعية المرتفعة إلى إحداث تحول لافت في النمط التقليدي للأسرة الخليجية، التي طالما جمعت بين الزينة والادخار في شراء الذهب. ووفقاً لتحليل منصة “أدفانتج غولد”، سجلت منطقة الشرق الأوسط تراجعاً في الطلب على المجوهرات الذهبية بنسبة 23%.
ودفع هذا التراجع الأسر نحو شراء السبائك والعملات الذهبية الخالصة كبديل استثماري مباشر يتميز بهوامش سعرية منخفضة وسهولة في التسييل دون خسارة كلفة الصياغة، مما يعكس تغلب العقلية التحوطية على النمط الاستهلاكي المظهري.
وفي هذا الإطار، يوضح الخبير الاقتصادي والمستشار المالي، علي أحمد درويش، أن المنطقة تعيش حالياً في ظل واقع يمكن تسميته “اقتصاد الحرب”.
ويلفت درويش إلى أن هذا الواقع يدفع الأفراد إلى تعديل سلوكهم المالي عبر الاحتفاظ بسيولة نقدية أعلى كإجراء احترازي، بدلاً من الانخراط في استثمارات طويلة الأجل بانتظار وضوح الرؤية، مما يفسر استمرار الضغوط على الذهب وانخفاض الإقبال كلياً على الادخار لدى الأسر متوسطة الدخل.
حالة “اللاحسم” وإصلاحات الاستدامة المالية
من جانبه، يشير الخبير المختص بالاقتصاد السياسي، زيان زوانة، إلى أن حالة “عدم اليقين” السائدة منذ هدنة الحرب وتوقف بعض الإيرادات النفطية والغازية، أبرزت حاجة الدول الخليجية الملحة للدولار النقدي لتمويل مستورداتها والوفاء بالتزاماتها.
ودفع هذا المشهد نحو تبني استراتيجية “المحافظة على العملة الأجنبية” وتوجيهها للضروريات، مما قد يجبر الدول على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لمراقبة التحويلات المالية للخارج.
وينبه زوانة إلى أن استمرار حالة عدم الحسم قد ينعكس سلباً على القطاع الخاص (كالطيران والسياحة وسلاسل الإمداد)، والتي قد تتجه لترشيد النفقات وتسريح العمالة. ويخلص إلى أن هذه التداعيات الانكماشية قد تؤثر في قدرة المواطنين على الادخار، وتدفعهم نحو البحث عن ملاجئ جديدة لرأس المال أو تنويع الاستثمار جغرافياً هرباً من المخاطر المحلية، في وقت يستعد فيه العالم لموجة تضخمية جديدة وتغيرات معقدة في هيكل التحالفات الدولية.



