اقتصاد

اقتصاد الضرورة في العطلة الصيفية الفلسطينية

مساحة اعلانية 4

حين يتحول الصيف من موسم للراحة إلى معركة يومية من أجل البقاء

كتبت: حنين أبو عمر

في معظم بلدان العالم، تعني العطلة الصيفية للطلاب والمعلمين مساحة للراحة والسفر ومكافأة الذات بعد عام دراسي شاق. أما في فلسطين، فقد تحولت إلى واحد من أطول مواسم التقشف وإدارة الضرورة الاقتصادية.

فبينما تخلو ساحات المدارس من ضجيج الطلاب إيذانًا ببدء الإجازة، ينتقل الضجيج الحقيقي إلى غرف المعيشة وحسابات البقالة ودفاتر الديون في المتاجر الصغيرة. لا يدور الحديث داخل كثير من العائلات عن المخيمات الصيفية أو رحلات الاستجمام، بل عن كيفية تقسيم الرواتب المنقوصة على أشهر الصيف، وتأمين الغذاء والمواصلات والإيجار والالتزامات الأساسية في ظل تدهور اقتصادي غير مسبوق.

هذه المفارقة الموسمية تعكس واقعًا ماليًا بالغ القسوة. فمنذ أواخر عام 2025 ومطلع عام 2026، تواجه الحكومة الفلسطينية أزمة مالية حادة، مع عجز تجاوز 20 مليار شيكل، ما حدّ من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها ودفعها إلى صرف رواتب الموظفين بنسب تراوحت بين 55% و60% فقط.

وفي الوقت نفسه، تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى ارتفاع معدل البطالة إلى نحو 29.5% خلال الربع الأول من عام 2026 في الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعين، مع تفاوتات صارخة وصلت في قطاع غزة إلى نحو 78%. ويلقي هذا الواقع بثقله على مختلف القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها قطاع التعليم.

المعلمون واستقرار وظيفي لا يكفي للحياة

في قلب هذه الأزمة يقف المعلمون، باعتبارهم من أكثر الفئات تأثيرًا في المجتمع وأكثرها تعرضًا لضغوط اقتصادية متراكمة. فمتوسط راتب المعلم يبلغ نحو 3200 شيكل قبل الخصومات، في حين يدور متوسط الأجر الشهري العام حول 1900 شيكل، أي ما يعادل قرابة 631 دولارًا، وفق تقديرات عام 2026.

وتتآكل هذه الدخول سريعًا أمام ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة، حتى بات الحد الأدنى للأجور، المحدد قانونًا بنحو 1880 شيكلًا، رقمًا رمزيًا لا يكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية. ونتيجة لذلك، تقضي عائلات فلسطينية كثيرة عطلتها الصيفية في ابتكار بدائل قاسية للبقاء والصمود.

المعلمة خولة، من مدينة نابلس، وهي أم ومسؤولة عن أسرة، تصف الرواتب المتقطعة بأنها مصدر «ضغط يومي ووجع دائم للرأس». وقد دفعتها الأزمة إلى إعادة ترتيب أولوياتها، وتأجيل بعض النفقات، والاستدانة من الأقارب، إلى جانب العمل لساعات إضافية في صالون تجميل منزلي تديره بنفسها.

تقول خولة:

«العمل في الصيف لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة. الصالون هو طوق النجاة الوحيد الذي يوفر لي ولعائلتي دخلًا أساسيًا، خصوصًا خلال موسم الأعراس. أما استمراري في التعليم فأراه رسالة ومسؤولية شخصية أكثر من كونه مصدرًا كافيًا للرزق».

ويشاركها المعلم «ع. ش» من مخيم العروب الشعور نفسه. فهو يؤكد أن تأخر الرواتب واقتطاع أجزاء منها جعلاه عاجزًا في أحيان كثيرة عن تغطية تكاليف المواصلات اليومية إلى المدرسة أو شراء احتياجات المنزل الأساسية.

وخلال العطلة الصيفية، يعمل في الزراعة داخل المستوطنات القريبة، بينما يعمل بعد انتهاء دوامه المدرسي، خلال العام الدراسي، في ورشة نجارة بمدينة بيت لحم.

ويصف وظيفته الأساسية بأنها تمنحه «استقرارًا وظيفيًا وهميًا»، لا يضمن له سوى أمل في راتب تقاعدي مستقبلي، بينما أصبحت الأعمال الجانبية ضرورة لسد الفجوة المالية.

ويضيف:

«عمري 36 عامًا، وحتى الآن لم أستطع الادخار لبناء منزل أو الزواج. لو أتيحت لي الفرصة لعملت في المستوطنات طوال العام، وليس فقط خلال العطلة الصيفية، لكن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية تعيق ذلك».

أما المعلم ماجد عمرو، من مدينة الخليل، فيقدم شهادة أكثر قسوة. فهو يرى أن راتب المعلم لم يكن يغطي تكاليف المعيشة حتى عندما كان يُصرف كاملًا، فكيف الحال اليوم في ظل الاقتطاعات وارتفاع الأسعار؟

ويشير إلى أن تكلفة المواصلات وحدها قد تصل إلى ما بين 25 و30 شيكلًا يوميًا بالنسبة إلى المعلمين القادمين من مناطق بعيدة. وقد دفعه هذا الواقع، برفقة زوجته، إلى إطلاق مشروع صغير لإعداد وبيع السوشي، في محاولة لتعويض جزء من النقص في الدخل.

الأطفال يدخلون سوق العمل

لا تتوقف تداعيات الأزمة الاقتصادية عند المعلمين والموظفين، بل تمتد إلى الأطفال والطلاب الذين أصبحوا يدركون الفقر وتراجع مستوى المعيشة في سن مبكرة.

هذا الإدراك دفع عددًا متزايدًا منهم إلى الانخراط في سوق العمل غير الرسمي، لتصبح العطلة الصيفية المساحة الأوسع للبحث عن عمل. وعلى الرغم من أن هذه الأعمال تبدو موسمية في ظاهرها، فإن الشهادات الميدانية تشير إلى استمرار كثير منها بعد انتهاء العطلة، وتحولها إلى جزء من استراتيجيات البقاء اليومية للأسرة.

ويؤكد المعلم ماجد عمرو أن العمل المستمر للطلاب يؤدي إلى تراجع الانضباط المدرسي والتحصيل العلمي، ويرفع حالات الغياب والرسوب، بما يهدد مستقبلهم التعليمي والتنموي.

وقد شهدت دوافع عمالة الأطفال في فلسطين تحولًا واضحًا خلال السنوات الماضية. ففي الفترة ما بين عامي 2010 و2015، ارتبطت الظاهرة غالبًا بضعف الوعي بأهمية التعليم أو بمساعدة الأسرة في مشروع منزلي. وكان نحو 51% من الأطفال العاملين يعملون لمساندة أسرهم في أنشطة عائلية.

أما خلال الفترة الممتدة بين عامي 2023 و2026، فقد أصبح العوز الاقتصادي الدافع الرئيسي للعمل، بنسبة تتجاوز 71%. ولم يعد الطفل يساعد في نشاط عائلي فحسب، بل أصبح «معيلًا مساعدًا» يعوض فقدان رب الأسرة لعمله، ولا سيما بعد توقف أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين عن العمل داخل إسرائيل، وتراجع تمويل مشاريع المؤسسات غير الحكومية في أعقاب الحرب الأخيرة.

كما لم تعد عمالة الأطفال مقتصرة على الذكور أو على العائلات الأشد فقرًا، بل امتدت إلى أبناء الطبقة الوسطى، ومن بينهم أبناء المعلمين والموظفين، الذين دخلوا سوق العمل الموسمي للمساهمة في سد فجوة الرواتب.

وبرز كذلك انخراط فتيات خلال العطلة الصيفية في العمل داخل المخيمات الصيفية، أو في الصناعات اليدوية المنزلية، والتجارة الإلكترونية، وغيرها من الأنشطة، في تحول ديموغرافي لافت داخل سوق العمل غير الرسمي.

مصطفى: العمل يمنحني المال والمدرسة لا تمنحني شيئًا

مصطفى، البالغ من العمر 14 عامًا، يعمل طوال النهار في أحد المطاعم لمساعدة أسرته بعدما فقد والده عمله داخل إسرائيل.

يقول:

«العمل أهم عندي من المدرسة؛ لأنه يأتيني بالنقود، أما المدرسة فلا تعطيني شيئًا. أتمنى أن أترك الدراسة، لكن أمي تصر على أن أكمل تعليمي، وتوصي مدير المدرسة بمتابعتي. عندما كنت أغيب عن المدرسة، كان المدير يأتي بعد الدوام إلى البسطة التي أعمل عليها ليوبخني».

ويعترف مصطفى بأنه تعرض لمحاولات استغلال عديدة، إذ كان يعمل لساعات طويلة مقابل أجور متدنية، ويشعر أحيانًا بانتهاك كرامته، خصوصًا عندما كان يبيع المناديل أو البسكويت للمارة.

وتكشف تجربته مدى ضآلة المسافة الفاصلة بين عمالة الأطفال والتسول، في ظل غياب الحماية القانونية والرقابة الفاعلة.

ويضيف:

«أعمل منذ أن كان عمري عشر سنوات. جربت أعمالًا كثيرة في البسطات والورش. العمل في المطعم هو الأسهل خلال الصيف، بسبب وجود التكييف».

ماذا يقول القانون الفلسطيني؟

يوضح المحامي والناشط الحقوقي إسماعيل الرجبي أن القانون الفلسطيني يضع خطًا فاصلًا بين العمل الموسمي المسموح به للطلاب وبين عمالة الأطفال المحظورة.

ويقول:

«يضع القانون قاعدة أساسية، وهي منع تشغيل الطفل الذي يقل عمره عن 15 عامًا بأي شكل، ويُعد تشغيله استغلالًا. أما من تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عامًا، فيمكنهم العمل بصورة موسمية أو جزئية، بشرط أن يكون العمل موثقًا بما يضمن حقوقهم، وألا يكون خطرًا أو مضرًا بصحتهم، وألا يحرمهم من التعليم. ويكمن الفرق الجوهري في السن وطبيعة العمل ومدى استمرار الطالب في المدرسة».

ورغم الجهود الرسمية، يكشف الواقع عن ثغرات واسعة بين النصوص القانونية والتطبيق. فقد أعلنت وزارة العمل الفلسطينية خلال عام 2026 أن مكافحة عمالة الأطفال تمثل «أولوية وطنية»، وأطلقت في يونيو/حزيران حملة «طفولتي حقي»، التي شملت جولات تفتيشية وورشًا توعوية.

كما أكدت الوزارة التزام فلسطين باتفاقيتي منظمة العمل الدولية رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن العمل، ورقم 182 بشأن أسوأ أشكال عمل الأطفال، وأصدرت القرار الوزاري رقم 50 لسنة 2026، الذي يحظر تشغيل الأطفال دون سن الخامسة عشرة ويحدد المهن الخطرة المحظورة عليهم.

ومع ذلك، تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة الأطفال العاملين، ممن تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عامًا، بلغت نحو 4% من إجمالي الأطفال في الأراضي الفلسطينية، مع تسجيل نسب أعلى في الضفة الغربية. ويعمل معظم هؤلاء في قطاعات الزراعة والتجارة والخدمات، وغالبًا في ظروف غير منظمة ولا تخضع للرقابة الكافية.

وتؤكد هذه البيانات، إلى جانب شهادة مصطفى، وجود فجوة واسعة بين التشريعات والواقع، إذ يستغل بعض أصحاب العمل حاجة الأطفال وأسرهم، خصوصًا داخل الاقتصاد غير المنظم.

من حل طارئ إلى خسارة دائمة

إن دخول الطلاب سوق العمل في سن مبكرة لا يقتصر أثره على حاضرهم، بل يرفع احتمالات التسرب من المدارس، ويخلق جيلًا يرى في الدخل السريع بديلًا عن التعليم والشهادة الجامعية.

وعندما تضطر العائلات إلى التضحية بالتعليم مقابل تلبية المصروفات اليومية، يخسر المجتمع جزءًا من عقول أبنائه وكفاءاته المستقبلية. وبذلك تتحول الحلول المؤقتة التي تفرضها الأزمة إلى خسارة اقتصادية واجتماعية دائمة يصعب تعويضها.

نحن أمام مقامرة غير محسوبة بمستقبل رأس المال البشري الفلسطيني. فالمراهنة على صمود المعلم واستمراره في أداء رسالته، من دون معالجة جذرية لأزمة السيولة وارتفاع الأسعار، تظل مقامرة خاسرة.

ومن الضروري إعادة النظر في القيود المتعلقة بازدواجية العمل لموظفي القطاع العام. فبدلًا من ترك المعلمين عرضة للاستغلال في أعمال جانبية يمارسونها اضطرارًا، سواء خلال العطلة الصيفية أو العام الدراسي، ينبغي توفير غطاء قانوني منظم يحمي حقوقهم وكرامتهم، ويحدد طبيعة الأعمال التي يمكنهم مزاولتها من دون تعارض مع وظيفتهم الأساسية.

وفيما يتعلق بعمالة الأطفال، يبرز سؤال بالغ الحساسية: إذا كانت محاولات إبعاد الأطفال عن سوق العمل تصطدم بجدار الفقر، فهل يمكن تطوير إطار قانوني واجتماعي يوفر حماية مشروطة للفئات المسموح لها بالعمل، ويربط أي عمل موسمي بانتظام الطفل في المدرسة وبضمان حقوقه وأجره وساعات عمله؟

لا يعني ذلك شرعنة استغلال الأطفال، بل الاعتراف بالواقع الاقتصادي والعمل على تنظيم ما يسمح به القانون، مع التشدد الكامل في منع تشغيل من هم دون السن القانونية، أو إشراك الأطفال في الأعمال الخطرة والمهينة.

ويظل غياب سجل وطني دقيق للأطفال العاملين أحد أبرز أوجه القصور الرقابي. كما يفتح الباب أمام سؤال آخر: هل ينبغي أن تشمل المساءلة أولياء الأمور الذين يدفعون أبناءهم إلى سوق العمل، أم أن المسؤولية الأساسية تقع على نظام اقتصادي لم يترك لكثير من الأسر خيارًا آخر؟

لقد أصبحت العطلة الصيفية، بالنسبة إلى شرائح واسعة من الفلسطينيين، موسمًا للبقاء لا للاستجمام. ولن يكون من الممكن حماية المعلمين والأطفال من الانزلاق الكامل إلى اقتصاد الظل من دون سياسات تعترف بحجم الأزمة، وتوفر بدائل دخل حقيقية، وتربط الحماية الاجتماعية بالحفاظ على الحق في التعليم والعيش الكريم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews