أخباررياضة

اكتئاب ما بعد كأس العالم.. حين تنطفئ الأضواء ويبدأ الفراغ

مع إسدال الستار على بطولة كأس العالم، لا تنتهي الحكاية عند صافرة المباراة النهائية، ولا تتوقف آثارها بمجرد تتويج البطل ورفع الكأس. فبعد أسابيع من المباريات اليومية والإثارة والجدل، يجد ملايين المشجعين أنفسهم فجأة أمام فراغ كبير يُعرف إعلاميًا وجماهيريًا بـ«اكتئاب ما بعد كأس العالم».

طوال البطولة، تتحول حياة المشجع إلى جدول منتظم تحكمه مواعيد المباريات. يبدأ يومه بمتابعة الأخبار والتشكيلات، ثم ينتقل بين الاستوديوهات التحليلية والنقاشات مع الأصدقاء، وينتهي بإعادة مشاهدة الأهداف واللقطات المثيرة. وعندما تنتهي البطولة، يختفي هذا الإيقاع دفعة واحدة، فيشعر البعض بأن الأيام أصبحت أكثر هدوءًا وأقل حماسًا.

ليس اكتئابًا سريريًا بالضرورة

لا يُعد مصطلح «اكتئاب ما بعد كأس العالم» تشخيصًا طبيًا مستقلًا، بل يُستخدم عادةً لوصف حالة مؤقتة من الفراغ والفتور والحزن بعد انتهاء حدث استثنائي طال انتظاره. وتتشابه هذه الحالة مع ما يشعر به بعض الأشخاص عقب انتهاء رحلة ممتعة، أو موسم مسلسل مفضل، أو مناسبة اجتماعية كبرى.

وتظهر الحالة في صورة تراجع الحماس، والشعور بالملل، والحنين إلى أجواء البطولة، إضافة إلى الإفراط في مشاهدة الملخصات والبحث عن أخبار المنتخبات واللاعبين، وكأن المشجع يحاول تأجيل الاعتراف بأن المونديال انتهى بالفعل.

المونديال أكبر من مجرد بطولة

ترجع قوة التأثير النفسي لكأس العالم إلى أنها ليست مسابقة رياضية عادية، بل حدث عالمي يجمع الشعوب والثقافات والهويات الوطنية في مساحة واحدة. خلال أسابيع قليلة، تصبح كرة القدم لغة مشتركة، وتتحول المنتخبات إلى رموز للأمل والانتماء، بينما تمنح الانتصارات الجماهير شعورًا جماعيًا بالفخر.

كما يصنع المونديال حالة اجتماعية نادرة؛ إذ تجتمع العائلات والأصدقاء في المقاهي والمنازل والساحات العامة، ويتواصل أشخاص قد لا تجمعهم اهتمامات أخرى. لذلك لا يفقد المشجع المباريات وحدها بعد النهاية، بل يفتقد أيضًا الطقوس اليومية واللقاءات والنقاشات التي ارتبطت بها.

الخسارة تضاعف الشعور بالحزن

تكون المشاعر أكثر حدة لدى جماهير المنتخبات التي اقتربت من تحقيق اللقب ثم خسرت في الأدوار النهائية. فالمشجع لا يتعامل مع النتيجة باعتبارها رقمًا فقط، وإنما بوصفها نهاية لحلم جماعي عاش تفاصيله لأسابيع وربما لسنوات.

وقد تزيد مواقع التواصل الاجتماعي من صعوبة تجاوز الخسارة، بسبب إعادة نشر اللحظات الحاسمة، وتبادل السخرية والاستفزاز، وتحميل بعض اللاعبين مسؤولية الإخفاق. وهنا يتحول الحزن الطبيعي إلى ضغط نفسي قد يستمر فترة أطول، خصوصًا لدى المشجعين شديدي التعلق بمنتخباتهم.

اللاعبون أيضًا يدفعون الثمن

لا تقتصر تداعيات ما بعد المونديال على الجماهير؛ فاللاعبون أنفسهم قد يواجهون هبوطًا نفسيًا حادًا بعد الخروج من البطولة أو خسارة اللقب. وبعد سنوات من التحضير، تنتهي التجربة أحيانًا بخطأ واحد أو ركلة ترجيح ضائعة، ثم يعود اللاعب سريعًا إلى ناديه وسط انتقادات واسعة وتوقعات مرتفعة.

أما اللاعبون المتوجون، فقد يواجه بعضهم نوعًا مختلفًا من الفراغ بعد الوصول إلى أكبر إنجاز ممكن في مسيرته. فبلوغ القمة لا يضمن استمرار الشعور بالسعادة، خصوصًا عندما تهدأ الاحتفالات ويبدأ البحث عن هدف جديد.

كيف يعود المشجع إلى حياته الطبيعية؟

يساعد التعامل مع نهاية البطولة بوصفها انتقالًا طبيعيًا، وليس خسارة شخصية، على تجاوز هذه الحالة. ويمكن للمشجع العودة تدريجيًا إلى نشاطاته اليومية، وممارسة الرياضة، واستثمار علاقاته التي نشأت خلال البطولة، بدلًا من الاكتفاء باستعادة لحظاتها عبر الشاشات.

ومن المفيد كذلك الابتعاد مؤقتًا عن النقاشات المتوترة والمحتوى الساخر، خصوصًا بعد خروج المنتخب المفضل. أما إذا استمر الحزن فترة طويلة، أو صاحبه اضطراب شديد في النوم وفقدان الاهتمام بالحياة والعمل والعلاقات، فمن الأفضل طلب دعم متخصص؛ لأن الأمر قد يتجاوز ما يُسمى مجازًا بـ«اكتئاب ما بعد المونديال».

في النهاية، ينطفئ وهج الملاعب وتعود المدرجات إلى هدوئها، لكن كأس العالم يترك وراءه ذاكرة جماعية يصعب تجاوزها سريعًا. وبين انتظار النسخة المقبلة والعودة إلى منافسات الأندية، يدرك المشجع أن ما يفتقده ليس تسعين دقيقة من كرة القدم فحسب، بل عالم كامل عاش داخله، قبل أن تغلق صافرة النهاية أبوابه.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews