السياحة بغرض الاستقرار.. لماذا باتت كندا الوجهة الأكثر جاذبية للمواطن الأمريكي
قفزة قياسية في إقبال الأمريكيين على الجنسية الكندية

شبكة مراسلين
لم يعد السفر نحو الشمال الأمريكي مجرد رحلة استجمام عابرة لعشاق الطبيعة الكندية الساحرة، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى تحرك استراتيجي مدفوع بالبحث عن الاستقرار الأمني والسياسي.
إذ تُظهر أحدث المؤشرات اللوجستية وبيانات وكالة الهجرة الكندية الرسمية تدفقاً متزايداً من مواطني الولايات المتحدة الساعين للحصول على جواز السفر الكندي، مستفيدين من تعديلات تشريعية جوهرية طالت القواعد المنظمة لمنح الجنسية عبر النسب.
هذا التحول يعكس رغبة شريحة عريضة من الأمريكيين في تأمين “ملاذ آمن” يضمن لهم حرية الحركة والإقامة خارج حدود بلادهم التي تخيم عليها أجواء من الاستقطاب.
أمريكا تستأثر بنصف الموافقات الجديدة
تجسد الأرقام الرسمية الصادرة عن السلطات الكندية هذا التحول السلوكي في سوق السفر والهجرة؛ إذ سجلت طلبات إثبات الجنسية عبر النسب ارتفاعاً ملحوظاً تجاوز حاجز الألف موافقة شهرياً منذ مطلع العام الجاري.
ويأتي هذا التدفق القياسي مقارنة بـ 275 موافقة إضافية فقط رُصدت في ديسمبر من عام 2025، وهو الشهر الذي شهد دخول القانون الجديد حيز التنفيذ التزاماً بحكم قضائي صدر عام 2023 قضى بعدم دستورية قصر الجنسية على الجيل الأول المولود في الخارج.
وتكشف القراءة الهيكلية للبيانات أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت مصدر نحو 48% من هذه الموافقات الإضافية حتى فبراير الماضي.
ويعود الفضل في ذلك إلى المرونة التشريعية المقررة حديثاً، والتي باتت تسمح لشريحة أوسع بكثير من أحفاد المواطنين الكنديين بالمطالبة بالجنسية، حتى وإن عاشت عائلاتهم خارج كندا لعدة أجيال متتالية، مما فتح الأبواب أمام آلاف الأمريكيين لإعادة صياغة هويتهم القانونية وجوازات سفرهم.
سياحة الخيارات المفتوحة: السفر بـ “نية المخرج الآمن“
وفقاً لخبراء ومحامين متخصصين في شؤون الهجرة وحركة السفر الدولية، فإن جاذبية كندا كوجهة مثالية للعيش، أو الدراسة، أو السياحة الطويلة، تضاعفت بشكل مباشر جراء حالة التخبط والضبابية السياسية التي تشهدها الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يشير المحامي الأمريكي المتخصص، نيك بيرنينغ، إلى أن غالبية الحاصلين الجدد على الجواز الكندي بموجب هذا القانون قد يفضلون البقاء حالياً داخل الولايات المتحدة، إلا أن دافعهم الأساسي هو “إبقاء الخيارات مفتوحة”.
ويضيف بيرنينغ أن هذا الاهتمام المتصاعد بالهوية الكندية يمثل انعكاساً طردياً للمشهد السياسي الأمريكي؛ حيث يسعى هؤلاء المسافرون للاحتفاظ بمخرج قانوني وجغرافي جاهز للعبور، حال أصبحت الأوضاع السياسية والاجتماعية في الداخل الأمريكي “غير قابلة للاحتمال”، لا سيما مع تنامي مؤشرات الاستياء الشعبي والانقسام الحاد المتزامن مع سياسات إدارة الرئيس دونالد ترمب الحالية.
تناقضات استراتيجية
من منظور قطاع السياحة والسفر الدولي، تؤسس هذه الظاهرة لنمط جديد يعتمد على “تأمين جودة الحياة الحركية”.
فالجواز الكندي لا يوفر فقط سهولة التنقل بين العواصم، بل يمنح حامله حقوق المواطنة الكاملة في بلد يتمتع باستقرار اجتماعي واقتصادي مرتفع.
ومع ذلك، فإن هذا الاندفاع الأمريكي الملحوظ نحو الشمال يضع الحكومة الكندية أمام مفارقة سياسية دقيقة؛ إذ تتقاطع هذه التسهيلات القانونية الممنوحة لأحفاد الكنديين مع المساعي والخطط التي أعلنت عنها أوتاوا في السنوات القليلة الماضية لخفض المستويات العامة للهجرة وضبط تدفقات الوافدين.
ورغم هذا التعارض الممنهج، يبقى المؤشر الثابت أن كندا نجحت – بحكم القانون والطبيعة – في تحويل حدودها الشمالية إلى الوجهة الأكثر إغراءً للمسافر الأمريكي الباحث عن طوق نجاة دبلوماسي في عصر التحولات السياسية العاصفة.



