مقالات

أبو شوك لـ«مراسلين »: السودانيون يتفقون على «الثورة» ويختلفون على «بناء الدولة»

السودانيون يتفقون على «الثورة» ويختلفون على «بناء الدولة»

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين

مصعب محمد

  • أكتوبر 1964 حظيت بإجماع مدني كامل.. وأبريل 1985 أسست لـ«الثنائية» بين العسكر والمدنيين.
  • ثورة ديسمبر تميزت بالزخم الرقمي والمشاركة الأفقية.. وشعار «تسقط بس» عكس غياب الرؤية لما بعد الإسقاط.
  • غياب الثقة وتعدد الجيوش والتدخلات الإقليمية قادت البلاد إلى انقلاب أكتوبر ثم حرب أبريل الكارثية.

  • في هذا الجزء الثاني من الحوار مع المؤرخ والأكاديمي السوداني البارز، البروفيسور أحمد أبو شوك، يفكك الأخير العقدة السياسية السودانية من منظور تاريخي مقارن. يغوص أبو شوك في تشريح الثورات الثلاث التي شهدها السودان الحديث (أكتوبر 1964، وأبريل 1985، وديسمبر 2018)، مبرزاً نقاط التميز البنيوية لثورة ديسمبر الأخيرة، ومحللاً الأخطاء النخبوية والعوامل التي قادت إلى تعثرها، وصولاً إلى اندلاع الحرب الراهنة في الخامس عشر من أبريل /نيسان 2023. ويرى أبو شوك أن أزمة النخب السودانية تكمن في قدرتها على الاتفاق حول “إسقاط الأنظمة”، وفشلها المزمن في التوافق على “بناء الدولة”.

  • وفيما يلي نص الحوار:
    ثلاثية الثورات والتعثر المزمن
  • بالنظر إلى الحراك الشعبي، مرَّ السودان في تاريخه الحديث بثلاث ثورات أطاحت بأنظمة عسكرية، آخرها ثورة ديسمبر /كانون الأول 2018. ما الذي ميز هذه الثورة الأخيرة عن نظيراتها؟ وما هي العوامل البنيوية والأخطاء النخبوية التي منعتها من تحقيق غاياتها؟ وهل اختلفت ديناميكيات التعثر عما حدث في أكتوبر 1964 وأبريل 1985؟
  • بدايةً، يجب وضع هذه الثورات الثلاث في سياقها التاريخي والسياسي الصحيح. إذا عدنا إلى الثورة الأولى في أكتوبر /تشرين الأول 1964، سنجد أنها قامت ضد النظام العسكري الأول بقيادة الفريق إبراهيم عبود. في تلك الفترة، لم يكن للمؤسسة العسكرية لون سياسي أيديولوجي، بل حكمت وفق التراتبية العسكرية لمدة ست سنوات، وشهد عهدها إنشاء مشاريع اقتصادية كبرى كامتداد مشروعي الجزيرة والمناقل، فضلاً عن المصانع والمؤسسات التعليمية.
    عندما هبَّ الشعب في أكتوبر، كان هناك مؤشران بارزان: أولهما التضامن والتماسك السياسي العالي بين الأحزاب، وثانيهما فاعلية المؤسسات النقابية؛ لذا عُرفت أول حكومة حينها بـ«حكومة جبهة الهيئات». لم يستغرق الحراك أكثر من أسبوع واحد حتى قرر الفريق عبود التنحي كاملاً. وما ساعد على الانتقال الديمقراطي السلس حينها، هو أن الحكومة لم تكن “ثنائية” بين الجيش والمدنيين، بل كانت حكومة مدنية “كاملة الدسم” برئاسة الأستاذ سر الختم الخليفة، وحددت مدتها بعام واحد لإجراء انتخابات برلمانية وتأسيس جمعية لوضع الدستور.
    أُجريت الانتخابات في عام 1965، لكن بمجرد عودة الأحزاب، تكرر الصراع التقليدي القديم، وغابت الرؤية الاستراتيجية لبناء الدولة وتجاوز أخطاء الماضي. شهدت تلك الفترة انشقاقات حادة داخل حزب الأمة، والحزب الوطني الاتحادي، وحزب الشعب الديمقراطي.
    وعلينا هنا الانتباه إلى أن “الثنائيات” هي المتلازمة التي عطلت نمو الدولة السودانية؛ تاريخياً بدأ الأمر بـ”الحكم الثنائي” (البريطاني – المصري)، ثم تحول الصراع بعد انشقاق مؤتمر الخريجين عام 1942 إلى استقطاب طائفي بين طائفتي “الختمية” و”الأنصار”، ثم تلاه صراع ثنائي آخر بين “الشيوعيين” و”الإسلاميين”. هذه الثنائيات لم تنتج قط برنامجاً وطنياً لبناء السودان، بل انحصرت في صراعات قطاعية وظفت العنف للوصول إلى السلطة. وبالتالي، نقلت ثورة أكتوبر البلاد إلى مرحلة “تحول ديمقراطي” كآلية، لكنها لم ترسخ ممارسة ديمقراطية مستدامة.
    مفارقة أبريل 1985 وثنائية العسكر والمدنيين
  • وماذا عن المحطة الثانية في أبريل 1985؟ كيف أدارت النخب السياسية والنقابية المرحلة الانتقالية آنذاك؟
  • ثورة أبريل (نيسان) 1985 اختلفت عن أكتوبر، وإن تشابهت في الدور الفاعل للنقابات والأحزاب للتخلص من آثار نظام جعفر نميري (1969-1985)، وهو النظام الذي اتسم بتقلب مزاجه السياسي من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. كانت التنظيمات النقابية ترى ضرورة أن تمتد الفترة الانتقالية لثلاث سنوات لتأهيل البيئة السياسية لانتخابات نزيهة تنتج برلماناً قادراً على حماية الديمقراطية.
    لكن في 9 أبريل 1985، شُكِّل المجلس العسكري الانتقالي بقيادة المشير عبد الرحمن سوار الذهب، وتم تقليص الفترة الانتقالية إلى عام واحد بطلب منه بعد اتفاق الطرفين. وهنا ولدت “الثنائية” في التركيبة السلطوية بين التجمع النقابي ومجلس السيادة (الممثل بالمجلس العسكري)، حيث كان المجلسان يمثلان معاً سلطة التشريع.
    بعد عام، جاءت انتخابات 1986 بتركيبة برلمانية تصدرها حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي، بالإضافة إلى الجبهة الإسلامية القومية كقوة ثالثة. تواصلت وتيرة الصراع الحزبي، وظلت قضية “قوانين سبتمبر” معضلة بلا حل، بالتزامن مع اشتعال الحرب في الجنوب بقيادة جون قرنق. كل هذه العوامل عجلت بنهاية الديمقراطية الثالثة عبر انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في يونيو /حزيران 1989، ومجيء “حكومة الإنقاذ” التي بسطت سلطتها لثلاثة عقود عبر مشروعها الحضاري، مستبعدةً كل من لا يتفق مع طرحها، مستخدمةً أدوات عنف الدولة لإقصاء المعارضين وتأسيس نظام الحزب الواحد.
    ثورة ديسمبر: الزخم الرقمي والتمدد الأفقي
  • يقودنا هذا إلى ثورة ديسمبر 2018 التي أنهت حكم الإنقاذ. ما الذي ميز هذا الحراك الأخير بنيوياً وعملياً عن الثورات السابقة؟
  • ثورة ديسمبر 2018 تمايزت عن سابقتيها من عدة أوجه رئيسية:
  • المدى الزمني: استمرت لأربعة أشهر كاملة (من ديسمبر 2018 حتى أبريل 2019)، على عكس أكتوبر وأبريل اللتين حسمتا في أسبوع أو أسبوعين.
  • الجغرافيا والمشاركة: اتسمت بمشاركة أفقية شملت كل أقاليم السودان، ورأسية ضمت مختلف قطاعات المجتمع وفئاته العمرية، مع حضور لافت وقوي للمرأة. واللافت أنها بدأت من الأطراف (مدينة الدمازين في ولاية النيل الأزرق في 13 ديسمبر، ثم مدينة عطبرة شمالي السودان)، قبل أن تنتقل إلى العاصمة الخرطوم.
  • تجمع المهنيين والوسائط الرقمية: ظهر “تجمع المهنيين” كجسم شبيه بجبهة الهيئات، لكنه تميز بامتداد وعمق داخل السودان وخارجه، حيث كان للسودانيين في المغترب دور مؤثر جداً. كما اعتمدت الثورة بشكل أساسي على الوسائط الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعي في تنظيم المظاهرات، مقارنة بالثورات السابقة التي اعتمدت على المنشورات الورقية ذات المخاطرة العاليةفي توزيعها للعامة .
    انتهى هذا الحراك بالاعتصام الشهير أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، مما فرض معادلة جديدة لإسقاط النظام عبر شراكة اضطرارية بين المؤسسة العسكرية من جهة، والقوى المدنية من جهة أخرى، لتبدأ بعدها جولات التفاوض.
    معضلة “ثم ماذا بعد؟” والتدخلات الخارجية
  • إذا كانت ثورة ديسمبر قد امتلكت كل عناصر القوة والوعي هذه، فأين تكمن مكمن الضعف التي قادت إلى تعثرها اللاحق؟
  • تكمن نقطة القوة في الوعي العام والشعارات المرفوعة («حرية، سلام، وعدالة، والثورة خيار الشعب»)، وتطلع جيل الشباب ومقارنته لوضعه بالعالم من حوله. وهنا يمكننا الاستئناس بنظرية عالم السياسة تيد روبرت غور في كتابه «لماذا يتمرد البشر؟»، والتي تتحدث عن “الحرمان النسبي” ببعديه المادي والمعنوي؛ فالمادي تمثل في أزمات الوقود والخبز والسيولة، مما جعل الثورة تبدأ بمطالب معيشية قبل أن تتحول سريعاً إلى حراك سياسي بامتياز.
    أما نقاط الضعف، فتجلت في أن الأحزاب والقوى السياسية التي قادت العمل الثوري اتفقت فقط على هدف واحد هو “إسقاط النظام”، وجسد ذلك الشعار الشهير «تسقط بس». هذا الشعار، على جاذبيته، غيّب السؤال الجوهري: “ثم ماذا بعد؟” . يتفق السودانيون تاريخياً حول الثورة، لكنهم يختلفون بشدة حول بناء الدولة، وهذا المشهد تكرر منذ الثورة المهدية وحتى ثورات ما بعد الاستقلال.
    هذا التشرذم واختلاف الرؤى السياسية في الداخل، إلى جانب ضعف الكيانات النقابية، أفسح المجال واسعاً لـالتدخل الخارجي؛ حيث رصدنا اختراقات واضحة من دول ومنظمات إقليمية باتت تشارك في صياغة الشأن السوداني وفقاً لأجنداتها. كما أن الشراكة بين العسكريين والمدنيين أُسست على التناقض التام وغياب الثقة.
    تغيرت التحالفات لاحقاً؛ فبعد أن كان التحالف ثنائياً بين “قوى إعلان الحرية والتغيير” و”المجلس العسكري”، تحول بعد “اتفاق جوبا للسلام” إلى تحالف ثلاثي الأبعاد بدخول “الجبهة الثورية”. وهنا حدث نوع من التقارب بين الحركات المسلحة والمؤسسة العسكرية، مدفوعاً بشعور الطرفين بالغبن من طريقة تمثيل “الحرية والتغيير” للسلطة.
    المهددات الأمنية والانزلاق نحو الحرب
  • كيف قرأتم خطورة التعدد العسكري في المشهد السياسي عقب الثورة، وكيف قاد ذلك إلى مشهد النهاية الحالية؟
  • المهدد الأكبر لثورة ديسمبر كان يتمثل في وجود قوى عسكرية متعددة الأبعاد تتحرك في الفضاء السياسي والأمني بحرية تامة وبلا كوابح؛ مثل قوات الدعم السريع، وحركة العدل والمساواة، وجيش تحرير السودان، وغيرها.
    هذه الأسباب المجتمعة قادت مباشرة إلى ما حدث في 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، والذي يمكن وصفه بـ”الانقلاب من الداخل”. هذا المنعطف يعني أن الثورة فشلت في تحقيق الانتقال الديمقراطي المنشود، وانتهت بإنقلاب عسكري شكل تحالفاً بين المجلس العسكري والجبهة الثورية، وتم تجميد الشراكة واعتقال قيادات الحرية والتغيير.
    ومنذ ذلك التاريخ، تكرست الأزمة العميقة؛ فعلى الرغم من وعود الفريق عبد الفتاح البرهان آنذاك بتشكيل حكومة كفاءات في غضون أسبوعين، عجزت البلاد عن تشكيل حكومة برئيس وزراء لأكثر من ثلاث سنوات. هذا الفراغ الدستوري والسياسي القاتل، وتفاقم الصراع على السلطة والنفوذ بين المكونات العسكرية، هو الذي فجّر الأوضاع في نهاية المطاف، وقاد البلاد إلى الحرب الكارثية القائمة الآن منذ 15 أبريل 2023. ثورات_السودان ثورة_أكتوبر_1964

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews