ترندسياسةليبيا

اغتيال فوزي المنصوري يهزّ بنغازي.. من يقف خلف استهداف قائد الاستخبارات العسكرية؟

مراسلين – ترند

عاد شبح الاغتيالات إلى مدينة بنغازي بعد مقتل اللواء فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية التابعة للقيادة العامة في شرق ليبيا، إثر انفجار عبوة ناسفة استهدفت سيارته قرب منزله، مساء الاثنين 10 أغسطس/آب 2026.

وأكدت مصادر أمنية أن الانفجار وقع في منطقة الهواري بمدينة بنغازي، بينما قالت تقارير أخرى إن العبوة وُضعت أسفل سيارة المنصوري وانفجرت أثناء استعداده للصعود إليها. ولم تعلن أي جهة حتى الآن مسؤوليتها عن العملية، في حين بدأت السلطات تحقيقًا لكشف منفذيها وملابساتها.

ونعت القيادة العامة المنصوري، متعهدة بملاحقة المسؤولين عن اغتياله، لكن البيانات الرسمية لم تتضمن اتهامًا مباشرًا لأي طرف. كما أكدت وكالة رويترز، نقلًا عن مصدرين أمنيين، أن هوية الجهة المنفذة لا تزال مجهولة، ولم تتوافر بعد تفاصيل فنية كافية عن العبوة المستخدمة. رويترز

لماذا يُعد الاغتيال خطيرًا؟

لا تنبع خطورة العملية من رتبة المنصوري فقط، بل من طبيعة الموقع الذي كان يشغله. فإدارة الاستخبارات العسكرية واحدة من أكثر المؤسسات حساسية داخل القوات المسيطرة على شرق ليبيا، وتتعامل مع ملفات الجماعات المسلحة والتحركات الأمنية والولاءات داخل الوحدات العسكرية.

كما أن تنفيذ الهجوم قرب منزل مسؤول أمني بهذا المستوى، وفي مدينة تخضع لسيطرة أمنية مشددة، يثير تساؤلات حول قدرة المنفذين على جمع معلومات دقيقة عن تحركاته وتجاوز الإجراءات المحيطة به.

ويشير أسلوب التنفيذ إلى عملية جرى التحضير لها مسبقًا؛ إذ يتطلب زرع عبوة في سيارة أو بالقرب منها مراقبة الهدف ومعرفة توقيت تحركه. ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات وحدها لتحديد الفاعل أو إثبات وجود اختراق داخل المؤسسة الأمنية.

من يقف وراء العملية؟

حتى الآن، لا توجد أدلة منشورة تسمح باتهام جهة محددة. لكن التحقيقات قد تتحرك في ثلاثة اتجاهات رئيسية:

أولًا: فرضية الاختراق أو الصراع الداخلي.
قرب العملية من منزل المنصوري ودقة توقيتها يجعلان احتمال تسريب معلومات من داخل محيطه أحد المسارات التي يُرجح أن تفحصها جهات التحقيق. وقد يرتبط ذلك بصراع نفوذ أو مصالح متضررة من نشاط جهاز الاستخبارات، لكن لا تتوافر أدلة علنية تؤكد هذه الفرضية.

ثانيًا: خلايا مسلحة تسعى للانتقام.
شارك جهاز الاستخبارات العسكرية خلال السنوات الماضية في ملاحقة جماعات مسلحة وخلايا متشددة وخصوم للقيادة العامة. ولذلك قد تدرس التحقيقات احتمال أن تكون العملية انتقامًا من مسؤول ارتبط اسمه بملفات أمنية حساسة.

ثالثًا: محاولة ضرب استقرار شرق ليبيا.
يأتي الاغتيال في مرحلة تشهد تحركات سياسية ودبلوماسية لإعادة ترتيب المشهد الليبي ودفع مسارات توحيد المؤسسات. وقد يكون استهداف شخصية استخباراتية بارزة رسالة هدفها إظهار هشاشة الوضع الأمني وإرباك القيادة العسكرية في الشرق.

لكن الربط بين اغتيال المنصوري وخصوم شرق ليبيا السياسيين، أو بينه وبين هجمات الطائرات المسيّرة التي استهدفت منشآت في مدينة الزاوية غرب البلاد بالتزامن، يظل افتراضًا غير مثبت. فلم تعلن السلطات حتى الآن وجود صلة عملياتية بين الحادثين، كما لم تتبنَّ أي جهة أيًا منهما. أسوشيتد برس

اختبار أمني للقيادة العامة

يمثل اغتيال المنصوري اختبارًا مباشرًا للأجهزة الأمنية في بنغازي. فنجاح المنفذين في الوصول إلى مسؤول يتولى قيادة جهاز استخباراتي يفرض مراجعة إجراءات الحماية ومسارات انتقال القيادات، إلى جانب البحث عن أي اختراق محتمل أو قصور في مراقبة العبوات والمتفجرات.

وقد يترتب على الحادث تشديد أمني واسع، وإعادة توزيع بعض المسؤوليات داخل الأجهزة العسكرية، وربما تنفيذ حملة اعتقالات وتحقيقات في الدوائر القريبة من موقع العملية.

وفي المقابل، قد تُستغل الحادثة في تصفية حسابات أو توجيه اتهامات سياسية متعجلة، وهو ما يجعل إعلان نتائج تحقيق موثق وشفاف ضروريًا لمنع انتشار الشائعات.

عودة إلى زمن الاغتيالات؟

عرفت بنغازي خلال مراحل سابقة موجات من الاغتيالات استهدفت عسكريين وأمنيين ونشطاء، قبل أن تتراجع بصورة ملحوظة مع إحكام القيادة العامة سيطرتها على المدينة. لذلك يعيد مقتل المنصوري مخاوف من عودة الاغتيالات النوعية إلى شرق ليبيا.

غير أن حادثًا واحدًا لا يكفي للقول إن المنطقة دخلت موجة أمنية جديدة. وسيتوقف ذلك على ما إذا كانت العملية معزولة، أم ستعقبها هجمات أخرى تستهدف قيادات ومؤسسات حساسة.

ويبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل كان اغتيال فوزي المنصوري نتيجة خصومة أمنية مرتبطة بملفات كان يديرها، أم انعكاسًا لصراع نفوذ داخل معسكر الشرق، أم جزءًا من محاولة أوسع لإعادة ليبيا إلى دائرة الفوضى؟

حتى ظهور نتائج التحقيق، تبقى جميع هذه الاحتمالات مفتوحة، بينما تظل الحقيقة المؤكدة أن العملية كشفت ثغرة أمنية خطيرة في قلب بنغازي، ووجّهت ضربة إلى واحد من أهم أجهزة القيادة العامة.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى