تقارير و تحقيقات

“وعينا يحمينا”… مبادرة فنية وإعلامية في الدامر لمواجهة اجتياح المخدرات لشباب السودان

"وعينا يحمينا"… الدامر تنتفض في وجه المخدرات


​شبكة مراسلين

مصعب محمد

​الدامر: لم تكن نداءات الاستغاثة التي خنقتها الدموع في بيوت مدينة “الدامر” العريقة شمال السودان سوى جرس إنذار خافت لكارثة أكبر كانت تتربص بالمجتمع في الخفاء. ففي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار نحو تداعيات الحرب والنزوح، كان هناك عدوٌ آخر ينسلّ بنعومة وشراسة إلى أحشاء الأسر، يفتك بعقول الشباب واليافعين، لا يفرق بين ابن عائلة ميسورة أو بسيطة؛ إنها آفة المخدرات بمختلف أشكالها ولا سيما مخدر “الآيس” الكيميائي
(الكريستال ميث) وزمرة المركبات المصنعة، التي حولت أحلام الجيل الصاعد إلى كوابيس خلف قضبان السجون أو في زوايا المصحات الغائبة.

من قلب هذه المعاناة، ومن واقع المناشدات المفجوعة التي أطلقها الأهالي بعدما رأوا أبناءهم يساقون إلى السجون بتهم التعاطي، أو الاتجار، أو جرائم السرقة المأساوية التي يُرتكبُ بعضها لمجرد تدبير ثمن “الجرعة القاتلة”، قاد مجموعة من رموز الفن والإعلام مبادرة مجتمعية ذات بعد إنساني عميق، وضعت الوعي سلاحاً أخيراً للدفاع عن وجه المدينة والمجتمع.

الفن في مواجهة التفكك
​تداعى لفيف من قادة الفكر والفن من أبناء المنطقة، يتقدمهم الفنان القدير عبد الرحمن الشبلي والشاعر والمخرج المسرحي قاسم أبو زيد، إلى جانب الصحفي والفاعل المجتمعي الطيب صديق، وجمع من المبدعين من الذين شعروا بأن الصمت لم يعد خياراً متاحاً، وأن الجلوس في مقاعد المشاهدين يرتقي إلى مرتبة التواطؤ مع الجريمة.

وفي تصريحات خاصة تُستشف منها مرارة الواقع وجسارة المواجهة، يقول الطيب صديق:
​”وصلتنا مناشدات استغاثة تعصر القلوب من الأهل في الدامر وريفها. لم نعد أمام مخدرات تقليدية، بل أمام مركبات كيميائية فتاكة تجر شبابنا بعنف نحو السجون إما بالتعاطي والاتجار، أو بارتكاب الجرائم لشرائها. شعرنا أننا أمام خطر غير سهل إطلاقاً، وأنه يتوجب علينا كفنانين وإعلاميين ومبدعين أن نتحرك فوراً لنسترد دورنا الأخلاقي والمجتمعي، ونوظف الفنون في إنقاذ ما يمكن إنقاذه.”

​«نفير» بجيوب خاوية وإرادة صلبة
​لم تنتظر المبادرة تمويلاً سخياً أو رعاية من جهات رسمية أو دولية في ظل الظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد. بل انطلقت بفلسفة “النفير” السودانية الأصيلة؛ بميزانية متواضعة للغاية، وإمكانيات أهلية شحيحة قدمتها مؤسسات محلية وأسر مهمومة بما آلت إليه الأوضاع من تفكك أسري وضياع للشباب.


​ابتكر القائمون على المبادرة أسلوباً ينزع الرتابة عن الرسائل التوعوية؛ إذ عمدوا إلى استقطاب الجماهير عبر برامج ترفيهية وثقافية جامعة، تُدسّ في ثناياها الرسائل التوعوية المحبوكة. وتضمنت الفعاليات استضافة خبراء ومتخصصين قدموا تنويراً علمياً صدم الحاضرين بحجم الخطر الدفين؛ كاشفين عن تحوّل دراماتيكي خطير، حيث لم يعد السودان مجرد “معبر” للمخدرات كما كان سابقاً، بل تحول إلى ساحة لإعادة التصنيع والإنتاج المحلي لمخدر “الآيس” والكبسولات المخدرة الأخرى .

شهادة من قلب الجحيم
​وكانت اللحظة الأشد إيلاماً وتأثيراً في الفعاليات التي طافت مدينتي الدامر وعطبرة، هي اعتلاء شاب في مقتبل العمر الخشبة، ليروي بنفسه تجربته القاسية مع الإدمان.

شابٌ كان ضحية لهذا السمّ الكيميائي، وقف أمام أقرانه والأمهات المكلومات، يسرد كيف تجرف هذه المركبات إنسانية الإنسان، وكيف كانت رحلة التعافي الشاقة والمؤلمة بمثابة عبور حافٍ على الشوك. هذه الشهادة الحية نزعت الغشاوة عن عيون الكثيرين، وأراهم الخطر مجسداً في تجربة إنسان عاش الجحيم وخرج منه بأعجوبة.

«وعينا يحمينا»… شفرة الأمل
​تحت شعار (وعينا يحمينا)، واصلت المبادرة بث روح المقاومة المجتمعية. وعن اختيار هذا الشعار يتحدث الطيب قائلاً:
​”اخترنا هذا الشعار لإيماننا بأن المجتمع المحصن بالوعي هو الوحيد القادر على حماية نفسه. أردنا تذكير الأسر بكيفية التعامل مع أبنائهم وبناتهم، وكيف يخلق الفراغ أرضاً خصبة للجريمة. الفاتورة لا يدفعها الضحية بمفرده، بل تتداعى لها الأسرة، والجيران، والمجتمع بأسره.”

​وقد أحدثت الفعاليات حراكاً وتجاوباً جماهيرياً واسعاً تجاوز حدود قاعات العرض إلى منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ وجد الأهل والأمهات في هذه الحملة مخرجاً لصمت طويل، وتنفيساً عن وجع ظل مكتوماً في البيوت.

نداء إلى السودان الكبير
​لا تقف طموحات القائمين على مبادرة “وعينا يحمينا” عند حدود ولاية نهر النيل؛ شمالي السودان إذ يؤكد القائمون عليها تلقيهم اتصالات واستغاثات من ولايات سودانية مختلفة تئن تحت وطأة الوباء نفسه.

ويختتم الأستاذ الطيب الحديث برؤية تتطلع إلى الأفق:
​”نتمنى أن تسري هذه المبادرة كشعلة في كل مدينة سودانية، وأن يتحرك الإداريون الأهليون، والرياضيون، والأحزاب، والأندية الثقافية. فالدامر اليوم تقدم نموذجاً مجتمعياً حياً، ونحن نأمل أن تكتمل هذه الجهود بإنشاء مراكز متخصصة لعلاج الإدمان، وتقديم الاستشارات النفسية والاجتماعية التي تفتح أبواب التعافي للأسر وأبنائها.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews