سياسة

هل تحوّل الجنوب السوري إلى خاصرةٍ ضعيفة في مسار التعافي؟

سها المناصرة – خاص شبكة مراسلين

تعيش سوريا مرحلةً مفصلية على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية والاجتماعية، بعد أن طوت صفحة نظام الأسدين في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، لتبدأ مرحلة جديدة تحاول فيها استعادة مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار عقب سنوات طويلة من الحرب.

وفي ظل التحديات المتسارعة التي يشهدها الجنوب السوري، أجرى موقع “مراسلين” حواراً خاصاً مع الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية الأستاذ عصمت العبسي، يوم الاثنين الموافق 27 تموز/يوليو 2026، للوقوف على أبرز التحديات الأمنية والسياسية التي تواجه المنطقة، ومستقبل الجنوب في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية.

بعد سنوات الحرب.. كيف يبدو الجنوب السوري اليوم؟

يرى العبسي أن الجنوب السوري لا يزال يمثل إحدى أكثر المناطق حساسية في البلاد، نظراً لتشابك العوامل الأمنية والسياسية والاجتماعية، مؤكداً أن نجاح الدولة السورية في بسط سيادتها على هذه المنطقة سيكون مؤشراً حقيقياً على نجاح مشروع التعافي الوطني بأكمله.

الكبتاغون.. تحدٍّ أمني يتجاوز الحدود

وحول ظاهرة تجارة المخدرات، ولا سيما الكبتاغون، أوضح العبسي أن محافظة السويداء أصبحت محوراً رئيسياً لصناعة وتهريب هذه المادة، بعدما انتقل مركز الثقل إليها من مناطق كانت تنشط فيها فصائل مرتبطة بالنظام السابق في محافظة درعا.

وأشار إلى أن عمليات الإنتاج والتهريب باتت تُدار من قبل مجموعات محلية ذات طابع عشائري أو ديني، تضم بقايا عناصر من النظام السابق، ومن بينها تشكيلات مثل المجلس العسكري والحرس الوطني المرتبطين بالشيخ حكمت الهجري، وفق تقديره.

وأضاف أن الأردن تعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها تهديداً مباشراً لأمنه الوطني، وهو ما انعكس في تنفيذ غارات جوية استهدفت معامل ومراكز إنتاج المخدرات ضمن ما عُرف بـ”عملية الردع الأردني”، بهدف الحد من تهريب الكبتاغون عبر الحدود.

وفي المقابل، أوضح العبسي أن حكومة الرئيس أحمد الشرع تنظر إلى تمرد بعض المجموعات المسلحة في السويداء، وارتباطها بتجارة المخدرات، بوصفه تحدياً مباشراً لسيادة الدولة واستقرارها، محذراً في الوقت ذاته من أن أي تدخل عسكري واسع قد يقود إلى صراعات أهلية ذات أبعاد طائفية أو قبلية، خاصة في ظل التدخل الإسرائيلي ومحاولاته تقديم نفسه بوصفه حامياً للطائفة الدرزية.

فجوة سياسية تتجاوز البعد العسكري

وحول العلاقة بين دمشق والفصائل المحلية في السويداء، أكد العبسي أن الخلاف لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى أبعاد سياسية وثقافية.

وقال إن الحكومة السورية الجديدة تسعى إلى توحيد الجغرافيا السورية وإعادة فرض سيادة القانون، في حين تطالب بعض القوى المحلية بهامش أوسع من الإدارة الذاتية.

وأشار إلى أن تبادل الأسرى الذي جرى بين الحكومة والفصائل المحلية، برعاية دولية، يعكس وجود رغبة مشتركة في تجنب التصعيد العسكري الشامل، مؤكداً أن الحل الأكثر واقعية يتمثل في الجمع بين مكافحة تجارة المخدرات بالتعاون مع الأردن والمجتمع الدولي، ومنح إدارة محلية واسعة ضمن إطار الدولة السورية، بما يحد من احتمالات الانقسام ويجنب البلاد مواجهات عسكرية جديدة.

الاغتيالات في درعا… رسائل لزعزعة الاستقرار

وفي معرض حديثه عن موجة الاغتيالات التي تشهدها محافظة درعا، أوضح العبسي أنها تحمل عدة أهداف، أبرزها:

  • زعزعة ثقة المواطنين بالحكومة الجديدة، عبر إظهار عجزها عن توفير الأمن.
  • استهداف الشخصيات الأمنية والسياسية المرتبطة بالحكومة أو بالثورة السورية، بهدف إعاقة عملية إعادة بناء مؤسسات الدولة.
  • تصفية الحسابات بين الفصائل المسلحة السابقة التي لم تندمج بصورة كاملة في المؤسسات الرسمية.

وأضاف أن بعض هذه العمليات تنفذها جهات مرتبطة ببقايا النفوذ السابق أو أطراف خارجية تسعى إلى منع استقرار الجنوب السوري، لما يمثله من أهمية استراتيجية في معادلات النفوذ الإقليمي.

المساعي الدولية لاحتواء التصعيد الإسرائيلي

وفيما يتعلق بالتحركات الدولية، يرى العبسي أن الجهود السورية الرامية إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية تواجه تحديات كبيرة، رغم الإدانات الصادرة عن الأمم المتحدة وقوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك (UNDOF)، والتي اعتبرت هذه الانتهاكات مخالفة لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وأشار إلى أن انشغال المجتمع الدولي بأزمات أخرى، مثل الحرب في غزة، والحرب في أوكرانيا، وتطورات الشرق الأوسط، إضافة إلى الدعم الأمريكي والأوروبي غير المباشر للتفوق العسكري الإسرائيلي، كلها عوامل تحد من فاعلية الضغوط الدولية.

ورغم ذلك، كشف عن وجود محاولات دبلوماسية غير معلنة تهدف إلى التوصل لاتفاقات أمنية تحد من الاحتكاك العسكري، إلا أن إسرائيل لا تزال متمسكة بالحفاظ على ما تصفه بـ”العمق الاستراتيجي”، وهو ما يتعارض مع المطالب السورية باستعادة السيادة الكاملة على أراضيها.

توصيات لتعزيز الاستقرار

واختتم العبسي حديثه بمجموعة من التوصيات، أبرزها تشكيل لجنة وطنية لمكافحة المخدرات تضم ممثلين عن الحكومة والوجهاء المحليين وخبراء دوليين، بمن فيهم خبراء أردنيون، بهدف ضبط مصادر المواد الخام، وتعطيل شبكات التهريب، بما يسهم في تخفيف التوتر مع الأردن وتعزيز ثقة المجتمع المحلي بالدولة.

هل الحوار السوري–الإسرائيلي ضرورة أم أن السلام لا يزال بعيداً؟

وفي ختام الحوار، أكد العبسي أن هناك حراكاً دبلوماسياً مكثفاً بشأن المنطقة الحدودية، يتمحور حول ربط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بإعادة إعمار الجنوب السوري وجذب الاستثمارات الإقليمية، إلى جانب توظيف المنصات الدولية لعزل السياسات التوسعية الإسرائيلية بوصفها عائقاً أمام السلام والاستثمار.

واختتم حديثه بالقول:

“يمثل الجنوب السوري اليوم ساحة الاختبار الحقيقية لقدرة الحكومة الجديدة على تحقيق التوازن بين السيادة الوطنية، والحساسيات المحلية، والضغوط الإقليمية والدولية. وإن نجاحها في هذه المهمة يعني نجاح مشروع الدولة السورية بأكمله.”

الوسوم:
#الجنوب_السوري #السويداء #سوريا #الاحتلال_الإسرائيلي #مراسلين #سها_المناصرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews