من الصعود الساحق إلى السقوط المدوي.. رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر يقدم استقالته
تفاصيل الجدول الزمني لاختيار الزعيم الجديد

شبكة مراسلين
لم يشفع الفوز الانتخابي الساحق الذي حققه حزب العمال البريطاني قبل أقل من عامين في تحصين جبهته الداخلية من التصدعات المتلاحقة؛ إذ عاشت العاصمة البريطانية لندن يوماً مفصلياً أعاد التذكير بحالة السيولة السياسية المزمنة التي تعاني منها البلاد منذ عقد من الزمان.
وجاء إعلان التنحي الرسمي من أعلى هرم السلطة التنفيذية ليؤكد أن أزمات المعيشة والانقسامات الأيديولوجية داخل المعسكر الحاكم باتت أسرع في التهام الحكومات من لغة الصناديق العامة.
المشهد من داونينغ ستريت: ستارمر يترجل ويحدد شروط العبور
أمام المقر الرسمي للحكومة البريطانية، أعلن رئيس الوزراء كير ستارمر اليوم الاثنين استقالته الرسمية من قيادة الطاقم الوزاري، مبرراً هذه الخطوة بالاستجابة للضغوط والمطالبات المتصاعدة من قِبل الأجنحة المعارضة له داخل حزب العمال الحاكم.
وأفاد ستارمر بأنه تقدم بطلب التنحي رسميّاً للملك، معلناً في الوقت ذاته التزامه بالبقاء في منصبه كمنسق لتسيير الأعمال وضامن لانتقال منظم للسلطة حتى يتم الاستقرار على القائد الجديد للحزب في سبتمبر/ أيلول المقبل.
ودافع رئيس الوزراء المستقيل عن إرثه السياسي القصير، معتبراً أنه تسلم الحزب وهو يعاني من “إفلاس سياسي تام” وسط تكهنات بنهايته، إلا أنه نجح في دحض تلك الفرضيات وإعادة الهيبة لملفات الأمن القومي والدفاع وتعزيز الثقة بالاقتصاد الوطني.
ووفقاً لخارطة الطريق التي رسمها، سيفتح الحزب باب استقبال ترشيحات الزعامة في التاسع من يوليو/ تموز القادم، على أن يُغلق الملف نهائياً في السادس عشر من الشهر ذاته لضمان إنهاء الترتيبات قبل بدء العطلة الصيفية للمشرعين.

سقوط حتمي تحت وطأة الأرقام
لا يمكن فصل قرار ستارمر عن الهزيمة المدوية التي تلقاها حزب العمال في انتخابات المجالس المحلية قبل نحو ستة أسابيع؛ تلك السقوط الانتخابي كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومؤشراً عملياً على الانهيار الحاد في شعبيته لدى الشارع البريطاني نتيجة تفاقم أزمة غلاء المعيشة وفشل السياسات الاقتصادية المحافظة التي اتبعها لإرضاء الأسواق.
ودرامياً، أصبح ستارمر بإعلانه هذا هو رئيس الوزراء السادس الذي تسقط حكومته في بريطانيا خلال السنوات العشر الأخيرة، مما يوضح أن أزمة الحكم في المملكة المتحدة أعمق من فكرة تبادل الأدوار بين حزبي المحافظين والعمال، بل هي أزمة بنيوية مرتبطة بتبعات مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.
صعود “ملك الشمال”: آندي بيرنهام يتأهب لقيادة البلاد
في مقابل مشهد الانكسار في داونينغ ستريت، بدأت ملامح الحقبة القادمة تتبلور سريعاً عبر الفضاء الرقمي، حيث سارع عمدة مانشستر الكبرى، والنائب البارز آندي بيرنهام، إلى الإعلان عبر حساباته الرسمية عن اعتزامه خوض غمار منافسات الزعامة لخلافة ستارمر، داعياً إلى عملية انتقال تتسم بالمسؤولية والانضباط.
وجاءت حظوظ بيرنهام –الذي يحمل لقب “ملك الشمال” في الأوساط السياسية– لترتقي إلى مرتبة المرشح الأوحد تقريباً، عقب إعلان حاسم من وزير الصحة السابق “ويس ستريتينغ” (أحد أبرز الطامحين للمنصب سابقاً) بتأييده الكامل لعمدة مانشستر.
هذا التحالف المبكر يمهد الطريق لبيرنهام للوصول إلى رئاسة الحكومة دون الدخول في معارك تكسير عظام حزبية.
بيرنهام، الذي تعززت أسهمه السياسية مؤخراً عقب تفوقه الانتخابي المباشر على مرشح حزب “الإصلاح” اليميني المتطرف نايجل فاراج، بنى دعايته الأولية على وعود راديكالية تمس الحياة اليومية للمواطن، متعهداً بإجراء تغييرات هيكلية تضمن خفض تكاليف المعيشة ومواجهة التضخم.
ورغم هذا الزخم الداخلي، يرى المراقبون أن “ملك الشمال” سينتقل قريباً من عباءة الوعود المحلية إلى مواجهة اختبارات حقيقية وصعبة، خاصة وأنه لم يفصح بعد عن رؤيته الاستراتيجية حيال ملفات السياسة الخارجية المعقدة، والالتزامات العسكرية والدفاعية لبريطانيا على الساحة الدولية.



