قمة الناتو.. كيف حوّل أردوغان الحاجة الأمنية الغربية إلى انتصار سياسي؟

قراءة في القلق الإسرائيلي من صعود تركيا وعودة ملف F-35
أبوبكر إبراهيم أوغلو
مع انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي “الناتو” في العاصمة التركية أنقرة، عادت تركيا إلى موقع متقدم في الحسابات الغربية، ليس بوصفها عضواً عادياً في الحلف، بل باعتبارها قوة عسكرية وصناعية صاعدة باتت أوروبا وواشنطن بحاجة متزايدة إليها في لحظة دولية شديدة التعقيد.
وتعكس التغطية الإسرائيلية للقمة، كما ظهرت في صحيفتي Ynet وMaariv، قدراً واضحاً من القلق تجاه التحول في مكانة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان داخل الحلف الأطلسي، خصوصاً مع تصاعد الحديث عن احتمال إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، أو حصولها على تقنيات ومحركات عسكرية أمريكية متقدمة تخدم مشروعها الوطني للمقاتلة الشبحية KAAN.
قمة تاريخية على الأرض التركية
تكتسب قمة أنقرة دلالة سياسية خاصة، كونها أول قمة أطلسية تستضيفها تركيا منذ قمة إسطنبول عام 2004. وتأتي القمة في توقيت حساس، وسط استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التوتر حول الملف الإيراني، واحتدام الجدل داخل الحلف بشأن حجم الالتزامات الدفاعية الأوروبية.
وبحسب القراءة الإسرائيلية، فإن أنقرة لا تستضيف القمة فقط، بل تسعى إلى استخدامها كمنصة لإعادة تثبيت موقعها داخل الناتو، وإظهار نفسها شريكاً لا يمكن تجاوزه في معادلة الأمن الأوروبي، خاصة في مجالات الصناعات الدفاعية، والمسيّرات، والذخائر، والتقنيات العسكرية المتقدمة.
من “الخروف الأسود” إلى الشريك الضروري
تتوقف الصحافة الإسرائيلية عند مفارقة لافتة: فتركيا التي ظلّت طوال سنوات موضع انتقادات أوروبية وأمريكية بسبب ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتقارب مع روسيا، تبدو اليوم وكأنها تتحول مجدداً إلى شريك لا غنى عنه داخل الحلف.
وترى هذه القراءة أن الغرب، وخصوصاً أوروبا، يتعامل مع أردوغان بمنطق الضرورة لا بمنطق القناعة السياسية. فالحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع الإنتاج العسكري، وتقليل الاعتماد على الولايات المتحدة، جعلت كثيراً من العواصم الأوروبية أكثر استعداداً لتجاوز خلافاتها السابقة مع أنقرة.
ومن هنا، تبدو القمة بالنسبة لأردوغان بمثابة انتصار سياسي ورمزي؛ إذ يجلس الزعيم التركي، الذي واجه في السنوات الماضية انتقادات واسعة من الغرب، في قلب المنصة الأطلسية، بينما تسعى أوروبا إلى الاستفادة من القوة الدفاعية التركية الصاعدة.
“البازار التركي” وسوق السلاح
تصف التغطية الإسرائيلية المشهد الدفاعي المحيط بالقمة بما يشبه “البازار التركي” الكبير، حيث يُتوقع أن تتحول أنقرة إلى ساحة لعرض الصناعات العسكرية والصفقات المحتملة، في ظل اهتمام متزايد من دول أوروبية وغربية بالمسيّرات التركية، والأنظمة البرية، والذخائر، والتقنيات المرتبطة بالطيران العسكري.
ويبرز في هذا السياق مشروع المقاتلة التركية KAAN، الذي يمثل أحد أهم رموز الطموح الدفاعي التركي. فأنقرة تسعى من خلال هذا المشروع إلى امتلاك مقاتلة شبحية من الجيل الخامس، بما يقلل اعتمادها على الخارج، ويمهّد تدريجياً لاستبدال جزء من أسطولها الجوي القديم، خصوصاً طائرات F-16.
وتشير التغطية إلى أن حصول تركيا على محركات أمريكية متقدمة من طراز F110 لصالح مشروع KAAN سيكون خطوة محورية في هذا المسار، لأنه يمنح المشروع التركي دفعة تقنية وسياسية كبيرة، ويؤكد في الوقت ذاته أن واشنطن لا تزال مستعدة للتفاهم مع أنقرة رغم الخلافات السابقة.
F-35.. الملف الأكثر حساسية لإسرائيل
يبقى ملف مقاتلات F-35 النقطة الأكثر إثارة للقلق في القراءة الإسرائيلية. فقد أُخرجت تركيا من البرنامج عام 2019 بعد شرائها منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وهي خطوة اعتبرتها واشنطن في حينه تهديداً أمنياً وتقنياً للبرنامج.
لكن عودة الحديث عن إمكانية إعادة تركيا إلى مسار الحصول على المقاتلة الشبحية تثير قلقاً بالغاً في إسرائيل، التي ترى في تفوقها الجوي النوعي ركيزة أساسية لأمنها الإقليمي.
وتشير التغطية الإسرائيلية إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عبّر بوضوح عن رفضه منح تركيا هذه المقاتلات، محذراً من أن ذلك قد يخلّ بالتوازن العسكري في المنطقة. كما ترى أوساط إسرائيلية أن حصول أنقرة على F-35 سيمنحها قدرة عسكرية متقدمة في شرق المتوسط والشرق الأوسط، في وقت تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية توتراً متصاعداً.
الخوف من تسريب التكنولوجيا الإسرائيلية
لا يقتصر القلق الإسرائيلي على امتلاك تركيا للمقاتلات نفسها، بل يمتد إلى ما تعتبره تل أبيب خطراً تقنياً مباشراً. فبعض المكونات والأنظمة المرتبطة بمقاتلة F-35 تشارك في تطويرها أو تصنيعها شركات دفاعية إسرائيلية، بينها شركات تعمل في مجالات الخوذ المتقدمة، وأنظمة العرض، وبعض التقنيات المركبة.
ومن هذا المنطلق، تخشى إسرائيل أن يؤدي إدماج تركيا مجدداً في البرنامج إلى وصول تقنيات حساسة إلى سلاح الجو التركي، أو إلى تقليص الفجوة النوعية التي حافظت عليها إسرائيل لعقود في محيطها الإقليمي.
وتتعاظم هذه المخاوف في ظل التوتر السياسي بين أنقرة وتل أبيب، والتصريحات التركية الحادة تجاه إسرائيل على خلفية الحرب في غزة، والتحولات الإقليمية المرتبطة بسوريا وإيران وشرق المتوسط.
أوكرانيا وإيران والضغط على أوروبا
تربط الصحافة الإسرائيلية بين صعود الدور التركي داخل الناتو وبين التغيرات الأوسع في السياسة الأمريكية تجاه أوروبا. فإدارة الرئيس دونالد ترامب تضغط باتجاه تحميل الأوروبيين كلفة دفاعية أكبر، ورفع الإنفاق العسكري تدريجياً إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي هذا المناخ، تصبح تركيا ذات قيمة مضاعفة بالنسبة للحلف: فهي تملك جيشاً كبيراً، وصناعة دفاعية متنامية، وخبرة عملية في إنتاج المسيّرات والأنظمة القتالية، كما تحتفظ بعلاقات معقدة مع روسيا وأوكرانيا في آن واحد.
أما في الملف الإيراني، فتشير القراءة الإسرائيلية إلى أن القمة تحمل رسائل واضحة بشأن منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وهي ملفات تتقاطع مباشرة مع الحسابات الأمنية الإسرائيلية والخليجية والغربية.
الصمت الأوروبي أمام القمع الداخلي
من الزوايا اللافتة في التغطية الإسرائيلية التركيز على ما تعتبره “ازدواجية معايير” أوروبية في التعامل مع تركيا. فبينما تواصل أوروبا الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، تبدو في الوقت نفسه أكثر استعداداً لغضّ الطرف عن التوترات الداخلية التركية، بسبب حاجتها الأمنية والعسكرية إلى أنقرة.
وتربط الصحافة الإسرائيلية بين هذا التحول وبين تراجع حدة الانتقادات الغربية تجاه ملفات المعارضة التركية، والاعتقالات، والتضييق على بعض الأصوات السياسية والحقوقية. واللافت هنا أن الإعلام الإسرائيلي يوظف هذه النقطة ليس دفاعاً عن المعارضة التركية بالضرورة، بل لتأكيد أن أوروبا مستعدة للتخلي عن خطابها الحقوقي عندما تفرض المصالح الأمنية نفسها.
تركيا في قلب معادلة جديدة
تكشف قمة أنقرة، وفق القراءة الإسرائيلية، عن تحوّل أعمق في موقع تركيا داخل النظام الغربي. فأنقرة لم تعد مجرد عضو مشاكس داخل الناتو، بل أصبحت دولة تمتلك أوراقاً عملية: جيشاً كبيراً، وصناعة دفاعية متوسعة، وموقعاً جغرافياً حساساً، وعلاقات متشابكة مع روسيا وأوكرانيا والشرق الأوسط.
هذا التحول يمنح أردوغان مساحة أكبر للمناورة، سواء في علاقته مع واشنطن، أو في تفاوضه مع أوروبا، أو في إدارة خلافاته الإقليمية مع إسرائيل واليونان وقبرص.
خلاصة
تخلص الرؤية الإسرائيلية إلى أن الغرب يعيد اليوم تموضعه تجاه تركيا بدافع الضرورة العسكرية والاقتصادية، لا بدافع الثقة السياسية الكاملة. فالحاجة إلى السلاح التركي، والمسيّرات، والذخائر، والقدرات الصناعية، دفعت أوروبا وواشنطن إلى إعادة فتح الأبواب أمام أنقرة.
لكن هذا الانفتاح، من وجهة نظر إسرائيل، يحمل مخاطر استراتيجية مباشرة، خصوصاً إذا تُرجم إلى عودة تركيا إلى برنامج F-35، أو إلى حصولها على تقنيات أمريكية متقدمة تعزز مشروعها الدفاعي الوطني.
وبينما يرى أردوغان في قمة أنقرة لحظة انتصار سياسي داخل الناتو، تنظر إسرائيل إليها باعتبارها مؤشراً على صعود تركي قد يغيّر توازنات القوة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
ملاحظة تحريرية:
هذا التقرير قراءة تحريرية في التغطية الإسرائيلية لقمة الناتو في أنقرة، استناداً إلى ما نشرته صحيفتا Ynet وMaariv، مع إعادة صياغة وتحليل للسياق السياسي والأمني. الآراء الواردة تعبّر عن زاوية نظر الصحافة الإسرائيلية، ولا تعبّر بالضرورة عن موقف شبكة مراسلين.



