تركياليبيامقالات

فيدان في بنغازي .. من إدارة الانقسام إلى هندسة ليبيا الجديدة

أبوبكر إبراهيم اوغلو

ما بعد الدبيبة – حفتر

لقاء خليفة حفتر بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان في بنغازي، في 12 أغسطس/آب 2026، لا يبدو حدثًا بروتوكوليًا منفصلًا، بل مؤشرًا على إعادة تموضع إقليمية حول مستقبل السلطة في ليبيا. زيارة فيدان شملت طرابلس وبنغازي، فيما تسوّق أنقرة حاليًا سياسة «ليبيا واحدة» وتوسع اتصالاتها السياسية والعسكرية مع الشرق دون التخلي عن علاقاتها الوثيقة مع الغرب.

ويزداد وزن الزيارة لأن واشنطن تدفع بالتوازي نحو تسوية تقوم على جمع مراكز القوة الرئيسية في الشرق والغرب ضمن صيغة لتوحيد المؤسسات، بينما حققت الوساطة الأمريكية بالفعل اختراقًا مهمًا عبر إقرار أول ميزانية موحدة للدولة الليبية منذ أكثر من عقد.

أولًا: تركيا تستعد لليبيا «ما بعد الدبيبة–حفتر»

التحول التركي الأهم يتمثل في أن أنقرة لم تعد تبني نفوذها الليبي حصريًا على علاقتها بطرابلس. استقبال صدام حفتر في أنقرة، ثم وصول فيدان إلى بنغازي واستقباله من صدام، يؤشران إلى بناء قناة مؤسسية مباشرة مع مركز القوة العسكري في الشرق.

القراءة المستقبلية لذلك أن تركيا تريد ضمان مصالحها أيًا كان شكل السلطة الليبية المقبلة. فهي تدرك أن أي تسوية حقيقية لن تستطيع تجاوز حفتر وعائلته والمؤسسة العسكرية المسيطرة على الشرق وأجزاء واسعة من وسط وجنوب البلاد.

وبالتالي، من المرجح أن تنتقل العلاقة التركية مع الشرق خلال المرحلة المقبلة من «التواصل السياسي» إلى مجالات أكثر حساسية: التعاون العسكري، التدريب، التجارة، إعادة الإعمار والطاقة. المصادر التركية نفسها أشارت إلى أن أجندة زيارة فيدان تشمل السياسة والتجارة والطاقة والمجالين العسكري والدفاعي.

ثانيًا: صدام حفتر مرشح لأن يصبح أحد مفاتيح المرحلة المقبلة

هناك مؤشر يصعب تجاهله: جانب مهم من الاتصالات التركية لا يجري فقط مع خليفة حفتر، بل مع صدام حفتر تحديدًا.

واشنطن بدورها تبحث صيغة لتقاسم السلطة بين الشرق والغرب، وذكرت تقارير عن التصورات الأمريكية أن أحد المقترحات المتداولة يتضمن منح صدام حفتر موقعًا بارزًا في مجلس تنفيذي مقابل استمرار عبد الحميد الدبيبة ضمن ترتيبات السلطة. هذه ليست صيغة نهائية أو متفقًا عليها، لكنها تكشف اتجاه التفكير الأمريكي نحو إدماج القوى الفعلية، لا الاقتصار على المؤسسات القائمة اسميًا.

لذلك أتوقع أن نشهد خلال الأشهر المقبلة ارتفاعًا تدريجيًا في الوزن السياسي الخارجي لصدام حفتر، بحيث يتحول من قائد عسكري داخل منظومة والده إلى شخصية تتعامل معها العواصم باعتبارها طرفًا محتملًا في هندسة السلطة الليبية المقبلة.

ثالثًا: السيناريو الأرجح ليس «حكومة وحدة» تقليدية

من الخطأ تصور أن توحيد المؤسسات سيعني ببساطة إلغاء حكومتي الشرق والغرب وتشكيل حكومة ثالثة.

السيناريو الأكثر واقعية هو صفقة انتقالية واسعة لتقاسم النفوذ، يجري فيها الحفاظ مؤقتًا على مراكز القوة القائمة مقابل دمج تدريجي للمؤسسات المالية والإدارية والأمنية.

إقرار الميزانية الموحدة بقيمة 190 مليار دينار ليبي يمثل نموذجًا لهذا الأسلوب: توحيد المؤسسة أو المورد أولًا، مع تأجيل معالجة الخلاف السياسي الأكبر.

وقد يمتد النموذج لاحقًا إلى النفط والمصرف المركزي ومشروعات التنمية وبعض الهياكل العسكرية والأمنية.

رابعًا: المؤسسة العسكرية ستكون العقدة الأصعب

يمكن التوصل إلى اتفاق على الميزانية والنفط والمناصب بصورة أسرع بكثير من توحيد الجيش.

لكن التصريحات والاتصالات الأخيرة تشير إلى أن توحيد المؤسسة العسكرية بدأ يدخل فعليًا في صلب المفاوضات الدولية، بما في ذلك اتصالات أمريكية مع صدام حفتر حول هذا الملف.

وهنا يمكن تصور صيغة انتقالية لا تقوم على حل القوات الموجودة شرقًا وغربًا، وإنما على إنشاء قيادة عسكرية مشتركة أو مجلس قيادة أعلى يمثل الطرفين، قبل الوصول لاحقًا إلى هيكل قيادة موحد.

هذا المسار، إذا تقدم، سيكون أهم تحول في ليبيا منذ وقف الحرب الواسعة عام 2020.

خامسًا: واشنطن وأنقرة تتحولان إلى محور دفع للتسوية

اللافت أن الولايات المتحدة وتركيا، اللتين كانتا سابقًا تعملان في الملف الليبي من زوايا مختلفة، أصبحت مصالحهما أكثر تقاطعًا.

واشنطن تريد الاستقرار، زيادة إنتاج النفط، فتح المجال أمام الاستثمار الأمريكي وتقليص قدرة القوى المنافسة على استخدام الانقسام الليبي. المبادرة التي يقودها مسعد بولس تربط بصورة واضحة بين التسوية السياسية وتوسيع الاستثمارات النفطية والاقتصادية.

أما تركيا فتريد الحفاظ على اتفاقياتها ومصالحها في غرب ليبيا، لكنها أصبحت تدرك أن ضمان هذه المصالح على المدى الطويل يتطلب علاقة مستقرة أيضًا مع الشرق.

وبالتالي قد نشهد تنسيقًا أمريكيًا–تركيًا غير معلن بالكامل لدفع الأطراف الليبية نحو تسوية.

سادسًا: ماذا عن مصر؟

التقارب التركي مع حفتر لا يعني تلقائيًا تراجع النفوذ المصري، لكنه يغير البيئة التي عملت فيها القاهرة لسنوات.

كلما أصبحت تركيا شريكًا مقبولًا في بنغازي، تقل قدرة أي قوة إقليمية منفردة على احتكار العلاقة الخارجية مع الشرق الليبي.

وفي المقابل، فإن أي مشروع جدي لتوحيد المؤسسات يصعب نجاحه دون تفاهم مصري–تركي–أمريكي بدرجات متفاوتة، لأن القاهرة وأنقرة تمتلكان علاقات مباشرة وقوية مع مكونات رئيسية في المعسكرين الليبيين.

ومن ثم فإن أحد المؤشرات التي ينبغي مراقبتها خلال الفترة القادمة هو مستوى التنسيق المصري–التركي حول ليبيا.

سابعًا: روسيا ستكون المتغير الأكثر حساسية

إذا تطورت العلاقة بين أنقرة والقيادة الشرقية إلى تعاون سياسي وعسكري واسع، فسيصبح السؤال الأساسي: ماذا سيحدث للنفوذ الروسي في الشرق والجنوب الليبيين؟

حفتر يتمتع بعلاقات وثيقة مع روسيا، بينما يمثل الحضور الروسي أحد الملفات الاستراتيجية المهمة بالنسبة لواشنطن وحلفائها.

ولا أتوقع مواجهة مباشرة لإخراج روسيا قريبًا، لكن يمكن أن تبدأ عملية تنويع الشركاء العسكريين للشرق الليبي بحيث تقل درجة اعتماده الحصري على موسكو.

وهنا تحديدًا قد تصبح تركيا البديل الأكثر قبولًا، لأنها تجمع بين عضويتها في الناتو وقدرتها على التعامل مع موسكو في الوقت نفسه.

السيناريوهات الثلاثة

السيناريو الأول – تسوية تدريجية واسعة: 50%

تتقدم المبادرة الأمريكية، وتدخل تركيا ومصر وإيطاليا ودول إقليمية أخرى في دعمها، ويجري الاتفاق على صيغة انتقالية تجمع الشرق والغرب، يليها توحيد تدريجي للمؤسسات الاقتصادية وبعض الأجهزة الأمنية والعسكرية.

هذا هو السيناريو الذي تبدو التحركات الحالية متجهة نحوه.

السيناريو الثاني – تقاسم نفوذ دون حل سياسي نهائي: 35%

يتفق الطرفان على الميزانية والنفط والاستثمارات والمناصب، لكن الخلاف على القيادة العسكرية والانتخابات يستمر.

وهذا السيناريو قد ينتج «وحدة وظيفية» للدولة مع استمرار الانقسام السياسي الفعلي.

وتحذّر تحليلات، منها تشاتام هاوس، من أن ترتيبات تقاسم السلطة قد تعيد إنتاج النخب القائمة بدل بناء مؤسسات خاضعة للمساءلة.

السيناريو الثالث – انهيار المسار والعودة إلى التصعيد: 15%

تصطدم التسوية بالخلاف حول توزيع الموارد أو المناصب أو قيادة الجيش، وتتزايد الاشتباكات والاغتيالات والهجمات على المنشآت.

والهجمات الأخيرة على منشآت الطاقة في الزاوية، بالتزامن مع اغتيال مسؤول عسكري كبير في بنغازي، تكشف أن البيئة الأمنية ما زالت شديدة الهشاشة.

التقدير النهائي

ليبيا تبدو أقرب إلى إعادة توزيع واسعة للسلطة منها إلى انتخابات مباشرة في المدى القريب.

واللقاء بين حفتر وفيدان يمثل جزءًا من عملية أوسع يجري فيها إعداد القوى الرئيسية لمرحلة جديدة: واشنطن تحاول صناعة الإطار السياسي والاقتصادي، تركيا توسع نفوذها من الغرب إلى الشرق، والقيادة العامة تعمل على تحويل قوتها العسكرية إلى اعتراف وشراكة سياسية دولية أوسع.

أما المتغير الأكثر أهمية الذي ينبغي مراقبته الآن فهو صدام حفتر.

إذا استمرت زياراته إلى العواصم وازدادت اللقاءات الأمريكية والتركية والأوروبية معه خلال الأشهر المقبلة، فسيكون ذلك مؤشرًا قويًا على أن جزءًا من عملية إعادة تشكيل السلطة في ليبيا لا يتعلق فقط بتوحيد الشرق والغرب، وإنما أيضًا بترتيبات انتقال النفوذ داخل معسكر الشرق نفسه من خليفة حفتر إلى جيل جديد تقوده عائلته.

وفي هذه الحالة، قد لا يكون السؤال خلال الفترة المقبلة: هل ستتوحد ليبيا؟

بل: من سيحكم ليبيا الموحدة، وكيف ستُوزع القوة بين الشرق والغرب؟

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى