تقارير و تحقيقاتخاص مراسلين

حتى بيوت الله لم تسلم.. ماذا يعني استهداف “الحوثي” لمسجد في السعودية؟

الكاتب: مهند أحمد شبير

الكاتب: مهند أحمد شبير

لم يكن المسجد الواقع في محافظة الطوال بمنطقة جازان موقعًا عسكريًا، ولم تكن مئذنته جزءًا من جبهة قتال. ومع ذلك، طالته أضرار ناجمة عن مقذوف أطلقته جماعة الحوثي، في مشهد أعاد إلى الواجهة سجلًا من الانتهاكات التي لم تبدأ عند الحدود السعودية، بل سبقتها سنوات طالت خلالها المساجد ودور العبادة داخل اليمن.

وفي 12 سبتمبر، أعلن الدفاع المدني السعودي مباشرته حادث سقوط مقذوف في محافظة الطوال، قال إن جماعة الحوثي أطلقته، وأسفر عن أضرار مادية لحقت بمسجد وعدد من المباني والمركبات.

غير أن الحادثة تتجاوز حدود الخبر العابر؛ فعندما تصل آثار السلاح إلى مسجد، يصبح السؤال أكبر من موقع سقوط المقذوف: إلى أي مدى يمكن أن يبلغ هذا التصعيد؟ وأي حدود تبقى عندما تدخل بيوت الله في دائرة الأضرار؟

سجل سبق حادثة الطوال

لا يمكن قراءة ما حدث في الطوال بمعزل عن سجل سابق للحوثيين في التعامل مع المساجد داخل اليمن.

ففي تقرير نشرته وكالة الأنباء السعودية عام 2017، نقلًا عن برنامج التواصل مع علماء اليمن، وُثقت انتهاكات طالت أكثر من 750 مسجدًا خلال الفترة الممتدة من عام 2013 حتى نهاية 2016. وتنوعت تلك الانتهاكات بين التفجير الكامل، والقصف بالأسلحة الثقيلة، والاقتحام والنهب، وتحويل بعض المساجد إلى ثكنات عسكرية.

وبحسب التقرير، بلغ عدد المساجد التي فجرها الحوثيون 80 مسجدًا، إضافة إلى 41 مسجدًا تعرضت للقصف بالدبابات والأسلحة الثقيلة، و117 مسجدًا تعرضت للاقتحام والعبث، فيما حُوّل 157 مسجدًا إلى ثكنات عسكرية.

وفي مارس 2017، تعرض مسجد كوفل في مديرية صرواح بمحافظة مأرب لهجوم أثناء صلاة الجمعة، وسط إدانات من علماء ودعاة يمنيين لاستهداف المسجد والمصلين داخله.

وبذلك، لم يكن مسجد الطوال أول مسجد تصل إليه آثار السلاح الحوثي؛ فقد سبقه سجل طويل داخل اليمن دفع ثمنه اليمنيون، قبل أن تمتد الاعتداءات عبر الحدود إلى الأراضي السعودية.

من اليمن إلى الطوال

تقع محافظة الطوال السعودية في منطقة جازان على الحدود مع الجمهورية اليمنية، وتضم منفذ الطوال البري، أحد أبرز منافذ الربط بين البلدين. ولهذا تحمل الحادثة دلالة تتجاوز جغرافية المكان.

فصورة المساجد التي تعرضت للتفجير والقصف والاقتحام خلال سنوات الصراع في اليمن عادت إلى الواجهة هذه المرة على الجانب السعودي من الحدود: مسجد متضرر، ومبانٍ ومركبات طالتها آثار مقذوف حوثي.

تغير المكان، لكن السؤال بقي حاضرًا: لماذا تصل آثار السلاح إلى بيوت الله؟

عندما تصبح المئذنة شاهدًا

يمكن إصلاح جدار متضرر، وترميم مبنى، وإعادة بناء ما تهدم، لكن صورة مسجد أصابه مقذوف تحمل دلالة تتجاوز حجم الخسائر المادية.

فالمساجد ليست ثكنات عسكرية، والمآذن ليست منصات للقتال، والمصلون ليسوا طرفًا في المعارك.

وعندما يُستعاد سجل المساجد التي تعرضت للتفجير والقصف والاقتحام داخل اليمن، ثم توضع إلى جانبه صورة مسجد الطوال، يصبح من الصعب النظر إلى الحادثة باعتبارها تفصيلًا هامشيًا في جولة جديدة من التصعيد.

تحذيرات سعودية سبقت الحادثة

قبل حادثة الطوال بأيام، أدانت المملكة العربية السعودية استهداف الحوثيين أعيانًا مدنية واقتصادية في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، مؤكدة رفضها للنهج العدائي الذي يهدد أمن المملكة واستقرار اليمن ومحيطه العربي.

كما شددت على حقها المشروع في اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وحماية مقدراتها الوطنية.

ثم جاء مقذوف الطوال ليضع الحادثة في سياق أوسع؛ إذ إن استمرار الاعتداءات عقب التحذيرات الرسمية يحمّل الحوثيين مسؤولية خياراتهم وما قد يترتب عليها من تداعيات سياسية وأمنية وإنسانية.

حتى بيوت الله لم تسلم

من مساجد فُجرت وقُصفت واقتُحمت داخل اليمن، إلى مسجد في محافظة الطوال السعودية طالته أضرار مقذوف حوثي؛ تتغير الجغرافيا، لكن المشهد يبقى واحدًا في قسوته.

قد تختلف الحسابات السياسية والعسكرية، وتتبدل الجبهات وموازين القوى، لكن ثمة أماكن ينبغي أن تبقى بمنأى عن السلاح، وفي مقدمتها دور العبادة.

تعيد حادثة الطوال إلى الذاكرة سجلًا طويلًا من الانتهاكات التي طالت المساجد في اليمن، لكنها تحمل هذه المرة صورة مختلفة؛ إذ وصلت آثار المقذوف إلى مسجد داخل الأراضي السعودية.

وعندما تصل آثار السلاح إلى بيوت الله، لا يعود السؤال متعلقًا بمكان سقوط المقذوف وحده، بل بالحدود التي يمكن أن يبلغها التصعيد، وبالتداعيات التي قد تترتب على استمرار الحوثيين في هذا المسار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى