إسرائيل تعيد تعريف الحرب المقبلة.. خطة الساعات الـ72 الأولى
ترجمة وتحرير أبوبكر إبراهيم اوغلو
لم تعد إسرائيل تنظر إلى مفاجأة السابع من أكتوبر باعتبارها إخفاقًا استخباريًا يمكن علاجه بزيادة عدد أجهزة الاستشعار أو تحسين تدفق المعلومات فقط. فداخل مراكز التفكير العسكري الإسرائيلي يتشكل نقاش أعمق، يرى أن الخطر الحقيقي يكمن في احتمال انهيار مفهوم «الإنذار المبكر» نفسه أمام نمط جديد من الحروب، يعتمد على السرعة والتزامن والخداع والضرب عبر مجالات متعددة خلال الساعات الأولى.
هذا التحول ظهر بوضوح في دراسة حديثة أصدرها مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية بعنوان «الهجوم الخاطف الحديث: انهيار الإنذار الاستراتيجي أمام التنبيه التكتيكي»، أعدها اللواء احتياط يعقوب بنغو، الرئيس السابق لمديرية التخطيط في الجيش الإسرائيلي.
وتقدم الدراسة نافذة مهمة للقارئ العربي على الطريقة التي تعيد بها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تصور الحرب المقبلة، وعلى التحولات المحتملة في انتشار الجيش وتسليحه وطريقة إدارته للحدود.
ما «الهجوم الخاطف الحديث»؟
ينطلق التصور الإسرائيلي الجديد من أن الخصم لن ينتظر بالضرورة اكتمال التعبئة أو صدور إعلان سياسي عن الحرب، ولن يبدأ عملياته بجبهة واحدة ومسار يمكن توقعه.
بدلًا من ذلك، قد تنطلق الحرب بهجوم واسع ومتزامن يجمع بين الصواريخ والطائرات المسيّرة، والتسلل البري أو البحري، والهجمات السيبرانية، وتعطيل الاتصالات، ونشر المعلومات المضللة، واستهداف مراكز القيادة والمنشآت الحيوية.
والهدف ليس تحقيق انتصار عسكري كامل في اليوم الأول، بل إحداث انهيار سريع في قدرة الدولة المستهدفة على فهم ما يجري، واتخاذ القرار، وتحريك قواتها، وحماية الجبهة الداخلية.
ويحدد بنغو الفترة الأكثر خطورة بما بين 24 و72 ساعة من بداية الهجوم. ففي هذه النافذة الزمنية القصيرة يمكن لإنجاز تكتيكي محدود أن يتحول إلى تهديد استراتيجي يمس استقرار الدولة وسيادتها.
المشكلة، وفق هذا التصور، ليست غياب المعلومات بالضرورة، بل العجز عن تفسيرها خارج القوالب القديمة. فقد تتوافر إشارات عديدة إلى تغير سلوك الخصم، لكن أجهزة الاستخبارات تواصل قراءتها استنادًا إلى افتراضات سابقة، فتبدو التحركات غير الطبيعية تدريبات أو رسائل ضغط، بينما تكون في الواقع استعدادًا لهجوم واسع.
من منع الاختراق إلى احتوائه
لعدة عقود، قامت العقيدة الإسرائيلية على اكتشاف نيات الخصم مبكرًا، ثم تعبئة قوات الاحتياط ونقل المعركة سريعًا إلى أرضه. لكن هجوم السابع من أكتوبر كشف هشاشة هذا النموذج عندما انهارت الحواجز ومراكز المراقبة والقيادة في وقت متقارب.
وتشير الدراسة إلى أن الدفاعات الحدودية المبنية أساسًا لمنع الاختراق قد تصبح عديمة الفاعلية فور نجاح الخصم في تجاوزها. فالقوة المصممة لحراسة السياج أو مراقبة الحدود لا تتحول تلقائيًا إلى قوة قادرة على القتال بصورة مستقلة داخل مساحة واسعة واستعادة السيطرة عليها.
لذلك يدعو التصور الجديد إلى الانتقال من عقيدة «منع الاختراق» إلى عقيدة «الاحتواء الفوري». ويعني ذلك نشر قوات حدودية قادرة على الاستمرار في القتال حتى إذا انقطعت الاتصالات مع القيادة المركزية، أو تعطلت أنظمة المراقبة، أو تأخر وصول القوات النظامية والاحتياطية.
وستحتاج هذه القوات إلى امتلاك وسائل استخبارات وضرب مستقلة، وطائرات مسيّرة، وقدرات دفاع جوي واتصالات بديلة، بما يسمح لها باكتشاف الأهداف والتعامل معها دون انتظار سلسلة طويلة من الموافقات.
ماذا يعني ذلك للفلسطينيين ودول المنطقة؟
إذا انتقلت هذه الأفكار من الدراسات إلى خطط الجيش، فمن المرجح أن تشهد حدود إسرائيل ومحيط الأراضي الفلسطينية ثلاثة تحولات أساسية.
أولها زيادة عسكرة المناطق الحدودية، ليس عبر إقامة جدران وأجهزة مراقبة إضافية فحسب، بل من خلال نشر وحدات صغيرة عالية التسليح تتمتع بصلاحيات أوسع وقدرة على العمل بصورة مستقلة.
وثانيها توسيع المناطق العازلة والعمق الأمني. فكلما تراجعت ثقة إسرائيل في قدرتها على منع الهجوم عند خط الحدود، زاد اتجاهها إلى إبعاد مصدر التهديد إلى مسافة أكبر. وقد ينعكس ذلك في سياساتها تجاه غزة وجنوب لبنان والجولان السوري والضفة الغربية، من خلال فرض ترتيبات ميدانية تمنحها قدرة أكبر على المراقبة والتدخل المبكر.
أما التحول الثالث، فهو ازدياد الاعتماد على الضربات الاستباقية. فالدولة التي تعتقد أن الساعات الأولى قد تحدد نتيجة الحرب تصبح أكثر ميلًا إلى مهاجمة ما تعتبره تحضيرًا لعملية معادية، حتى قبل اكتمال الأدلة على وجود قرار فعلي بالهجوم.
وهنا تكمن خطورة هذا التفكير على المنطقة؛ لأن توسيع مفهوم الوقاية قد يجعل التدريبات العسكرية، أو تحريك الصواريخ، أو نشر المسيّرات، أو حتى تغير أنماط الاتصالات، أسبابًا محتملة لشن عملية استباقية.
الذكاء الاصطناعي لا يلغي المفاجأة
من المتوقع أن يدفع الخوف من «الهجوم الخاطف الحديث» إسرائيل إلى زيادة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وتحليل صور الأقمار الصناعية، ومراقبة الشبكات الاجتماعية، وربط قواعد البيانات العسكرية والمدنية.
لكن الدراسة تحمل ضمنيًا تحذيرًا من الاعتقاد بأن التكنولوجيا وحدها تمنع المفاجأة. فالخوارزمية قد تلتقط آلاف الإشارات، لكنها تعمل هي الأخرى وفق نماذج وافتراضات يحددها البشر. وإذا كانت هذه الافتراضات خاطئة، فقد تساعد التكنولوجيا في ترسيخ الخطأ بدلًا من تصحيحه.
كما أن الاعتماد المتزايد على الأنظمة الرقمية يخلق نقاط ضعف جديدة. فالتشويش على الاتصالات، أو اختراق قواعد البيانات، أو تغذية أنظمة التحليل بمعلومات مضللة، قد يجعل التفوق التكنولوجي عبئًا في اللحظات الحاسمة.
إلى أين تتجه العقيدة الإسرائيلية؟
خلال المرحلة المقبلة، يُرجح أن تركز إسرائيل على بناء دفاع متعدد الطبقات حول حدودها، وتقصير المسافة بين اكتشاف الهدف وضربه، ومنح القيادات الميدانية صلاحيات أوسع، وتشكيل وحدات محلية قادرة على القتال بصورة مستقلة خلال أول ثلاثة أيام.
لكن لهذا التحول ثمن سياسي وأمني. فانتشار قوات أكثر استقلالية واتخاذ قرارات ميدانية أسرع قد يقللان زمن الاستجابة، لكنهما يرفعان أيضًا احتمالات الخطأ وسوء التقدير والتصعيد غير المقصود.
وبالنسبة إلى القارئ العربي، لا تكمن أهمية الدراسة في المصطلح العسكري الجديد وحده، بل في ما تكشفه عن القلق الإسرائيلي العميق: إسرائيل لم تعد واثقة بأن التفوق الاستخباري يضمن لها الوقت الكافي للاستعداد، ولذلك تسعى إلى بناء جيش يتصرف على أساس أن الإنذار قد يتأخر أو يخطئ أو لا يصل أصلًا.
المشهد المستقبلي الأكثر ترجيحًا، إذن، ليس اختفاء المفاجأة من حروب المنطقة، بل تحول الحدود إلى مساحات عسكرية شديدة الحساسية، يمكن فيها لإشارة غامضة أو تقدير خاطئ أن يطلق مواجهة واسعة خلال ساعات.
المصدر: دراسة اللواء احتياط يعقوب بنغو، «الهجوم الخاطف الحديث: انهيار الإنذار الاستراتيجي أمام التنبيه التكتيكي»، مركز بيغن–السادات للدراسات الاستراتيجية، 1 سبتمبر/أيلول 2026.




