صاروخ البوسفور .. أكاديمي روسي يعبر المضيق ويترك ذاكرة تاريخية

اسطنبول – مراسلين
حقق الأكاديمي الروسي ألكسندر خولين، الأستاذ المشارك في الأكاديمية الرئاسية الروسية، والمعروف بلقب «الصاروخ الروسي»، نتيجة لافتة بين ممثلي المجتمع الأكاديمي العالمي في سباق السباحة العابر للقارات في مضيق البوسفور، في تجربة جمعت بين الرياضة وروح المغامرة وعبق التاريخ.
لم يكن عبور خولين للمضيق مجرد مشاركة رياضية عادية، بل بدا أقرب إلى رحلة بحرية مفتوحة على ذاكرة إسطنبول ومعالمها. فوسط التيارات المعاكسة والأمواج ومسار السباحة الصعب، مضى السباح الروسي في طريقه بين آسيا وأوروبا، مارًا بمحطات تعد من أبرز الشواهد التاريخية والثقافية على ضفتي البوسفور.
انطلقت رحلة «الصاروخ الروسي» من الجانب الآسيوي، عند رصيف كانليجا التاريخي في إسطنبول، قبل أن يتجه مساره نحو جسر السلطان محمد الفاتح، أحد أبرز رموز المدينة الحديثة، والذي يستحضر في موقعه ودلالته مرحلة مفصلية من تاريخ تركيا، بدءًا من فتح القسطنطينية وولادة إسطنبول بوصفها مدينة ذات حضور عالمي متجدد.
ومن هناك، واصل خولين مساره بمحاذاة قلعة روملي حصار على الضفة الأوروبية، تلك القلعة العثمانية التي شُيدت عام 1452، وتحولت إلى رمز حاسم في التحولات الكبرى التي سبقت نهاية الإمبراطورية البيزنطية. ومن الماء، تبدو القلاع والجسور والقصور والجزر في صورة مختلفة تمامًا؛ أكثر قربًا من المشهد وأكثر اتصالًا بروح المكان.
بعد ذلك، اتجه خولين نحو الضفة المقابلة حيث تقع قلعة الأناضول حصار، أقدم قلاع إسطنبول على البوسفور. وقد شكلت هذه القلعة، إلى جانب روملي حصار، منظومة دفاعية مزدوجة مكّنت العثمانيين من إحكام السيطرة على المضيق، وجعلت من البوسفور واحدًا من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
ومر السباح الروسي قرب مصب نهر غوكسو، متجهًا نحو قصر كوتشوك سو الأنيق، الذي بُني في عهد السلطان عبد المجيد الأول، ويُعد نسخة مصغرة من فخامة قصر دولمة بهجة. ويستحضر هذا المعلم طراز الباروك العثماني، كما يذكّر بالأعمال الفنية التي ارتبطت بالفنان البحري الروسي إيفان قسطنطينوفيتش آيفازوفسكي، الذي ترك بصمة بارزة في الذاكرة البصرية للمدينة.
وكانت محطة كوليلي من أبرز نقاط المسار على الجانب الآسيوي، بما تحمله من حضور معماري مميز ببرجيها المثمنين، وبما تمثله من مكانة في تاريخ التعليم العسكري التركي، إذ تعد من أقدم المؤسسات العسكرية التعليمية في البلاد، وارتبط اسمها بتخريج شخصيات بارزة في تاريخ الجمهورية التركية.
ثم عاد خولين ليغيّر اتجاهه نحو الضفة الأوروبية، مرورًا بجزيرة غلطة سراي، التي أقام وعمل فيها الفنان آيفازوفسكي، وأنجز خلالها عددًا من لوحاته للسلطان عبد العزيز، قبل أن ينال وسام العثمانية من الدرجة الثانية تقديرًا لإسهامه الفني.
وفي المرحلة الأخيرة، اتجه «الصاروخ الروسي» نحو جسر شهداء 15 يوليو، وسط أجواء الظهيرة وضبابها الخفيف، ليكمل المسافة الأخيرة من السباق ويصل إلى منصة التتويج وسط تصفيق الحضور.
وبذلك أنهى ألكسندر خولين رحلة عابرة للقارات حملت بعدًا رياضيًا وثقافيًا في آن واحد. صحيح أنها لم تكن الطريق الأقصر إلى خط النهاية، لكنها بدت من أكثر المسارات ثراءً بالذاكرة التاريخية والتراث الحضاري، حيث يلتقي الجهد البدني بجغرافيا مدينة صنعت موقعها بين الشرق والغرب.
وبات خولين، بعد هذه المشاركة، حاضرًا ليس فقط كباحث ومثقف ومهتم بالتاريخ، بل أيضًا كسباح عابر للقارات ورياضي حقق إنجازًا مميزًا في واحد من أشهر سباقات المياه المفتوحة في العالم. تهانينا لألكسندر «الصاروخ الروسي» خولين، مع تمنياتنا له بمزيد من النجاح في مسيرته الرياضية والأكاديمية.













