تقارير و تحقيقاتسياسة

من التنظيم إلى الجبهات.. هل دخلت جماعة الإخوان المسلمين مرحلة التراجع التاريخي؟

جماعة في مأزق

تصريحات قياداتها تكشف أزمة الوحدة.. ومؤشرات سياسية وقانونية ترسم مستقبلًا أكثر انقسامًا وأقل نفوذًا

تقرير: أبوبكر إبراهيم أوغلو

لم تعد أزمة جماعة الإخوان المسلمين مجرد تقدير يقدمه خصومها أو مراكز بحثية تتابع الإسلام السياسي؛ إذ تكشف تصريحات صادرة عن قيادات الجماعة نفسها حجم الانقسام، بينما تقدم الوقائع السياسية والقانونية مؤشرات مادية على تراجع قدرتها على العمل والتنظيم والحشد.

وتشمل هذه المؤشرات تعدد القيادات التي تتنازع منصب القائم بأعمال المرشد، وفقدان الوجود التنظيمي العلني داخل مصر، وحظر الجماعة ومصادرة ممتلكاتها في الأردن، وتصنيف فروعها في ثلاث دول على قوائم الإرهاب الأميركية، فضلًا عن تراجع الأحزاب المتأثرة تاريخيًا بأفكارها في عدد من الدول.

ومع ذلك، لا تعني هذه التطورات اختفاء الجماعة أو انتهاء أثرها الفكري؛ فالتجربة التاريخية للإخوان تُظهر قدرتهم على العمل في المنفى وتحت الأرض. لكن المعطيات تشير إلى أن النموذج الذي عرفته المنطقة طوال عقود، بوصف الجماعة تنظيمًا مركزيًا تقوده مرجعية مصرية، أصبح أقرب إلى التفكك لمصلحة جبهات وشبكات مستقلة.

قيادتان تدّعيان تمثيل الجماعة

يظهر الانقسام بوضوح في وجود قيادتين تستخدمان في الوقت نفسه صفة «القائم بأعمال المرشد العام».

تتمركز الأولى في لندن ويقودها صلاح عبد الحق، بينما يقود محمود حسين جبهة أخرى ارتبطت بإسطنبول. وإلى جانبهما برز «تيار التغيير»، الذي يرفض جانبًا كبيرًا من شرعية القيادات التقليدية ويحملها مسؤولية فشل الجماعة بعد عام 2013.

ولا يتعلق الخلاف باختلاف الآراء فقط، بل يمتد إلى شرعية المؤسسات، وإدارة الأموال، وتمثيل الجماعة أمام الخارج، وتعيين القيادات، والموقف من التسوية السياسية مع الدولة المصرية.

وفي مارس/آذار 2026، قال محمود حسين إن الجماعة حريصة على «وحدة صفها والتئام شملها»، مؤكدًا أنها أمام «عمل شاق وجهد كبير» لمواجهة تحديات المستقبل. الغد

تحمل هذه الكلمات اعترافًا ضمنيًا بأن وحدة الجماعة لم تعد أمرًا قائمًا. فالدعوة إلى «التئام الشمل» لا تصدر عادة عن تنظيم يحتفظ بقيادة واحدة وسلسلة أوامر مستقرة.

وفي منتصف عام 2026، عاد حسين إلى الدعوة إلى «الجماعة الواحدة والقيادة الواحدة». غير أن هذه المبادرة لم تحسم الخلاف؛ لأن جبهة لندن لا تعترف بشرعية قيادته، بينما يقدم كل طرف نفسه ممثلًا وحيدًا للتنظيم. المنصة

رفض متبادل للشرعية

عندما اختارت جبهة لندن صلاح عبد الحق قائمًا بأعمال المرشد عام 2023، رفضت جبهة إسطنبول الاعتراف به. وكان محمود حسين قد أعلن قبل ذلك توليه المهمة نفسها، عقب وفاة إبراهيم منير، الذي كان يقود جبهة لندن.

هذا التنافس أنتج واقعًا غير مسبوق: جماعتان تحملان الاسم نفسه، ولكل منهما مؤسساتها ومنصاتها وبياناتها وقيادتها.

وتتجاوز دلالة الانقسام مسألة الأشخاص. فقد تأسس النموذج التنظيمي للإخوان على مركزية المرشد و«السمع والطاعة» ووحدة الصف. وعندما يعجز التنظيم عن الاتفاق على هوية المرشد، فإن الأزمة تصيب أحد أهم الأسس التي قامت عليها بنيته.

وبذلك يصبح تعدد القيادات مؤشرًا ماديًا على التراجع التنظيمي، لا مجرد خلاف فكري يمكن احتواؤه.

الجماعة تقرّ بالحاجة إلى «لمّ الشمل»

في بيانات سابقة، وضعت الجماعة «لمّ الشمل وتمتين الصف» على رأس أولوياتها، وطالبت أعضاءها بعدم الالتفات إلى الأخبار المتعلقة بالخلافات الداخلية. الموقع التابع لجبهة لندن

كما أطلق القيادي أشرف عبد الغفار عام 2019 مبادرة سماها «النداء الأخير»، بهدف إنهاء الانقسام. وقال آنذاك إن الخلافات وصلت إلى مستوى يهدد الجماعة ويستدعي تدخلًا عاجلًا. الجزيرة نت

لكن استمرار الأزمة بعد سنوات من تلك المبادرة يكشف عجز الأطراف عن إنتاج تسوية داخلية. فكل محاولة للوحدة اصطدمت بالسؤال نفسه: من يقود الجماعة بعد الوحدة، ومن يمتلك حق إدارة مؤسساتها وأموالها؟

مؤشرات التراجع في أرقام وقرارات

لا توجد بيانات مستقلة ومدققة حول عدد أعضاء الإخوان حاليًا أو حجم مواردهم المالية؛ لذلك يصعب قياس تراجع الجماعة بأرقام العضوية. لكن توجد مؤشرات معلنة يمكن استخدامها لتقييم الاتجاه العام:

المؤشرالدلالة
وجود جبهتين تتنازعان منصب المرشد، إضافة إلى تيار ثالثانهيار مركزية القرار التنظيمي
حظر النشاط العلني للجماعة في مصر منذ 2013فقدان المجال السياسي والاجتماعي داخل بلد المنشأ
حظر الجماعة الأردنية ومصادرة مقارها وأصولها عام 2025تقلص إحدى أقدم ساحات عملها القانوني
تصنيف فروع مصر والأردن ولبنان أميركيًا عام 2026تضييق حركة الأموال والسفر والتعامل المؤسسي
تراجع العدالة والتنمية المغربي من 125 مقعدًا إلى 13 في انتخابات 2021انهيار انتخابي لأبرز تجربة إسلامية حكومية في المغرب
اعتقال قيادة حركة النهضة وتراجع حضورها في تونستقلص تجربة إسلامية أخرى خرجت من موجة 2011
انتقال معظم القيادة المصرية إلى الخارجتحول الجماعة من حركة محلية واسعة إلى تنظيم منفى
توقف أو انكماش منصات إعلامية مرتبطة بها في تركياتراجع مساحة التأثير الإعلامي الخارجي

ولا تثبت هذه المؤشرات وحدها انتهاء الإسلام السياسي؛ لكنها تكشف فقدان الجماعة والأحزاب القريبة من مدرستها أجزاء مهمة من أدوات النفوذ: التنظيم القانوني، والتمثيل الانتخابي، والتمويل، والإعلام، والقدرة على الحركة بين الدول.

الأردن: تقدم انتخابي أعقبه الحظر

تقدم الحالة الأردنية مثالًا مركبًا لا يسمح بالحديث عن تراجع شعبي شامل.

ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2024، حصل حزب جبهة العمل الإسلامي على 31 مقعدًا من أصل 138، وأصبح أكبر كتلة معارضة. وقد استفاد الحزب من تصاعد الغضب الشعبي بسبب الحرب في غزة ومواقفه المعارضة للعلاقات مع إسرائيل.

لكن الحكومة الأردنية أعلنت في أبريل/نيسان 2025 حظر جماعة الإخوان وإغلاق مقارها ومصادرة ممتلكاتها، بعد اتهام أشخاص مرتبطين بها بالتخطيط لأعمال أمنية وتصنيع أسلحة. ونفت الجماعة علاقتها بالمخطط، بينما أكد حزب جبهة العمل الإسلامي استقلاله القانوني عنها. أسوشيتد برس

تكشف المفارقة أن الحركة قد تحتفظ بقدرة انتخابية في بعض البيئات، لكنها تفقد بنيتها التنظيمية القديمة. وهذا يدفع الحزب الأردني إلى الاختيار بين إثبات استقلاله الكامل عن الجماعة أو تحمل الآثار القانونية والسياسية للارتباط بها.

إذن، ما يتراجع في الأردن ليس بالضرورة التصويت الإسلامي، بل قدرة الإخوان على الجمع بين الجماعة الدعوية والتنظيم السياسي والحزب القانوني تحت مظلة واحدة.

التصنيف الأميركي وضربة البنية المالية

في 13 يناير/كانون الثاني 2026، صنفت الولايات المتحدة الفرعين المصري والأردني «كيانين إرهابيين عالميين مصنفين بصورة خاصة»، بينما صنفت الجماعة الإسلامية في لبنان، المحسوبة على المدرسة الإخوانية، «منظمة إرهابية أجنبية»، إلى جانب التصنيف المالي.

وقالت الإدارة الأميركية إن قراراتها استندت إلى اتهامات بتقديم دعم مادي لحركة حماس. وتنفي الجماعات المشمولة صحة هذه الاتهامات.

وقال صلاح عبد الحق ردًا على القرار إن الجماعة «ترفض التصنيف بصورة قاطعة»، وإنها ستسلك «جميع السبل القانونية» للطعن عليه. الجزيرة

كما وصف بيان منشور على منصة جبهة لندن القرار بأنه «منفصل عن الواقع وغير مدعوم بالأدلة»، واتهم أطرافًا إقليمية بالضغط على واشنطن لاتخاذه. بيان الجماعة

ومع أن هذه الاتهامات تحتاج إلى فحص مستقل، فإن الأثر المادي للتصنيف لا يتوقف على قبول الجماعة به؛ إذ يؤدي إلى تجميد أي أصول تقع ضمن الولاية الأميركية، وحظر تعامل الأشخاص والمؤسسات الأميركية مع الكيانات المصنفة، ورفع مستوى التدقيق المصرفي في التحويلات المرتبطة بها.

كما قد تتجاوز الآثار الولايات المتحدة، لأن المصارف الدولية تميل إلى تجنب التعامل مع الجهات المصنفة أو المشتبه في ارتباطها بها، حتى عندما لا تكون ملزمة قانونيًا بجميع الإجراءات الأميركية.

وقالت واشنطن إن التصنيفات تستهدف فروعًا محددة، لا كل الحركات الإسلامية في العالم. وهذه النقطة مهمة؛ لأنها تؤكد أن الإخوان لم يعودوا يُعاملون دوليًا بوصفهم تنظيمًا واحدًا متماسكًا، بل شبكة من الكيانات المحلية تختلف أوضاعها القانونية ونشاطاتها.

من قصر الرئاسة إلى العمل في المنفى

قبل نحو 14 عامًا، كان الإخوان يمتلكون رئاسة الجمهورية في مصر، وحزبًا حاكمًا، وكتلة برلمانية كبيرة، وشبكة اجتماعية ممتدة. أما اليوم، فتوجد قيادتهم الأساسية في المنفى، بينما يقبع المرشد محمد بديع وعدد كبير من أعضاء مكتب الإرشاد في السجون.

ولا تعمل الجماعة بصورة قانونية أو علنية داخل مصر، ولا تملك حزبًا مسموحًا له بالمشاركة في الانتخابات، كما تعرضت ممتلكات وجمعيات ومدارس وشركات اتهمتها الدولة بالارتباط بها للتحفظ أو المصادرة.

ويمثل الانتقال من حكم أكبر دولة عربية إلى الصراع على قيادة تنظيم في المنفى أقوى دلالة مادية على حجم التراجع.

لكن هذه الحقيقة لا تبرر تجاهل أثر القمع الواسع الذي تعرضت له الجماعة. فقد أسهمت الاعتقالات والمحاكمات وأحكام الإعدام والتحفظ على الأموال في تدمير بنيتها، إلى جانب أخطائها السياسية وخلافاتها الداخلية.

المنفى لم يعد مساحة آمنة

بعد عام 2013، أصبحت إسطنبول مركزًا رئيسيًا للقيادات والمنصات الإعلامية المرتبطة بالإخوان والمعارضة المصرية. لكن التقارب بين تركيا ومصر أدى إلى تقلص مساحة النشاط السياسي والإعلامي.

اضطرت قنوات مصرية معارضة إلى تعديل خطابها، وغادر بعض الإعلاميين والناشطين تركيا، بينما تجنب آخرون النشاط العلني. وأضعف ذلك قدرة جبهة إسطنبول على استخدام الإعلام أداةً للحشد والمحافظة على الاتصال بالقواعد.

وهذا التحول ذو دلالة مهمة: فالجماعة لم تفقد المجال العام داخل مصر فقط، بل أصبحت قدرتها على استخدام المنفى مرتبطة بحسابات الدول المضيفة ومصالحها الدبلوماسية.

أزمة عضوية وهوية

خلصت دراسة «روابط محطمة» الصادرة عن مؤسسة القرن إلى أن الجماعة تعاني ثلاث أزمات متداخلة: الهوية والشرعية والعضوية.

واعتمد الباحثون على مقابلات مع أعضاء وقيادات ومنشقين، وانتهوا إلى أن الجماعة تحولت تدريجيًا من حركة واسعة تتصور نفسها ممثلة لقطاعات اجتماعية كبيرة إلى تنظيم نخبوي أكثر انغلاقًا وانفصالًا عن محيطه. مؤسسة القرن

وتظهر أزمة العضوية بصورة خاصة بين الشباب الذين تحملوا تكلفة المواجهة بعد 2013، ثم وجدوا أنفسهم خارج عملية اتخاذ القرار. وغادر بعضهم التنظيم، بينما انضم آخرون إلى تيارات أكثر ثورية، في حين ابتعد قطاع ثالث عن العمل السياسي بالكامل.

ولا توجد أرقام موثوقة تسمح بتحديد نسبة المنسحبين. لكن تعدد المبادرات المطالبة بإصلاح التنظيم، وتأسيس كيانات منافسة، وتكرار دعوات «لمّ الشمل» يقدم قرائن على تآكل الانضباط الداخلي.

هل انتهت الجماعة أم تغير شكلها؟

لا تعني المؤشرات السابقة أن جماعة الإخوان ستختفي قريبًا. فالتنظيم نجا من حملات قمع واسعة في عهود سابقة، واستطاع الحفاظ على روابطه الاجتماعية والفكرية.

لكن قدرته السابقة على العمل كجماعة مركزية تتوسع من مصر إلى الإقليم تبدو محدودة. والأقرب أن يسير مستقبله في واحد أو أكثر من المسارات التالية:

  1. استمرار التفكك: بقاء جبهات لندن وإسطنبول وتيار التغيير من دون قيادة موحدة.
  2. التحول إلى شبكات: تراجع التنظيم الهرمي لمصلحة مجموعات إعلامية وحقوقية واجتماعية أقل ارتباطًا بالمركز.
  3. استقلال الفروع الوطنية: اتجاه الأحزاب المتأثرة بالإخوان إلى قطع الروابط التنظيمية وتقديم نفسها كأحزاب محافظة محلية.
  4. تأسيس كيان جديد: خروج جيل أصغر بحركة لا تحمل اسم الإخوان وتتخلى عن نظام البيعة والسرية.
  5. عودة محدودة: استعادة بعض الحضور إذا شهدت المنطقة انفتاحًا سياسيًا، من دون ضمان العودة إلى نموذج ما قبل 2013.

تراجع مثبت.. لكن النهاية غير محسومة

تكشف الوقائع أن الجماعة فقدت قدرًا كبيرًا من قوتها المادية: السلطة في مصر، والوجود القانوني في بلد المنشأ، ووحدة القيادة، ومساحات من النشاط الإعلامي، وحرية التعامل المالي الدولي.

وتؤكد تصريحات مسؤوليها، بصورة غير مباشرة، حجم الأزمة. فعندما تتكرر الدعوات إلى «وحدة الصف» و«لمّ الشمل» و«القيادة الواحدة»، فإنها تعكس تنظيمًا يبحث عن وحدة فقدها، لا جماعة تحتفظ بتماسكها السابق.

ومع ذلك، يجب التمييز بين تراجع التنظيم واستمرار الأفكار التي أنتجته. فقد يتراجع اسم الإخوان وبنيتهم المركزية، بينما تبقى التيارات المحافظة والإسلامية فاعلة داخل مجتمعاتها بأسماء وصيغ مختلفة.

لهذا، لا يبدو المستقبل متجهًا إلى عودة «التنظيم الكبير»، ولا إلى اختفاء كامل وفوري، بل إلى مرحلة طويلة من التفكك وإعادة التشكل؛ يتحول فيها الإخوان من جماعة عابرة للحدود ذات قيادة مركزية إلى جبهات وشبكات محلية يحمل كل منها جزءًا من الإرث، من دون امتلاك القوة التي تمتع بها التنظيم في ذروة صعوده.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى