من هرمز إلى جيب المواطن.. كيف ترفع حروب النفط فاتورة الحياة؟
لم تعد الحروب التي تدور حول حقول النفط وممرات الطاقة أحداثًا بعيدة تتابعها الأسواق على شاشات التداول؛ فكل اضطراب في مضيق هرمز يمكن أن يبدأ بناقلة نفط متوقفة وينتهي بسعر أعلى لرحلة الحافلة أو رغيف الخبز أو شحنة البضائع التي تصل إلى متجر الحي.
في الخامس والعشرين من أغسطس/آب، أغلق خام برنت عند 88.58 دولارًا للبرميل بعد انخفاض تجاوز 3%، لكن هذا التراجع لا يعني انتهاء الأزمة. فالأسواق تتحرك حاليًا بين إشارات التهدئة السياسية والخوف من عودة التصعيد وتعطل الإمدادات، وهو ما يجعل مستوى الأسعار أقل أهمية أحيانًا من حجم التقلب وعدم اليقين المحيط بها.
القصة الاقتصادية الأكبر لم تعد إذن: كم يبلغ سعر برميل النفط؟
بل: كم تبلغ التكلفة الحقيقية لإيصال الطاقة من المنتج إلى المستهلك؟
هرمز.. عنق زجاجة للاقتصاد العالمي
قبل اندلاع الحرب الحالية، كان مضيق هرمز واحدًا من أهم شرايين الطاقة في العالم.
وتقدر إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن نحو 21.6 مليون برميل يوميًا من النفط والسوائل البترولية كانت تمر عبر المضيق خلال الربع الأخير من 2025.
لكن هذا الرقم هبط إلى متوسط 4.9 ملايين برميل يوميًا فقط خلال الربع الثاني من 2026، بفعل الاضطرابات الأمنية وتعطل حركة الشحن.
أي أن الأزمة لم تسحب من السوق بضعة آلاف من البراميل، وإنما أحدثت تحولًا كبيرًا في واحد من أهم مسارات التجارة النفطية في العالم.
وتزداد الصورة تعقيدًا إذا نظرنا إلى خريطة إنتاج النفط بأكملها.
فبحسب تحليل نشرته رويترز في 25 أغسطس/آب، أنتجت الدول والمناطق المتأثرة بالصراعات نحو 45 مليون برميل يوميًا خلال 2025، بما يزيد على 43% من إمدادات النفط العالمية.
ويشمل المشهد، إلى جانب الشرق الأوسط، تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية واضطرابات الإنتاج والتكرير ومناطق أخرى تواجه صراعات أو قيودًا على صادرات الطاقة.
وهكذا أصبح جزء كبير من الطاقة التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي مرتبطًا بدرجات متفاوتة بمناطق تعاني توترات سياسية أو عسكرية.
ليست أزمة نفط فقط
المفارقة أن وصول برميل النفط الخام لا يعني بالضرورة وصول البنزين أو الديزل إلى المستهلك.
فالنفط يجب أن يُنقل ويُكرر ثم تُنقل مشتقاته مرة أخرى إلى الأسواق.
وهنا تظهر الحلقة الأخطر في الأزمة الحالية: التكرير والوقود المكرر.
تشير تحليلات سوق الطاقة إلى أن اضطرابات المصافي في الخليج، بالتزامن مع الهجمات التي تعرضت لها منشآت التكرير الروسية، أدت إلى ضغوط كبيرة على إنتاج البنزين والديزل ووقود الطائرات.
ولهذا يمكن أن ينخفض سعر النفط الخام في الأسواق بينما تظل أسعار الوقود مرتفعة.
ووفق تحليل لرويترز، ارتفعت أسعار الديزل في أوروبا بأكثر من 70% منذ فبراير/شباط، بينما زادت أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنحو 60% خلال الفترة نفسها، في وقت أصبحت فيه طاقة التكرير العالمية نفسها جزءًا من الأزمة.
وهذه نقطة أساسية لفهم ما يحدث في جيب المواطن:
المستهلك لا يشتري خام برنت؛ بل يشتري البنزين والديزل والنقل والسلع التي استُخدم الوقود في إنتاجها أو نقلها.
فاتورة الحرب تبدأ قبل وصول الناقلة
هناك تكلفة أخرى لا تظهر على شاشة أسعار النفط: التأمين.
فمرور ناقلة قيمتها عشرات أو مئات الملايين من الدولارات في منطقة معرضة للهجمات يعني أن شركات التأمين ستطلب علاوة أكبر مقابل تحمل المخاطر.
وفي يوليو/تموز، أشارت بيانات نقلتها S&P Global عن شركة Marsh إلى ارتفاع علاوات مخاطر الحرب للسفن العابرة من هرمز إلى ما بين 7.5% و10% من قيمة هيكل السفينة في بعض الحالات، مقارنة بمستويات أقل بكثير قبل التصعيد.
هذه الملايين لا تختفي.
يدفعها مالك السفينة أولًا، ثم يحاول تحميلها على صاحب الشحنة، الذي يضيفها بدوره إلى تكلفة المنتج، وصولًا في النهاية إلى المستورد والمتجر والمستهلك.
وهكذا تتحول المخاطر الجيوسياسية إلى بند في فاتورة الأسرة.
الحاوية أيضًا تدفع ثمن الحرب
ولا تتوقف التداعيات عند ناقلات النفط.
في يوليو/تموز أعلنت شركة الشحن الفرنسية CMA CGM فرض رسوم وقود طارئة تتراوح بين 65 و165 دولارًا للحاوية اعتبارًا من أغسطس، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود المرتبط بتجدد التوترات حول هرمز.
قد يبدو المبلغ محدودًا عند النظر إلى حاوية واحدة.
لكن عندما تتكرر الزيادة عبر آلاف الحاويات المحملة بالمواد الغذائية والأجهزة والملابس ومواد البناء وقطع الغيار، تتحول إلى تضخم ينتشر داخل الاقتصاد.
والتاجر الذي ترتفع عليه تكلفة الاستيراد غالبًا لن يتحملها كاملة؛ بل سيمرر جزءًا منها إلى المستهلك.
من خزان الوقود إلى طبق الطعام
الأثر الأخطر يظهر عندما تنتقل صدمة الطاقة إلى الغذاء.
الزراعة الحديثة تعتمد على الوقود في تشغيل الآلات والري والنقل، وتعتمد كذلك على الأسمدة التي تحتاج صناعتها ونقلها إلى كميات كبيرة من الطاقة.
ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية تمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل اضطراب المنطقة قادرًا على التأثير لاحقًا في تكلفة الزراعة والإنتاج الغذائي في مناطق بعيدة عن الشرق الأوسط.
ثم تبدأ سلسلة بسيطة لكنها قاسية:
نفط أغلى ← وقود أغلى ← نقل أغلى ← إنتاج وشحن أغلى ← غذاء أغلى.
وقد أظهرت دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي حول انتقال صدمات أسعار الوقود والغذاء إلى الأسواق المحلية أن انتقال ارتفاع أسعار الوقود إلى المستهلك يحدث بسرعة أكبر من الغذاء.
وتشير الدراسة إلى أنه في المتوسط يمكن أن يصل الأثر التراكمي لارتفاع أسعار البنزين والديزل عالميًا إلى نحو 80% في الأسعار المحلية خلال قرابة ثلاثة أشهر، مع اختلاف كبير بين الدول وفق سياسات الدعم والضرائب وآليات التسعير.
لكن الدراسة تكشف أيضًا ظاهرة يعرفها المستهلك جيدًا:
الأسعار ترتفع أسرع مما تنخفض.
فزيادة الأسعار العالمية تنتقل غالبًا بسرعة أكبر إلى الأسواق المحلية، بينما يكون تمرير الانخفاضات أبطأ؛ وهو ما يصفه الاقتصاديون أحيانًا بتأثير «السقاطة».
لماذا يدفع الفقراء أكثر؟
ليست كل الأسر متساوية أمام صدمة النفط.
في الاقتصادات الغنية، تمثل المواد الغذائية جزءًا أصغر نسبيًا من ميزانية الأسرة.
أما في الدول منخفضة الدخل، فيشير صندوق النقد إلى أن الغذاء يشكل في المتوسط نحو 43% من إنفاق المستهلك، مقابل نحو 25% في الاقتصادات الناشئة و12% فقط في الاقتصادات المتقدمة.
وبالتالي فإن زيادة بضعة دولارات في تكلفة النقل أو الغذاء قد تكون مجرد إزعاج لأسرة مرتفعة الدخل، لكنها قد تعني حذف سلعة أساسية من قائمة مشتريات أسرة فقيرة.
وهنا تنتقل أزمة الطاقة من الاقتصاد إلى العدالة الاجتماعية.
الحكومات أمام معادلة صعبة
تحاول حكومات كثيرة منع انتقال الصدمة كاملة إلى المواطن عبر دعم الوقود أو تثبيت الأسعار أو خفض الضرائب.
لكن هذه السياسات لا تلغي التكلفة؛ بل تنقلها من جيب المستهلك إلى الموازنة العامة للدولة.
فإذا دفعت الحكومة الفرق بين السعر العالمي والسعر المحلي، ترتفع فاتورة الدعم.
وإذا لم تدفعه، ترتفع الأسعار على المواطن.
ويرى صندوق النقد أن الاستجابة الأكثر استدامة تتمثل في توجيه المساعدات إلى الأسر والفئات الأكثر تعرضًا للصدمة بدل تقديم دعم شامل ومفتوح للأسعار يمكن أن يستنزف المالية العامة.
وبذلك تواجه الدول المستوردة للطاقة معادلة شديدة الصعوبة:
إما امتصاص جزء من الأزمة ماليًا، أو تمرير جزء منها اجتماعيًا.
الرابحون ليسوا بالضرورة المنتجين
قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع النفط يعني مكاسب تلقائية لكل الدول المنتجة.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالدولة قد تبيع البرميل بسعر أعلى، لكنها قد لا تستطيع تصدير الكميات المعتادة بسبب إغلاق الطرق البحرية أو ارتفاع تكلفة التأمين.
السعودية، على سبيل المثال، لجأت إلى زيادة استخدام خط أنابيب الشرق–الغرب للوصول إلى موانئ البحر الأحمر وتقليل اعتمادها على هرمز. وأشار صندوق النقد إلى أن هذا المسار ساهم في الحد من خسائر الصادرات النفطية، بينما عوض ارتفاع الأسعار جانبًا من تراجع الكميات.
لكن البدائل نفسها ليست بلا مخاطر.
فباب المندب والبحر الأحمر شهدا بدورهما اضطرابات أمنية، ما يعني أن خريطة الطاقة العالمية أصبحت تبحث عن طرق أكثر أمانًا، لا أقصر مسافة فقط.
البرميل يمكن أن ينخفض.. والفاتورة تبقى مرتفعة
وهذه ربما أهم مفارقة في الأزمة الحالية.
في الربع الثاني من 2026 تحرك خام برنت في نطاق شديد الاتساع؛ فوصل إلى نحو 118 دولارًا للبرميل في 29 أبريل/نيسان، ثم هبط إلى نحو 72 دولارًا في 26 يونيو/حزيران.
لكن انخفاض الخام لا يعيد الاقتصاد فورًا إلى نقطة البداية.
فقد تبقى أقساط التأمين مرتفعة، وتظل بعض طرق الشحن مغلقة، وتستمر رسوم النقل الإضافية، وتبقى مخزونات الوقود منخفضة، بينما تحتاج المصافي المتضررة إلى وقت لإعادة تشغيل طاقتها.
لذلك يمكن للحرب أن تترك تضخمًا أطول عمرًا من القصف نفسه.
من هرمز إلى جيب المواطن
على الخريطة لا يتجاوز مضيق هرمز عشرات الكيلومترات في أضيق أجزائه، لكن تأثيره الاقتصادي يمتد إلى آلاف المدن حول العالم.
منه تمر الطاقة إلى المصانع، والوقود إلى الشاحنات، والأسمدة إلى المزارع.
وعندما يضطرب هذا الطريق تبدأ الفاتورة في التحرك:
من شركة التأمين إلى الناقلة..
ومن الناقلة إلى المصفاة..
ومن المصفاة إلى الشاحنة..
ومن الشاحنة إلى المتجر..
ومن المتجر إلى جيب المواطن.
ولهذا فإن السؤال الاقتصادي الذي تطرحه حروب النفط اليوم لم يعد فقط من يسيطر على الحقول أو الممرات البحرية، وإنما:
كم سيدفع الإنسان العادي مقابل حرب لم يكن طرفًا فيها؟
مراسلين – يهمنا الإنسان




