من يملك كأس العالم؟ كيف أسقطت ثورة الاتحادات خطة إنفانتينو لخصخصة قلب “فيفا”
تقرير خاص – مراسلين
مشروع بقيمة 20 مليار دولار وعد الاتحادات بأموال غير مسبوقة، لكنه انهار خلال أيام بعدما تحول إلى أزمة عالمية حول ملكية كرة القدم وشفافية إدارتها
إعداد: أبو بكر إبراهيم أوغلو
لم تحتج الخطة سوى أيام قليلة لتنتقل من مشروع مالي ضخم يقدمه الاتحاد الدولي لكرة القدم بوصفه «فرصة ذهبية»، إلى واحدة من أخطر الأزمات التي واجهت رئيس «فيفا» جاني إنفانتينو منذ توليه منصبه عام 2016.
كانت الفكرة، في ظاهرها، تجارية بحتة: إنشاء شركة جديدة تُجمع داخلها الأنشطة التجارية والتشغيلية المرتبطة ببطولات «فيفا»، وعلى رأسها كأس العالم، ثم بيع حصة أقلية منها إلى مستثمرين من القطاع الخاص، بهدف جمع مليارات الدولارات وتوسيع تمويل كرة القدم حول العالم.
لكن المشروع سرعان ما أثار سؤالًا تجاوز الحسابات المالية: هل يحق لـ«فيفا»، بوصفه الجهة المؤتمنة على اللعبة، أن يمنح مستثمرين خارجيين حصة في العوائد التجارية لأهم بطولات كرة القدم؟ وما الذي سيحدث عندما تتحول حقوق كأس العالم من مورد رياضي عالمي إلى أصل استثماري مطالب بتحقيق عوائد متزايدة؟
تحت ضغط تهديد أوروبي بالمقاطعة، واعتراضات آسيوية وأميركية شمالية، وانقسام داخل قيادة «فيفا» نفسها، اضطر إنفانتينو إلى التراجع. غير أن إلغاء الخطة لم يُنهِ الأزمة، بل فتح معركة أوسع بشأن أسلوب إدارة الاتحاد الدولي ومستقبل رئيسه.
ما الخطة التي أراد «فيفا» تنفيذها؟
حملت الشركة المقترحة اسم «فيفا فوروارد إنتربرايز»، أو FIFA Forward Enterprise – FFE، وكان مخططًا أن تُنقل إليها الأنشطة التجارية والتشغيلية الخاصة ببطولات الاتحاد الدولي.
وتشمل هذه الأنشطة، وفق ما كشفت عنه وسائل إعلام دولية، حقوق البث والرعاية والإعلانات والتذاكر والضيافة والترخيص التجاري، إضافة إلى عمليات تنظيم البطولات وتسويقها.
وبخلاف الانطباع الشائع بأن «فيفا» كان يعتزم بيع 20% من كأس العالم نفسه، فإن الصيغة الأدق هي أن الاتحاد كان يخطط لإنشاء شركة تضم الحقوق والأنشطة التجارية والتشغيلية لبطولاته، ثم بيع حصة تصل إلى 20% من هذه الشركة إلى مستثمرين خارجيين.
قُدرت قيمة الكيان الجديد بنحو 20 مليار دولار، وكان من المنتظر أن يدر بيع حصة الأقلية ما يصل إلى 4.2 مليارات دولار. وعمل بنك «جي بي مورغان» مستشارًا للصفقة، بينما برزت شركة Thrive Eternal، المرتبطة بالمستثمر الأميركي جوشوا كوشنر، باعتبارها جهة مرشحة لقيادة مجموعة المستثمرين.
وكان «فيفا» سيحتفظ بحصة الأغلبية والسيطرة الرسمية على الشركة، مؤكدًا أن المستثمرين لن يحصلوا على سلطة في إدارة اللعبة أو تغيير قواعدها. لكن المعترضين رأوا أن إدخال مساهمين خارجيين سيخلق، بالضرورة، التزامًا دائمًا بتحقيق الأرباح وتعظيم العائد على الاستثمار.
مليارات مقابل أصوات الاتحادات
روّج إنفانتينو للمشروع من بوابة دعم كرة القدم في الدول الصغيرة والنامية، وهي القاعدة الانتخابية الأوسع داخل الجمعية العمومية لـ«فيفا».
وأوضح الاتحاد الدولي أن الخطة ستسمح بزيادة مخصصات برنامج «فيفا فوروارد» لكل اتحاد وطني من ثمانية ملايين دولار في الدورة الحالية، إلى 20 مليون دولار خلال الفترة من 2027 إلى 2030، بصرف النظر عن موقف الاتحاد من المشروع.
كما تضمنت الخطة برنامجًا إضافيًا اختياريًا يتيح لكل اتحاد الحصول على 20 مليون دولار أخرى، تمول من الاستثمار الخارجي إذا تأسست الشركة الجديدة. وبذلك كان من الممكن أن تصل المخصصات المحتملة لبعض الاتحادات إلى نحو 40 مليون دولار، مع وعود بتوزيع أكثر من عشرة مليارات دولار على الاتحادات الأعضاء خلال مراحل المشروع.
ودافع «فيفا» عن هذه الزيادة باعتبارها وسيلة لتمويل الملاعب ومراكز التدريب وكرة القدم النسائية والناشئين وبرامج المدربين والحكام في الدول التي لا تمتلك موارد تجارية كبيرة. وقال إن الهدف هو توزيع النجاح المالي لكأس العالم بصورة أكثر عدالة بين أعضائه البالغ عددهم 211 اتحادًا. بيان «فيفا» بشأن المشروع
لكن خصوم إنفانتينو رأوا في العرض محاولة لاستخدام الأموال الاستثمارية لحشد أصوات الاتحادات الصغيرة، وربط مستقبل تمويلها بالموافقة على تغيير طويل الأمد في البنية التجارية للاتحاد.
لماذا انفجرت المعارضة؟
لم يكن الاعتراض على قيمة الصفقة وحدها، بل على الطريقة التي أُعدت بها. فقد قالت اتحادات قارية ومسؤولون داخل «فيفا» إنهم عرفوا تفاصيل المشروع من وسائل الإعلام، بعدما وصل إلى مرحلة متقدمة من دون مشاورات مؤسسية كافية.
وعقد الاتحاد الأوروبي لكرة القدم اجتماعًا طارئًا بمشاركة اتحادات القارة الـ55، انتهى إلى رفض المشروع بالإجماع والتهديد بعدم المشاركة في مسابقات «فيفا» إذا مضى في تنفيذه.
وجاء في البيان الأوروبي أن كأس العالم ليست منتجًا استثماريًا، وأن نقل أي حصة من بطولات الاتحاد الدولي إلى مستثمرين سيجعل العائد التجاري عاملًا حاضرًا في القرارات المتعلقة بروزنامة المباريات وأشكال البطولات ومستقبل اللعبة.
كما اتهم البيان قيادة «فيفا» بإعداد مشروع بالغ الأهمية في السر، ومن دون تشاور حقيقي مع الجهات المعنية، معتبرًا ذلك إخفاقًا في الحوكمة وليس مجرد خلاف حول نموذج مالي. بيان الاتحاد الأوروبي واتحاداته الـ55
وانضمت إلى المعارضة اتحادات من خارج أوروبا، أبرزها الاتحاد الآسيوي واتحاد أميركا الشمالية والوسطى والكاريبي «كونكاكاف»، اللذان أبديا استياءهما من غياب التشاور المسبق.
ورحب رئيس الاتحاد الآسيوي الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة لاحقًا بسحب المشروع، مشددًا على ضرورة اعتماد الشفافية والحوار مع الاتحادات القارية ومجلس «فيفا» قبل اتخاذ قرارات تمس مستقبل اللعبة.
مخاوف من تغيير شكل كرة القدم
كشفت تقارير صحفية عن عرض تجاري من 25 صفحة أُعد للمشروع، تضمن تصورات لزيادة عدد البطولات والفعاليات التي يديرها «فيفا»، والتوسع في الاشتراكات الرقمية ومنصات البث، واستخدام أدوات التمويل والديون لتحقيق نمو أكبر في الإيرادات.
وبحسب الغارديان، تحدث العرض عن إمكانية زيادة عدد البطولات والفعاليات المرتبطة بـ«فيفا» من نحو 200 إلى 450 حدثًا سنويًا، إلى جانب رفع كفاءة بيع التذاكر والحقوق الرقمية. كما لاحظت الصحيفة أن كرة القدم النسائية لم تحظَ إلا بحضور محدود للغاية في وثائق المشروع، رغم استخدامها ضمن الخطاب الرسمي لتبرير الحاجة إلى التمويل الإضافي. الغارديان
وأثارت هذه التفاصيل مخاوف من أن يؤدي دخول رأس المال الخاص إلى زيادة عدد البطولات والمباريات، في وقت يشكو فيه اللاعبون والأندية أصلًا من ازدحام الجدول وتزايد الإصابات وضغوط السفر.
فالمستثمر الذي يدفع مليارات الدولارات لا يدخل عادةً من أجل دعم اللعبة فقط، بل للحصول على عائد مالي. ومن ثم، قد يضغط بصورة مباشرة أو غير مباشرة من أجل زيادة المباريات وأسعار التذاكر والبطولات المدفوعة والاشتراكات الرقمية.
ولا توجد أدلة على أن المستثمرين كانوا سيحصلون تلقائيًا على سلطة تقريرية في القضايا الرياضية، خصوصًا أن «فيفا» أكد احتفاظه بالسيطرة. لكن وجود مساهمين تجاريين كان سيخلق علاقة جديدة بين الجهة المنظمة للبطولات وأطراف خارجية لديها مطالب مالية منتظمة.
تمرد من داخل «فيفا»
لم تقتصر المعارضة على الاتحادات القارية، بل وصلت إلى الدائرة المقربة من إنفانتينو.
فقد استقال كارلوس كورديرو، المستشار البارز لرئيس «فيفا» والرئيس السابق للاتحاد الأميركي، احتجاجًا على المشروع، داعيًا إلى رفضه. كما وجّه مسؤول العمليات في الاتحاد، كيفن لامور، انتقادات إلى طريقة إدارة الملف وغياب التشاور الداخلي.
ووفق تقارير فايننشال تايمز ووول ستريت جورنال، رأى منتقدون داخل المؤسسة أن المشروع ارتبط بصورة مباشرة بإنفانتينو وعدد محدود من مستشاريه، وأن موظفين ومسؤولين كبارًا لم يتلقوا معلومات كافية عن تفاصيله.
وكان لهذا الانقسام الداخلي أثر بالغ؛ فالاعتراض لم يعد صراعًا بين «فيفا» و«يويفا»، يمكن تفسيره في إطار التنافس التقليدي على النفوذ والإيرادات، بل أصبح أزمة ثقة داخل المؤسسة نفسها. فايننشال تايمز
تهديد المقاطعة غيّر المعادلة
كانت ورقة المقاطعة الأوروبية العامل الأكثر حسمًا في إسقاط المشروع. فغياب المنتخبات الأوروبية الكبرى عن كأس العالم أو البطولات التابعة لـ«فيفا» كان سيؤدي إلى خسائر هائلة في قيمة حقوق البث والرعاية والتذاكر.
ومن المفارقات أن التهديد بالمقاطعة أصاب جوهر الخطة نفسها: فلا يمكن بيع حصة في كيان بقيمة 20 مليار دولار إذا كان المنتج الأساسي، أي كأس العالم، مهددًا بفقدان أهم المنتخبات والأسواق والمشاهدين.
كما أن اجتماع أصوات أوروبا وآسيا و«كونكاكاف» كان كفيلًا بتقليص فرص حصول المشروع على أغلبية الاتحادات الأعضاء. وقد سبق لـ«فيفا» أن أكد أن الشركة لن تُنشأ إذا لم تحصل على تأييد الأغلبية.
وبعدما كانت الخطة تُقدّم باعتبارها مسارًا شبه محسوم، أعلن إنفانتينو التراجع عنها، مقرًا بأنها أحدثت انقسامات لا يمكن تجاهلها، وأن الحفاظ على وحدة أسرة كرة القدم أصبح أولوية. رويترز
هل كان المشروع كله سلبيًا؟
رغم قوة الاعتراضات، فإن المشروع طرح مشكلة حقيقية تتعلق بالفجوة المالية بين اتحادات كرة القدم.
فالاتحادات الكبيرة تستطيع الحصول على مئات الملايين من حقوق البث والرعاية والمسابقات المحلية، بينما تعتمد اتحادات صغيرة بصورة شبه كاملة على مخصصات «فيفا» لإقامة البطولات وصيانة الملاعب وتطوير منتخبات الشباب والنساء.
ومن هذه الزاوية، يمكن تفهم مساعي الاتحاد الدولي لتعظيم عائداته التجارية وإعادة توزيعها عالميًا. كما أن احتفاظ «فيفا» بنسبة 80% من الشركة المقترحة كان سيبقي السيطرة الرسمية لديه، على الأقل من الناحية القانونية.
لكن المشكلة لم تكن في البحث عن موارد إضافية، بل في غياب الإجابات الواضحة عن أسئلة أساسية: من هم المستثمرون؟ وما الضمانات التي تمنع تأثيرهم في القرارات الرياضية؟ وما مدة استثمارهم؟ وكيف ستُوزع الأرباح؟ ومن يتحمل المخاطر والديون؟ وهل ستخضع الشركة الجديدة لمستوى الرقابة نفسه المفروض على «فيفا»؟
كان تقديم هذه الإجابات قبل إطلاق المشروع، وإخضاعه لنقاش علني ومستقل، كفيلًا بتقليل كثير من المخاوف. أما محاولة تمرير تغيير بهذا الحجم في وقت قصير، فقد جعلت الشكوك تطغى على الفوائد المحتملة.
شبح «السوبر ليغ» يعود من جديد
أعاد الجدل إلى الأذهان مشروع دوري السوبر الأوروبي عام 2021، الذي انهار سريعًا أمام رفض المشجعين والاتحادات والحكومات.
ويختلف المشروعان من الناحية القانونية والتنظيمية، لكنهما يشتركان في نقطة مركزية: اتخاذ قرارات اقتصادية مصيرية تمس هوية كرة القدم من دون مشاركة كافية من الجماهير واللاعبين والأندية والاتحادات.
وفي الحالتين، لم يكن الرفض موجهًا ضد تحقيق الأرباح في حد ذاته، فصناعة كرة القدم أصبحت بالفعل سوقًا بمليارات الدولارات، بل ضد نقل مزيد من السيطرة إلى جهات مالية لا تقوم شرعيتها على تمثيل اللعبة أو جماهيرها.
ضربة سياسية لإنفانتينو
كان إنفانتينو يُنظر إليه قبل هذه الأزمة باعتباره من أكثر رؤساء المؤسسات الرياضية قدرة على بناء التحالفات. فقد اعتمد منذ وصوله إلى المنصب على زيادة المخصصات المالية للاتحادات، وتوسيع البطولات وعدد المشاركين، وتعزيز علاقاته مع قادة الدول والاتحادات الصغيرة.
لكن أزمة الشركة التجارية كشفت حدود هذا النموذج. فالتوسع المستمر ورفع الإيرادات لا يكفيان عندما يشعر الحلفاء بأنهم مستبعدون من صناعة القرار.
وتشير تقارير دولية إلى أن اتحادات ومسؤولين بدأوا مناقشة البحث عن منافس لإنفانتينو في انتخابات رئاسة «فيفا» المقررة عام 2027 في الرباط. ولم تظهر حتى الآن خريطة نهائية للمرشحين، كما لا يزال إنفانتينو يمتلك نفوذًا واسعًا، خصوصًا بين الاتحادات المستفيدة من برامج الدعم.
ومع ذلك، تحولت صورته من رئيس قادر على تمرير مشروعاته بسهولة إلى مسؤول اضطر إلى التراجع أمام تمرد عالمي ورفض داخل مؤسسته. ولهذا وصفت فايننشال تايمز والغارديان الأزمة بأنها «الأسبوع الذي هز عالم كرة القدم». الغارديان
الأزمة لم تنتهِ بإلغاء الخطة
التراجع عن المشروع يمثل انتصارًا مؤقتًا للاتحادات المعارضة، لكنه لا يحسم الصراع حول مستقبل اقتصاد كرة القدم.
فـ«فيفا» سيظل يبحث عن طرق لاستثمار النجاح المالي غير المسبوق لكأس العالم، كما ستبقى شركات الاستثمار وصناديق رأس المال الخاص مهتمة بالأصول الرياضية القادرة على توليد عوائد ضخمة ومستقرة.
وقد تعود الفكرة بصيغة مختلفة: شراكات محددة في البث الرقمي، أو إنشاء شركة تجارية مملوكة بالكامل لـ«فيفا»، أو طرح سندات وتمويلات من دون بيع حصص ملكية، أو إقامة مشروعات مشتركة لا تشمل الحقوق الأساسية لكأس العالم.
لكن تمرير أي صيغة جديدة سيتطلب تقديم تفاصيل كاملة منذ البداية، وإشراك الاتحادات القارية والوطنية، ووضع قيود تمنع تأثير المستثمرين في شكل البطولات والجدول الرياضي وأسعار التذاكر.
كرة القدم بين السوق والأمانة العامة
أظهرت الأزمة أن كأس العالم لم تعد مجرد بطولة رياضية، بل أصل اقتصادي وسياسي وثقافي تتنافس على عوائده الحكومات والشركات والاتحادات والمنصات الإعلامية.
لكن القيمة المالية الهائلة للبطولة لا تلغي حقيقة أن «فيفا» لا يمتلك كأس العالم بالطريقة التي تمتلك بها شركة خاصة منتجًا تجاريًا. الاتحاد يتولى إدارة البطولة نيابة عن أعضائه، ويستمد شرعيته من اتحادات الدول ومن جماهير اللعبة.
ولهذا لم يكن السؤال الحقيقي خلال الأسبوع الذي هز كرة القدم هو ما إذا كانت الشركة الجديدة ستجمع 4.2 مليارات دولار، بل ما إذا كان البحث عن هذا المبلغ يستحق تغيير العلاقة بين اللعبة والجهة التي تديرها.
لقد سقطت الخطة، لكن الإنذار بقي قائمًا: عندما تصبح كرة القدم منتجًا استثماريًا خالصًا، قد لا تكون المشكلة في مقدار الأموال التي تدخل إليها، بل في الطرف الذي يحصل تدريجيًا على حق تحديد مستقبلها.



