
بعد قرابة قرن من البحث عن المادة التي تشكل معظم كتلة الكون، تجربة «LUX-ZEPLIN» تسجل حدثًا لا يستطيع العلماء تفسيره حتى الآن.. لكن إعلان الاكتشاف لا يزال مبكرًا
أبوبكر إبراهيم أوغلو – مراسلين
على عمق يقارب الميل تحت سطح الأرض، داخل منشأة بحثية أقيمت في منجم سابق بولاية ساوث داكوتا الأميركية، سجل أحد أكثر أجهزة الفيزياء حساسية في العالم إشارة صغيرة للغاية قد تحمل إجابة عن واحد من أكبر ألغاز الكون.
العلماء لا يقولون إنهم اكتشفوا المادة المظلمة.
لكنهم يقولون شيئًا أكثر حذرًا وإثارة في الوقت ذاته: لقد سجلوا تفاعل جسيم واحد لا يستطيعون حتى الآن تفسيره بواسطة المصادر المعروفة للمادة العادية، ويتوافق مع ما قد يبدو عليه اصطدام جسيم من المادة المظلمة داخل الكاشف.
وأعلنت تجربة LUX-ZEPLIN، أو LZ، النتائج الجديدة في الأول من سبتمبر/أيلول 2026 خلال مؤتمر فيزياء الجسيمات الفلكية TeVPA في اليابان، قبل إتاحتها للمجتمع العلمي لمزيد من التدقيق ومراجعتها للنشر العلمي.
ما المادة المظلمة؟
كل النجوم والكواكب والغازات والأجسام التي نستطيع رؤيتها لا تمثل سوى جزء من مادة الكون.
وتشير الأدلة الفلكية إلى أن نحو 85% من كتلة المادة في الكون تتكون من شيء غير مرئي أطلق عليه العلماء «المادة المظلمة».
لا تصدر هذه المادة ضوءًا ولا تعكسه، ولذلك لا يمكن رؤيتها بالتلسكوبات بالطريقة التقليدية.
لكن العلماء يعرفون أن شيئًا ما موجود؛ لأن حركة النجوم والمجرات وتأثيرات الجاذبية في الكون لا يمكن تفسيرها بالمادة التي نستطيع رؤيتها وحدها.
بعبارة أبسط: نرى تأثير المادة المظلمة، لكننا لم نر المادة نفسها.
وطوال عقود، حاول الفيزيائيون معرفة ماهية هذا المكون الغامض.
مصيدة تحتوي على أطنان من الزينون
لهذا الغرض بُني كاشف LUX-ZEPLIN.
ويقع الجهاز على عمق يقارب ميلًا تحت الأرض داخل Sanford Underground Research Facility في ولاية ساوث داكوتا.
اختيار هذا العمق ليس مصادفة.
فالطبقات الصخرية الهائلة فوق المختبر تعمل كدرع طبيعي يحمي الجهاز من الأشعة الكونية والجسيمات الأخرى التي تصل باستمرار إلى سطح الأرض، والتي يمكن أن تنتج إشارات تشبه تلك التي يبحث عنها العلماء.
وفي قلب التجربة توجد أطنان من الزينون السائل شديد النقاء.
الفكرة تبدو بسيطة نظريًا وشديدة التعقيد عمليًا:
إذا مر جسيم من المادة المظلمة عبر الكاشف واصطدم بنواة ذرة زينون، فقد يؤدي الاصطدام إلى ارتداد النواة وإنتاج ومضات وإشارات كهربائية دقيقة جدًا يمكن للأجهزة التقاطها.
لكن المشكلة أن مثل هذه الأحداث، إذا كانت موجودة أصلًا، نادرة إلى درجة هائلة.
ثم حدث شيء غير معتاد
بعد تحليل بيانات تعادل 2.84 طن-سنة من التعرض، عثر الفريق على حدث واحد أثار اهتمام الباحثين.
سجل الكاشف ارتدادًا نوويًا بطاقة تقدر بنحو 248 كيلو إلكترون فولت، مع هوامش عدم يقين إحصائية ومنهجية.
هذه الإشارة ظهرت في منطقة من نطاق القياس يتوقع العلماء أن تكون فيها الخلفية الناتجة عن العمليات الفيزيائية المعروفة منخفضة للغاية.
والأكثر إثارة أن الباحثين أخضعوا الحدث لسلسلة من الاختبارات لمعرفة ما إذا كان سببه إشعاعًا أو نيوترونات أو خللًا في الجهاز أو نوعًا آخر من «الضوضاء» التجريبية.
وحتى الآن لم يظهر تفسير مقنع.
وقال الفيزيائي في مختبر بيركلي آرون مانالايساي إن الأحداث الشاذة تظهر من وقت إلى آخر في البيانات، لكنها عادة ما تكشف عند التدقيق أنها ناجمة عن أحد مصادر الخلفية المعروفة.
وأضاف أن هذه هي المرة الأولى في التجارب التي عمل عليها التي يرى فيها حدثًا شاذًا يبدو صالحًا من مختلف الزوايا، مشددًا في الوقت ذاته على أن الباحثين لا يزالون يبحثون عن أي آلية نادرة ربما فاتتهم.
هل يمكن أن يكون جسيم WIMP؟
أحد أبرز المرشحين النظريين لتكوين المادة المظلمة يعرف باسم:
Weakly Interacting Massive Particle – WIMP
أي «الجسيم الضخم ضعيف التفاعل».
الفكرة هي وجود جسيمات لها كتلة لكنها نادرًا ما تتفاعل مع المادة العادية، ما يساعد في تفسير سبب مرور المادة المظلمة عبر الكون دون أن نتمكن من رؤيتها.
وتجربة LZ مصممة أساسًا للبحث عن هذه الجسيمات.
ويقول الفريق إن الحدث المسجل يتوافق مع نوع من التفاعل يمكن أن ينتجه جسيم WIMP.
لكن «يتوافق» هنا لا تعني «يثبت».
وهذا فارق أساسي في قراءة النتيجة.
لماذا لا يقول العلماء: اكتشفنا المادة المظلمة؟
لأن الفيزياء الحديثة تفرض معيارًا إحصائيًا مرتفعًا جدًا قبل إعلان اكتشاف من هذا النوع.
بلغت الدلالة الإحصائية العالمية للحدث نحو 2.6 سيغما، بينما وصلت أعلى دلالة محلية في النماذج التي اختبرها الباحثون إلى 3.4 سيغما.
أما المستوى المتعارف عليه عادة لإعلان اكتشاف حاسم في فيزياء الجسيمات فهو 5 سيغما.
أي أن احتمال أن تكون الإشارة مجرد تقلب إحصائي أو ناتجة عن ظاهرة أخرى لا يزال أكبر من أن يسمح للعلماء بإعلان العثور على المادة المظلمة.
وهنا تكمن أهمية الحذر في العنوان العلمي للقصة:
ما جرى ليس اكتشافًا للمادة المظلمة حتى الآن، وإنما أقوى إشارة مثيرة سجلتها تجربة LZ باتجاه احتمال رصدها.
جسيم واحد فقط
قد يبدو غريبًا أن يثير جسيم واحد كل هذا الاهتمام.
لكن في تجارب فيزياء الجسيمات، لا تتحدد أهمية الحدث بعدده وحده.
إذا كان الجهاز قادرًا على استبعاد معظم المصادر الأخرى التي يمكن أن تنتج الإشارة نفسها، فإن حدثًا واحدًا في مكان من البيانات يفترض أن يكون شبه خالٍ من الخلفيات قد يصبح شديد الأهمية.
وهذا تحديدًا ما يجعل الإشارة الجديدة مثيرة للباحثين.
ويشارك في تجربة LZ نحو 250 عالمًا ومهندسًا من 39 مؤسسة علمية في ست دول، ويديرها مختبر لورانس بيركلي الوطني التابع لوزارة الطاقة الأميركية.
لماذا المختبر تحت الأرض؟
العثور على المادة المظلمة يشبه محاولة سماع همسة شديدة الخفوت وسط ضجيج هائل.
على سطح الأرض، تضرب الأشعة الكونية الغلاف الجوي باستمرار، وتنتج جسيمات يمكن أن تدخل الأجهزة الحساسة وتولد إشارات مضللة.
لذلك وضع العلماء LZ عميقًا تحت الأرض.
وفوق الكاشف قرابة ميل من الصخور، إضافة إلى خزانات وأنظمة حماية خارجية تساعد على التعرف إلى النيوترونات والإشعاعات التي يمكن أن تقلد الإشارة المتوقعة للمادة المظلمة.
ثم تأتي برامج تحليل البيانات لتستبعد أحداثًا أخرى واحدة تلو الأخرى.
وهذه التكنولوجيا هي التي تجعل الباحثين يأخذون الحدث الجديد على محمل الجد: فالكاشف ليس مجرد وعاء ينتظر جسيمًا غامضًا، وإنما منظومة شديدة الحساسية صُممت لتعرف أيضًا ما الذي لا يمثل مادة مظلمة.
ماذا يحدث الآن؟
الإجابة العلمية لن تأتي من تحليل الحدث نفسه إلى ما لا نهاية، وإنما من الحصول على مزيد من البيانات.
تجربة LZ مستمرة في العمل.
إذا ظهرت أحداث إضافية تحمل الخصائص نفسها، فإن القوة الإحصائية للنتيجة ستزداد، وقد يبدأ العلماء في بناء حالة أكثر قوة لوجود جسيم جديد.
أما إذا استمر الكاشف لفترة طويلة دون أن يسجل إشارات مماثلة، فقد تصبح فرضية المادة المظلمة أضعف، ويبحث الفيزيائيون بصورة أكبر عن تفسير آخر للحدث.
ولهذا يقول الباحث الرئيسي في الدراسة، سام إريكسن من جامعة بريستول، إن ما شاهده الفريق يمكن أن يكون «الخطوة الأولى» نحو فهم المادة المظلمة بوصفها جسيمًا، لكنه لا يقدم النتيجة باعتبارها اكتشافًا نهائيًا.
ماذا لو تأكد الاكتشاف؟
إذا أثبتت البيانات اللاحقة أن الإشارة ناجمة بالفعل عن جسيم من المادة المظلمة، فلن يكون الأمر مجرد إضافة جسيم جديد إلى كتب الفيزياء.
سيعني ذلك أن البشر تمكنوا للمرة الأولى من رصد مباشر للمادة التي تمثل معظم كتلة المادة في الكون.
وقد يساعد ذلك في الإجابة عن أسئلة ظلت مفتوحة لعقود:
ما المادة المظلمة تحديدًا؟
ما كتلة جسيماتها؟
كيف تتفاعل مع المادة الطبيعية؟
ولماذا يوجد منها في الكون أكثر بكثير من المادة التي تكون النجوم والكواكب والبشر؟
كما يمكن أن يدفع الاكتشاف الفيزياء إلى ما وراء النموذج القياسي لفيزياء الجسيمات، الذي يصف الجسيمات والقوى المعروفة بدقة كبيرة لكنه لا يقدم حتى الآن تفسيرًا مكتملًا للمادة المظلمة.
بين الإثارة والحذر
تاريخ البحث العلمي مليء بإشارات مثيرة بدت في البداية وكأنها اكتشافات كبرى ثم اختفت مع تراكم البيانات.
ولهذا تبدو لغة العلماء في تجربة LZ متعمدة في حذرها.
فجامعة بريستول تصف النتيجة بأنها «تلميح محتمل»، ووزارة الطاقة الأميركية تقول إن الباحثين يحتاجون إلى مزيد من البيانات، فيما يشدد القائمون على التجربة على أنهم ما زالوا يبحثون عن أي تفسير معروف يمكن أن يكون قد أنتج الحدث.
لكن حتى مع كل هذه التحفظات، تظل الإشارة استثنائية بما يكفي لجذب انتباه مجتمع الفيزياء العالمي.
فبعد نحو قرن من الاستدلال على وجود المادة المظلمة من خلال تأثير الجاذبية، ربما يكون العلماء قد سجلوا هذه المرة شيئًا مختلفًا:
ليس أثر المادة المظلمة في حركة مجرة بعيدة، وإنما احتمال اصطدام جسيم منها بذرة على الأرض.
وسيتحدد خلال السنوات والبيانات المقبلة ما إذا كانت تلك الومضة الصغيرة التي التقطها جهاز على عمق ميل تحت الأرض مجرد حدث نادر لم نفهمه بعد، أم أنها كانت اللحظة الأولى التي بدأت فيها المادة المظلمة تكشف هويتها للبشر.




