تسريب «سر الصواريخ» يهز البنتاغون.. 50 ضابطًا وموظفًا أمام جهاز كشف الكذب

واشنطن تبحث عن مصدر كشف استنزاف مخزونها خلال حرب إيران.. والأزمة تتجاوز التسريب إلى جاهزية الجيش الأميركي لحروب أخرى
أبوبكر إبراهيم أوغلو – مراسلين
فتح البنتاغون حملة بحث واسعة عن مصدر تسريبات كشفت واحدة من أكثر نقاط الضعف العسكرية الأميركية حساسية خلال الحرب مع إيران، بعدما ظهرت معلومات تفيد بتراجع حاد في مخزونات الصواريخ الاعتراضية والأسلحة بعيدة المدى التي تعتمد عليها الولايات المتحدة في الدفاع عن قواتها وحلفائها وخوض حروب محتملة في مناطق أخرى من العالم.
وبحسب تقرير أوردته صحيفة «معاريف» الإسرائيلية نقلًا عن تقارير أميركية، أخضع محققون حكوميون نحو 50 ضابطًا وموظفًا يعملون في هيئة الأركان المشتركة الأميركية لاختبارات جهاز كشف الكذب «البوليغراف»، في محاولة لمعرفة من سرّب معلومات مصنفة إلى وسائل الإعلام حول حالة مخزون الذخائر الأميركية بعد شهور من القتال مع إيران.
الاختبارات، التي أجريت خلال أغسطس/آب، لم تكن تحقيقًا روتينيًا؛ فقد تركزت الأسئلة على ما إذا كان الأشخاص الذين خضعوا لها قد تحدثوا مع صحفيين أو نقلوا إليهم معلومات سرية، وبشكل خاص معلومات تتعلق بتراجع مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ والاعتراضات الدفاعية.
وتشير تقارير أميركية إلى أن هيئة الأركان المشتركة تضم ما بين 1500 وألفي ضابط ومسؤول وموظف، ما يعني أن دائرة الاختبارات شملت مجموعة محددة يفترض أن لديها إمكانية الوصول إلى المعلومات التي يجري التحقيق في تسريبها.
وقال المتحدث باسم البنتاغون شون بارنيل إن الوزارة لا تعلق على القضايا الداخلية المتعلقة بالأفراد أو التحقيقات الجارية، لكنه أكد أنها تتعامل بجدية شديدة مع أي تسريب للمعلومات السرية التي تمس الأمن القومي، معتبرًا أن حماية هذه المعلومات ضرورية لأمن الولايات المتحدة والقوات الأميركية المنتشرة في الخارج.
ماذا كان «السر» الذي خرج من البنتاغون؟
القضية لا تتعلق بخطة هجوم واحدة أو هدف عسكري محدد.
ما يحاول البنتاغون معرفة مصدر تسريبه هو الحجم الحقيقي لما تبقى في الترسانة الأميركية بعد الحرب مع إيران.
ومنذ يوليو/تموز وأغسطس/آب، توالت تقارير أميركية كشفت أن استخدام الصواريخ خلال الحرب كان أسرع بكثير من قدرة المصانع الأميركية على تعويضها.
وذكرت «رويترز» في 4 أغسطس/آب، نقلًا عن مصادر مطلعة على بيانات المخزونات، أن الولايات المتحدة استخدمت «تقريبًا كل» ما لديها من بعض أنواع الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، وبصورة خاصة صواريخ ATACMS وصواريخ Precision Strike Missile – PrSM التابعة للجيش الأميركي.
ولم تكن المشكلة مقتصرة على الأسلحة الهجومية.
فالأكثر حساسية بالنسبة للقيادة الأميركية هو استنزاف الصواريخ المستخدمة في الدفاع الجوي واعتراض الصواريخ الباليستية الإيرانية، وعلى رأسها منظومتا Patriot وTHAAD.
باتريوت وثاد.. الأرقام المقلقة
قدّم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS تقديرات علنية تشير إلى أن المخزون الأميركي من صواريخ باتريوت الاعتراضية انخفض إلى أقل من ألف صاروخ، بينما وصل مخزون اعتراضات THAAD إلى نحو 250 صاروخًا تقريبًا بعد الاستخدام المكثف خلال العمليات.
ووفق تحليل آخر للمركز نقلته وسائل إعلام أميركية، ربما تكون الولايات المتحدة قد استهلكت نحو 65% من مخزونها السابق للحرب من صواريخ باتريوت، بينما انخفض مخزون THAAD بصورة كبيرة كذلك.
وقال مسؤول أميركي لشبكة ABC News في أغسطس/آب إن مخزوني باتريوت وثاد أصبحا عند مستويات «منخفضة للغاية».
الأخطر أن هذه الصواريخ ليست ذخائر يمكن تصنيع آلاف منها خلال أسابيع.
فخطوط إنتاجها معقدة، وسلاسل توريدها طويلة، وبالتالي يمكن أن تحتاج الولايات المتحدة إلى سنوات لإعادة بعض المخزونات إلى مستويات ما قبل الحرب.
ليست إيران وحدها
وهنا تكمن حساسية المعلومات التي خرجت إلى الصحافة.
فمعرفة أن الولايات المتحدة تعاني نقصًا في الصواريخ لا تفيد إيران وحدها، وإنما تمثل معلومة استراتيجية لأي خصم محتمل للولايات المتحدة.
إذا كانت واشنطن قد استنزفت قسمًا كبيرًا من مخزون باتريوت وثاد والصواريخ بعيدة المدى في الشرق الأوسط، فإن السؤال يصبح:
ما الذي يتبقى للدفاع عن أوروبا؟ وما الذي يبقى لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ في حال اندلاع أزمة مع الصين؟ وماذا يمكن إرساله إلى أوكرانيا دون إضعاف القوات الأميركية نفسها؟
وقد ظهرت بالفعل تداعيات الأزمة خارج الشرق الأوسط.
فقد أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن مخزون صواريخ باتريوت الأميركية المتاح في أوروبا وصل إلى مستوى وصفه مسؤولون بأنه «حرج للغاية»، في وقت تحتاج فيه دول الناتو وأوكرانيا إلى المزيد من أنظمة الدفاع الجوي في مواجهة روسيا.
وبذلك تحولت حرب إيران من ملف إقليمي إلى مشكلة في توزيع القوة العسكرية الأميركية عالميًا.
قادة عسكريون بدأوا التحذير
الأزمة اتخذت بعدًا أكبر عندما ظهرت تقارير تفيد بأن قادة عسكريين كبارًا داخل المؤسسة الأميركية أنفسهم بدأوا يعترضون على استمرار الانتشار العسكري المكثف في الشرق الأوسط.
وكشفت «واشنطن بوست» في 30 أغسطس/آب أن عددًا من كبار القادة العسكريين حذروا وزير الدفاع بيت هيغسيث من أن استمرار العمليات العسكرية واسعة النطاق المرتبطة بإيران يمكن أن يضعف قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع تهديدات في مناطق أخرى.
وبحسب الصحيفة، وردت التحذيرات داخل تقييم سري بتاريخ 14 أغسطس/آب، وشارك فيها قادة القوات والقيادات العسكرية المسؤولة عن مناطق تشمل أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية.
وبعد نشر هذه المعلومات، اتخذ البنتاغون خطوة أخرى لافتة.
فقد أزال عقودًا من الوثائق السرية المرتبطة بما يعرف باسم Secretary of Defense Orders Book من نظام إلكتروني عسكري داخلي تستخدمه المؤسسات الدفاعية الأميركية، في إجراء جاء بعد نشر تفاصيل عن اعتراضات كبار الضباط.
وهكذا بات التحقيق في التسريبات مرتبطًا بمسارين متوازيين:
الأول يتعلق بمخزون الصواريخ والذخائر.
والثاني يتعلق بالخلافات الداخلية بين القيادة السياسية للبنتاغون وبعض كبار القادة العسكريين حول قدرة الولايات المتحدة على مواصلة العمليات بالمستوى نفسه.
ترامب يغضب من التسريبات
المعلومات المتسربة وصلت كذلك إلى البيت الأبيض.
وأفادت تقارير أميركية بأن الرئيس دونالد ترامب غضب من نشر معلومات عن تراجع المخزون العسكري، معتبرًا أن الحديث العلني عنها يضر بالموقف الأميركي ويمنح الخصوم معلومات عن نقاط الضعف.
وفي المقابل، قلل ترامب علنًا من التقارير المتعلقة بوجود نقص حاد في الذخائر، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تمتلك مخزونات كبيرة وأن الإنتاج يجري زيادته.
لكن التحركات داخل وزارة الدفاع نفسها تشير إلى أن ملف الإنتاج أصبح أولوية.
فقد ضغط البنتاغون على شركات الصناعات الدفاعية لتقديم خطط لتسريع إنتاج الأسلحة والذخائر، وسط إدراك أن معدلات الاستهلاك في الحرب تجاوزت قدرة خطوط الإنتاج الحالية على التعويض السريع.
كما أصبح تباطؤ زيادة إنتاج الذخائر أحد الملفات التي تواجه قيادة البنتاغون، في الوقت الذي تبحث فيه الإدارة الأميركية زيادة الإنفاق الدفاعي وإعادة بناء المخزونات.
نحو 50 شخصًا على جهاز كشف الكذب
في هذا السياق جاءت عملية إخضاع نحو 50 عضوًا من هيئة الأركان المشتركة لاختبارات البوليغراف.
ووفق المعلومات المنشورة، سأل المحققون الضباط والموظفين بصورة مباشرة عما إذا كانوا قد قدموا معلومات مصنفة لصحفيين، وما إذا كانوا قد كشفوا بيانات تتعلق بانخفاض مخزون الأسلحة الأميركية.
وأفادت تقارير أخرى بأن الاختبارات لم تكشف حتى الآن بصورة حاسمة مصدر التسريب، وأن الأشخاص الذين خضعوا لها لم يظهر أنهم «فشلوا» في الأسئلة المتعلقة بالقضية، وفق ما نقلته وسائل إعلام أميركية عن مصادر مطلعة.
وهذا يعني أن السؤال الذي بدأ التحقيق من أجله لا يزال قائمًا:
من داخل المؤسسة الدفاعية الأميركية نقل المعلومات؟
ليست المرة الأولى في عهد هيغسيث
الاعتماد على البوليغراف لملاحقة التسريبات ليس جديدًا داخل وزارة الدفاع تحت قيادة بيت هيغسيث.
ففي 2025 حاول فريق وزير الدفاع استخدام اختبارات كشف الكذب في تحقيقات داخلية مرتبطة بتسريبات، قبل أن يتدخل البيت الأبيض ويوقف بعض تلك الاختبارات بعد شكاوى من مسؤولين كبار كانوا يخشون إخضاعهم لها.
كما ظهرت في العام نفسه خطة أوسع لفرض اتفاقيات عدم إفشاء واستخدام اختبارات بوليغراف عشوائية داخل مكتب وزير الدفاع وهيئة الأركان المشتركة، في إطار سياسة أكثر تشددًا تجاه تسريب المعلومات.
لذلك فإن التحقيق الحالي لا يمكن فصله عن أزمة ثقة متزايدة داخل البنتاغون بين القيادة السياسية والدوائر العسكرية والإدارية التي تتعامل مع المعلومات السرية.
لماذا يخشى البنتاغون هذه المعلومات تحديدًا؟
في أي حرب، لا تتعلق قيمة مخزون السلاح بعدد الصواريخ فقط، وإنما بما يعرفه الخصم عن هذا المخزون.
إذا عرف الخصم أن عدد الصواريخ الاعتراضية محدود، يمكنه تعديل طريقة هجماته.
فقد يزيد عدد الصواريخ المستخدمة في الهجوم الواحد لإجبار الدفاعات على استهلاك المزيد من الاعتراضات، أو يغير توقيت الهجمات، أو يركز على مواقع معينة، أو ينتظر حتى تتراجع الاحتياطيات بدرجة أكبر.
ولهذا تعامل المؤسسة العسكرية الأميركية بيانات المخزونات التفصيلية باعتبارها معلومات شديدة الحساسية.
كما أن الكشف عن نقص الأسلحة قد يؤثر في قوة الردع الأميركية نفسها.
فالردع لا يقوم فقط على امتلاك السلاح، وإنما على اعتقاد الخصوم بأن الولايات المتحدة قادرة على استخدام قوة عسكرية كبيرة ومتواصلة إذا اقتضى الأمر.
وعندما تظهر تقارير تقول إن الحرب القائمة استهلكت معظم بعض أنواع الأسلحة، فإن هذا الاعتقاد يبدأ في التراجع.
المشكلة الأكبر من «من سرّب؟»
وراء حملة البنتاغون للعثور على المسرب سؤال أكبر بكثير من هوية الشخص الذي تحدث إلى الصحافة.
فالبيانات المتاحة من مصادر متعددة، وبينها تقديرات بحثية مستقلة وتقارير لوكالات أنباء أميركية ودولية، تشير إلى وجود ضغط حقيقي على مخزون عدد من الأسلحة الأميركية المتطورة، حتى إذا ظلت الأرقام الدقيقة مصنفة وسرية.
المشكلة إذن ليست فقط أن «أحدهم فتح فمه»، بحسب التعبير الذي استخدمته «معاريف».
المشكلة أن ما خرج من البنتاغون كشف نقطة ضعف استراتيجية يصعب حلها باعتقال مسرب أو إخضاع عشرات الضباط لأجهزة كشف الكذب.
فإعادة بناء مخزون باتريوت وثاد والصواريخ بعيدة المدى تحتاج خطوط إنتاج ومليارات الدولارات ووقتًا قد يمتد لسنوات.
ومع استمرار الحرب مع إيران، وبقاء الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد المنافسة العسكرية مع الصين، تواجه واشنطن معادلة أكثر تعقيدًا:
كيف تدير ثلاث ساحات استراتيجية في الوقت نفسه بترسانة تُستهلك أسرع مما تستطيع مصانعها إعادة إنتاجه؟
ولهذا قد يكون السر الذي يبحث البنتاغون عمن سرّبه أقل أهمية من الحقيقة التي كشف عنها ذلك التسريب: الحرب مع إيران لا تستنزف فقط القوة الأميركية في الشرق الأوسط، بل بدأت تفرض أثمانًا على قدرة الولايات المتحدة العسكرية في بقية العالم.




