تقارير و تحقيقات

ويحصدون الملايين: لماذا أصبح يوم الآخرين العادي ترندًا؟

من القهوة إلى المكتب ثم الجيم، مقاطع “يوم في حياتي” تحقق ملايين المشاهدات. هذا المحتوى العادي تحول إلى صناعة بمليارات الدولارات، يقودها صغار المؤثرين الذين يمنحون المتابعين ما يفتقدونه: الأصالة.

في عالم مشبع بالمحتوى المصقول والمثالي، برز اتجاه معاكس بقوة: مشاهدة حياة شخص غريب وهو لا يفعل شيئًا استثنائيًا. الطريق إلى العمل، الجلوس خلف الكمبيوتر، تناول الغداء، احتساء القهوة، ثم العودة إلى المنزل. هذه التفاصيل اليومية العادية أصبحت جوهر صيحة “Day in my life” التي تتصدر منصات التواصل الاجتماعي.

لماذا نتابع حياة الآخرين العادية؟

الإجابة تكمن في سيكولوجية المشاهد. تشير دراسات أكاديمية إلى أن مشاهدة محتوى الحياة اليومية، وخصوصًا الذي يظهر أشخاصًا عاديين بدل المشاهير، تحفز مشاعر التعاطف والحضور الاجتماعي لدى المشاهدين، وتشجع على التأمل الذاتي والتمكين النفسي .

ببساطة، نشاهد لأننا نبحث عن تواصل حقيقي في زمن تزداد فيه الوحدة الرقمية. الفضول لمعرفة كيف يعيش الآخرون، ومقارنة حياتنا بحياتهم، والشعور بأننا لسنا وحدنا في روتيننا اليومي الممل، كلها دوافع قوية تدفعنا للضغط على زر التشغيل.

هذا النوع من المحتوى يخلق ما يمكن تسميته “فجوة الفضول” . نريد أن نرى ما وراء الكواليس، أن نعرف ما يحدث في ذلك الوقت الضائع بين “9 صباحًا و5 مساءً” والذي كان غامضًا في السابق. حتى أن الشركات استوعبت ذلك، وبدأت تشجع موظفيها على صنع محتوى عن يومهم في العمل، لأن الناس يثقون في الموظف العادي أكثر من الإعلانات التقليدية .

صغار المؤثرين.. نجاح بفضل “الأصالة”

هذا التحول في اهتمام الجمهور نحو “الأصالة” غيّر قواعد اللعبة في عالم التسويق. لم تعد الشركات تعتمد فقط على المؤثرين أصحاب الملايين من المتابعين. البيانات تشير إلى أن أكثر من نصف صناع المحتوى على يوتيوب (58.3%) لديهم أقل من 100 ألف مشترك، وهذه الشريحة (المعروفة بالمؤثرين الصغار والمتناهيين الصغر) أصبحت وجهة العلامات التجارية المفضلة .

لماذا؟ لأن معدل التفاعل مع هؤلاء المؤثرين الصغار غالبًا ما يكون أعلى، وجمهورهم أكثر ولاءً وثقة بتوصياتهم . يرى المشاهدون أنفسهم في هذا الشخص العادي الذي يصور يومه، بينما أصبحت حياة المؤثرين الكبار بعيدة عن واقعهم .

الجدول التالي يوضح متوسط تكلفة المنشور الواحد للمؤثرين على يوتيوب حسب حجم الجمهور:

فئة المؤثرعدد المتابعينمتوسط السعر (دولار)
صغير (Micro)10 آلاف – 100 ألف$1,000
متوسط (Mid)100 ألف – 500 ألف$2,500
كبير (Macro)500 ألف – 1 مليون$3,500
ضخم (Mega)أكثر من مليون$8,625

*المصدر: بيانات من Influencer Advisory عن متوسط الأسعار لمنشور واحد على يوتيوب لعام 2026 *

صناعة بمليارات الدولارات

ما بدا كمجرد تسلية عابرة هو اليوم صناعة حقيقية. تُقدّر إيرادات صناع المحتوى الاجتماعي في الولايات المتحدة وحدها بحوالي 21 مليار دولار هذا العام، وفق تقديرات رويترز.

لكن نموذج الربح لا يعتمد فقط على حصص الإعلانات من المنصات. على سبيل المثال، حقق دان كوي، وهو صانع محتوى أمريكي، 150 مليون مشاهدة على مقال مطول في منصة X، لكن حصته من إعلانات المنصة كانت 4,495 دولارًا فقط . مصدر دخله الحقيقي الذي تجاوز 4 ملايين دولار في السنة يأتي من منتجاته: كتب إلكترونية، دورات، واشتراكات مدفوعة .

هذا يوضح أن المشاهدات الضخمة هي مجرد بوابة لبناء جمهور يمكن تحويله إلى عملاء يدفعون مقابل محتوى أو منتجات ذات قيمة مضافة. وفي قلب هذه الآلية، يعمل محتوى “اليوم العادي” كطعم يجذب الملايين الباحثين عن الأصالة والتواصل الإنساني، ليحوّل انتباههم إلى فرصة اقتصادية عملاقة.

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى