دنيا ودين

حين نسأل الذكاء الاصطناعي عن الحلال والحرام.. هل يمكن للآلة أن تصبح مفتيًا؟

ملايين الأسئلة أصبحت على بُعد ضغطة زر، لكن الفتوى ليست مجرد معلومة.. والمؤسسات الدينية تبدأ رسم الحدود بين «المفتي البشري» و«المساعد الآلي»

مراسلين – دنيا ودين

في السابق، كان السؤال الديني يبدأ بزيارة عالم أو الاتصال بدار للإفتاء أو البحث في كتاب. اليوم يستطيع أي شخص أن يفتح هاتفه ويكتب خلال ثوانٍ: هل هذا المال حلال؟ هل يقع الطلاق بهذه العبارة؟ كيف أقضي الصلاة؟ وما حكم هذا التصرف؟

والإجابة تأتي فورًا.

لغة مرتبة، أدلة، آيات وأحاديث، وأحيانًا عرض لاختلاف المذاهب.

لكن يبقى السؤال الأصعب:

هل كل إجابة تبدو مقنعة تصلح لأن تكون فتوى؟

السؤال لم يعد نظريًا، بعدما أصبحت تطبيقات الذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية، وبدأت المؤسسات الدينية نفسها تبحث كيف تستخدم التكنولوجيا دون أن تمنح الخوارزمية سلطة دينية لم تُصمم أساسًا لتحملها.

عندما يصبح الهاتف أقرب من المفتي

جاذبية الذكاء الاصطناعي مفهومة.

فهو متاح طوال اليوم، لا يحتاج إلى موعد، ويمكن للسائل أن يطرح عليه أسئلة قد يشعر بالحرج من طرحها على شخص آخر.

كما يستطيع إعادة شرح المسألة بلغة بسيطة، وتلخيص نصوص طويلة، والمقارنة بين آراء مختلفة في ثوانٍ.

هذه المزايا تجعل الذكاء الاصطناعي مغريًا خصوصًا للأجيال الأصغر سنًا التي اعتادت أن تبدأ رحلة البحث عن أي معلومة من شاشة الهاتف.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التطبيق من وسيلة للبحث والفهم إلى مرجع لإصدار الحكم الشرعي.

دار الإفتاء: لا تجعل التطبيق مفتيك

كانت دار الإفتاء المصرية قد أصدرت فتوى واضحة في سبتمبر/أيلول 2025 أكدت فيها أن استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي مباح من حيث الأصل، لكنها فرقت بين استخدامها كأداة وبين الاعتماد عليها في إصدار الفتوى.

وقالت الدار إنه لا يجوز الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي للحصول على الفتوى بصورة مستقلة؛ لأنها لا تمتلك المرونة البشرية اللازمة لمراعاة اختلاف أحوال الناس والأزمنة والأماكن والظروف الخاصة بكل مسألة.

وهذه النقطة تكشف الفارق بين المعلومة الدينية والفتوى.

فقد يستطيع النظام أن يخبر المستخدم مثلًا بما ورد في كتاب فقهي حول مسألة معينة، لكنه لا يعرف بالضرورة كل تفاصيل حياة السائل التي يمكن أن تغير الحكم المطبق على حالته.

فكلمة واحدة غائبة عن السؤال قد تصنع فارقًا كبيرًا.

فتوى الطلاق ليست كالسؤال عن موعد الصلاة

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يشرح معنى الزكاة أو شروط الصيام أو يعرض أقوال الفقهاء في قضية عامة.

لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكون السؤال:

«قلت لزوجتي هذه العبارة في لحظة غضب، فهل وقع الطلاق؟»

هنا لا تكفي معرفة النصوص.

قد يحتاج المفتي إلى معرفة درجة الغضب، واللفظ المستخدم، والنية، والسياق، وحالة الشخص، وأحيانًا القوانين المعمول بها في الدولة.

والأمر نفسه يمكن أن ينطبق على معاملات مالية معقدة أو الميراث أو النوازل الطبية.

وهذا ما يجعل الإفتاء في جوهره عملية فهم للإنسان والواقعة قبل البحث عن الحكم، وليس مجرد استرجاع معلومة من قاعدة بيانات.

لكن المؤسسات الدينية لا ترفض الذكاء الاصطناعي

المفارقة أن الاتجاه الجديد ليس إغلاق الباب أمام التكنولوجيا.

بل على العكس.

في «وثيقة القاهرة حول الذكاء الاصطناعي والإفتاء»، وضعت الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم تصورًا يسمح باستخدام الذكاء الاصطناعي في مراحل متعددة من العمل الإفتائي.

وتشمل الاستخدامات المقترحة جمع النصوص الشرعية، وتصنيف الفتاوى، والمقارنة بين الأقوال، ومعالجة اللغة والمساعدة في دراسة الواقع.

لكن الوثيقة تضع خطًا فاصلًا مهمًا:

الفتوى النهائية يجب أن تبقى في يد مفتٍ بشري مؤهل.

وبذلك يتحول الذكاء الاصطناعي من «مفتٍ إلكتروني» إلى شيء أقرب إلى مساعد بحث شديد السرعة للمفتي.

الخوارزمية يمكن أن تخطئ بثقة

هناك سبب تقني آخر للحذر.

نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي لا تعمل كالموسوعة التي تبحث عن جملة محفوظة ثم تعرضها، وإنما تنتج الإجابة اعتمادًا على أنماط تعلمتها من كم هائل من النصوص.

ولهذا يمكنها أحيانًا أن تنتج معلومة خاطئة بصياغة شديدة الثقة، وهي الظاهرة المعروفة تقنيًا باسم «هلوسة الذكاء الاصطناعي».

والمشكلة تصبح أكثر خطورة في المجال الديني إذا نسب التطبيق حديثًا غير موجود، أو أخطأ في المرجع، أو خلط بين آراء المذاهب، ثم قدم النتيجة للمستخدم بصيغة تقريرية.

دراسة أكاديمية نُشرت في 2025 وقدمت معيارًا لاختبار نماذج الذكاء الاصطناعي في أسئلة الفقه وجدت تفاوتًا ملموسًا بين النماذج والمذاهب واللغات، ولاحظ الباحثون تراجعًا في الأداء باللغة العربية مقارنة بالإنجليزية، مؤكدين أهمية قدرة النظام على الامتناع عن الإجابة عندما لا يكون واثقًا منها.

كما خلص بحث أحدث نُشر في يوليو/تموز 2026، بعد اختبار ستة أنظمة توليدية في أسئلة تتعلق بالقرآن والحديث والفقه والأخلاق، إلى أن هذه الأنظمة قد تكون مفيدة للتعلم الأولي، لكنها لا ينبغي أن تعامل كمصادر موثوقة مستقلة للأحكام الشرعية دون مراجعة المصادر الأصلية والمتخصصين.

هل يمكن بناء «ذكاء اصطناعي ديني» أكثر أمانًا؟

تقنيًا، الإجابة هي: نعم، إلى حد ما.

فبدل السماح للنموذج بأن ينتج الإجابات اعتمادًا على معرفته العامة، يمكن ربطه بمكتبة محددة من الكتب والفتاوى الموثقة، وإجباره على الاستناد إلى هذه المصادر عند الإجابة.

وتعرف إحدى التقنيات المستخدمة لتحقيق ذلك باسم RAG، أو «التوليد المعزز بالاسترجاع».

وقدمت دراسة منشورة في مجلة Neural Computing and Applications نظامًا للفتاوى يعتمد على هذه التقنية، ووجد الباحثون أن ربط النموذج بمصادر محددة وإعادة ترتيب النتائج المسترجعة أدى إلى تحسين استقرار الإجابات وتقليل الهلوسة مقارنة باستخدام النموذج وحده.

لكن تحسين التقنية لا يحل السؤال كله.

فالآلة قد تصبح أفضل في العثور على النص، لكنها لا تتحول بذلك إلى إنسان يستطيع تحمل مسؤولية الحكم وتقدير ظروف صاحبه.

من المسؤول عندما تخطئ الفتوى الآلية؟

هذه واحدة من أعقد القضايا.

إذا أعطى تطبيق نصيحة دينية خاطئة ترتب عليها طلاق أو خسارة مالية أو قرار طبي خطير، فمن يتحمل المسؤولية؟

المستخدم؟

الشركة التي صنعت النظام؟

المؤسسة التي وفرت قاعدة البيانات؟

أم لا أحد؟

لهذا تضمنت «وثيقة القاهرة» مبادئ مثل الشفافية والمساءلة وحماية الخصوصية والرقابة البشرية، ورفض فكرة التهرب من المسؤولية بحجة أن «الخطأ ارتكبته الآلة». كما حذرت من مخاطر التزييف العميق للشخصيات الدينية ومن استخدام التقنيات الرقمية لنشر فتاوى مزيفة أو أفكار متطرفة.

الدين يدخل عصر الخوارزمية

والقضية أصبحت أكبر من تطبيق يجيب عن سؤال فقهي.

ففي 4 سبتمبر/أيلول 2026 أعلنت دار الإفتاء المصرية، في ختام المؤتمر الدولي الحادي عشر للأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء، مجموعة مشروعات تتعامل مباشرة مع الأسرة والفضاء الرقمي، من بينها منصة «سكن» التفاعلية، ومرجع إفتائي دولي، وميثاق إسلامي للاستخدام الآمن للذكاء الاصطناعي داخل الأسرة، إلى جانب آليات لحماية الأطفال والشباب من المخاطر الرقمية.

وهذا يعني أن المؤسسات الدينية بدأت تنتقل من سؤال:

«هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟»

إلى سؤال أكثر واقعية:

«كيف نستخدمه، وأين يجب أن يتوقف؟»

ماذا يفعل المستخدم؟

ربما تكون القاعدة الأبسط هي التفريق بين ثلاثة أشياء.

يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للفهم والتعلم والبحث الأولي: شرح مصطلح فقهي، تلخيص موضوع، الوصول إلى أسماء المراجع أو معرفة الآراء الموجودة حول قضية.

لكن عندما يتحول الأمر إلى فتوى شخصية يترتب عليها قرار في الزواج أو الطلاق أو المال أو الحقوق أو العلاج، يصبح التحقق من جهة دينية أو عالم مؤهل أكثر أهمية.

والقاعدة الثالثة هي عدم الاطمئنان إلى الإجابة لمجرد أنها مكتوبة بلغة واثقة أو تحتوي على كثير من المراجع.

فالقدرة على إنتاج نص مقنع ليست دليلًا على صحة الحكم.

المفتي لن يختفي.. لكن أدواته ستتغير

من غير المرجح أن تقضي تطبيقات الذكاء الاصطناعي على دور المفتي.

الأقرب أنها ستغير طريقة عمله.

فالمفتي الذي كان يحتاج ساعات للبحث في عشرات المجلدات قد يمتلك أداة تستطيع العثور خلال ثوانٍ على مواضع القضية في آلاف الكتب، ومقارنة الفتاوى السابقة، وترتيب الأدلة وإظهار مواطن الاختلاف.

لكن تبقى هناك خطوة لا تزال المؤسسات الدينية والبحوث التقنية تتفق بدرجات مختلفة على أهميتها:

إنسان يفهم إنسانًا آخر قبل أن يخبره بما ينبغي عليه فعله.

ولذلك ربما لا يكون السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة:

هل سيصبح الذكاء الاصطناعي مفتيًا؟

بل:

كيف نجعله أداة تزيد معرفة المفتي والمتلقي، من دون أن يتحول إلى سلطة دينية لا تعرف من يسألها ولا تتحمل مسؤولية ما تقوله؟

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى