رياضةمقالات

حين يتحول الهدف إلى قصيدة.. لماذا يبدو المعلق العربي وكأنه يكتب رسالة حب لكرة القدم؟

«الغارديان» تتوقف أمام ظاهرة المعلقين العرب في مونديال 2026: هدف يستغرق ثواني قد يتحول إلى خطاب عن التاريخ والمجد والحب.. والسر ربما يكمن في علاقة العرب القديمة بالكلمة

العرب بعيون العالم

عن صحيفة The Guardian البريطانية – بقلم ويليام كريستو
ترجمة وتحرير: مراسلين

قبل أن تستقر الكرة في الشباك، كان صوت المعلق قد سبقها.

سجل كريستيانو رونالدو هدفه الأول في كأس العالم 2026 أمام أوزبكستان، لكن بالنسبة إلى المشاهد العربي لم تكن اللقطة مجرد كرة عبرت خط المرمى.

كان هناك صوت آخر يصنع الحدث بالتوازي.

المعلق العماني عامر الخضيري رفع صوته، ثم انتقل من وصف الهدف إلى مخاطبة رونالدو والتاريخ والمنتقدين والذاكرة، قبل أن يستمر لأكثر من دقيقة في مونولوج حماسي جعل اللحظة أكبر كثيرًا من الثواني التي استغرقتها داخل الملعب.

هذه البداية اختارها الصحفي ويليام كريستو في تقرير نشرته صحيفة The Guardian البريطانية في 27 يونيو/حزيران 2026 عن ظاهرة ربما لا ينتبه إليها المشاهد العربي لأنها أصبحت جزءًا مألوفًا من تجربته:

لماذا يختلف التعليق على كرة القدم بالعربية إلى هذه الدرجة؟

وكيف أصبح المعلق العربي في بعض المباريات نجمًا ينافس اللاعب الذي يصفه؟

هدف مدته ثانيتان.. وحكاية تستمر دقيقة

يلفت تقرير «الغارديان» إلى مفارقة واضحة.

في كثير من المدارس الغربية، يتمحور التعليق حول تحديد اللاعب، والتمريرة، والمسافة، والتسديدة، والنتيجة، مع جرعات محسوبة من التحليل والانفعال.

أما المعلق العربي فقد يقرر، بمجرد أن ينفرد المهاجم بالحارس، أن يفتح أبواب التاريخ والجغرافيا والشعر والحكمة في آن واحد.

وهنا يصبح الزمن مختلفًا.

وصفت هازار الكيلاني، وهي مديرة علاقات عامة تعيش في الدوحة، الأمر للصحيفة بأن اللغة العربية تستطيع تقريبًا تمديد اللحظة؛ فمشهد لا يستغرق سوى ثانيتين في الملعب قد يتحول إلى فقرة كاملة لدى المعلق.

وهذا ربما يفسر لماذا تنتشر مقاطع التعليق العربي منفصلة عن المباراة نفسها.

فالناس يعيدون مشاهدة الهدف ليس فقط لرؤية الكرة، بل لسماع ما قاله المعلق عندما دخلت.

«أنت التاريخ نفسه»

عندما سجل ليونيل ميسي هدفه التاريخي السابع عشر في كأس العالم أمام النمسا، وجد المعلق اليمني حسن العيدروس في اللحظة مادة لما يشبه قطعة أدبية قصيرة.

لم يكتف بالقول إن ميسي حطم رقمًا جديدًا، بل بنى حديثه حول التاريخ والمجد والأرقام والأسطورة، وصولًا إلى العبارة التي التقطتها الصحيفة:

«أنت التاريخ نفسه».

المشهد بالنسبة إلى الصحيفة البريطانية كان مثالًا على نوع من التعليق يصعب وضعه داخل القواعد المعتادة للمهنة.

إنه وصف للمباراة، بالطبع، لكنه أيضًا أداء صوتي، وسرد، ومبالغة مقصودة، ومخزون من الصور البلاغية يُستدعى في اللحظة المناسبة.

ويمكن للمعلق أن ينتقل خلال دقائق من الحزن على فرصة ضائعة إلى الصراخ مع هدف، ثم إلى جملة عن الحب أو الحياة أو المصير.

لماذا تسمح العربية بكل ذلك؟

هنا ينتقل التقرير من كرة القدم إلى اللغة.

يربط كريستو أسلوب المعلقين بتاريخ طويل للثقافة الشفهية العربية وبالمكانة التي احتلها الشعر والبلاغة في الثقافة العربية.

فاللغة العربية تمنح المعلق مساحة واسعة للتشبيه والاستعارة والجناس والمبالغة وتغيير الإيقاع، كما أن الجمهور نفسه معتاد ثقافيًا على خطاب لا تكون فيه الكلمات مجرد ناقل محايد للمعلومة.

وتشير الكيلاني في حديثها للصحيفة إلى علم البلاغة وإلى الثقافة الأدبية التي وضعت الشاعر تاريخيًا في مكانة مركزية، معتبرة أن المعلق الرياضي الحديث جلس، بصورة ما، في مقعد ثقافي كان موجودًا قبله بقرون.

وهذا التفسير لا يبدو مجرد انطباع صحفي.

دراسة لغوية مقارنة نُشرت في 2025 وحللت التعليق العربي والإنجليزي على كرة القدم وجدت اختلافات ملموسة في استخدام الاستعارات والكنايات بين اللغتين، مع اعتماد التعليق العربي بصورة واسعة على الصور المجازية والإحالات التي تتجاوز اللاعب نفسه إلى رموز مثل الوطن والعَلَم والهوية الجماعية.

بمعنى آخر، المعلق لا يقول دائمًا:

«اللاعب سجل».

بل قد يصبح اللاعب محاربًا أو فنانًا أو ملكًا أو ابنًا لوطن كامل.

الشوالي.. من دراسة اللغة إلى صناعة الجملة

ويتوقف تقرير «الغارديان» عند أحد أشهر الأصوات في كرة القدم العربية، التونسي عصام الشوالي.

ولعل خلفيته تساعد على فهم طريقته؛ فالصحيفة تشير إلى أنه درس فقه اللغة قبل انتقاله إلى العمل الإعلامي.

وقد أصبح الشوالي نموذجًا لمدرسة لا تفصل بين معرفة اللعبة والقدرة على الإمساك باللغة في لحظة لا تمنح المعلق وقتًا طويلًا للتفكير.

فالتعليق المباشر مختلف عن الكتابة.

الكاتب يستطيع حذف جملته وإعادة صياغتها.

أما المعلق فيجب أن ينتج الصورة والاستعارة والجملة والإيقاع بينما اللاعب يركض والكرة تتحرك وربما يتغير كل شيء خلال ثانية.

ولهذا فإن أجمل الجمل التي يحفظها جمهور الكرة لم تُكتب مسبقًا بالضرورة؛ بل خرجت في لحظة انفعال جماعية ثم تحولت لاحقًا إلى مقاطع تعاد ملايين المرات.

ليست مجرد مبالغة عربية

قد ينظر مشاهد من خارج المنطقة إلى هذا النوع من التعليق باعتباره مبالغة.

لكن الأمر أكثر تعقيدًا.

فالوظيفة هنا ليست فقط إخبار المشاهد بما يحدث أمامه؛ لأنه يراه بالفعل.

إذا كان المتلقي يشاهد الكرة تنتقل من قدم إلى أخرى على الشاشة، فما الذي يضيفه صوت المعلق؟

المدرسة العربية تجيب عمليًا: تضيف الشعور.

المعلق يعيد تفسير اللقطة عاطفيًا ويخبر الجمهور، بطريقة غير مباشرة، بما ينبغي أن تمثله هذه اللحظة.

ولهذا وصفت صحفية لبنانية تحدثت إليها «الغارديان» بعض هذا التعليق بأنه يشبه «رسالة حب لكرة القدم».

وتشير دراسة أخرى تناولت استخدام التعليق الرياضي العربي في تعليم اللغة إلى أن هذا الخطاب يمتلك ثراءً خاصًا في الاستعارة والمبالغة والتعبير، وأن التعرض له ساعد طلاب العربية في تجربة بحثية على تطوير المفردات والحس البلاغي والقدرة على التعبير التلقائي.

وهكذا يتحول التعليق من منتج إعلامي رياضي إلى مادة لغوية أيضًا.

صوت يأتي من غرفة الأب

لكن هناك عنصرًا آخر ربما يكون أقوى من البلاغة نفسها:

الذاكرة.

بالنسبة إلى أجيال عربية كثيرة، لا ترتبط بطولات كأس العالم فقط بلاعبين ونتائج، وإنما بأصوات محددة.

صوت عصام الشوالي.

صوت حفيظ دراجي.

وأصوات معلّقين سبقوهما ورافقت أجيالًا أقدم.

تقول الكيلاني لـ«الغارديان» إن صوت الشوالي بالنسبة لكثيرين هو صوت صيف كأس العالم: حرارة الجو، الأسرة مجتمعة، والمباراة على الشاشة، والصوت المألوف الذي يستطيع رفع هدف عادي إلى مرتبة حدث ضخم.

وربما هنا تحديدًا تكمن قوة المعلق العربي.

فهو لا يدخل بيوت الناس في البطولة الحالية وحدها.

الصوت نفسه قد يكون قد رافق شخصًا وهو طفل في منزل والديه، ثم يعود بعد عشرين عامًا بينما يشاهد المباراة مع أطفاله.

وتصبح الجملة الرياضية جزءًا من الذاكرة العائلية.

من مقاهي بيروت إلى مجالس الخليج

يلتقط تقرير الصحيفة البريطانية أيضًا مشهد المشاهدة الجماعية.

من المقاهي المكتظة في لبنان إلى المطاعم والمجالس في الخليج، لا يأتي صوت المعلق كخلفية صامتة.

إنه جزء من المسرح.

ينخفض الناس عندما يخفض صوته.

ويرتفعون معه حين تقترب الكرة من المرمى.

وأحيانًا يعرف المشاهد من نبرة الصوت أن شيئًا سيحدث قبل أن يرى اللقطة كاملة.

لذلك ليس غريبًا أن يصبح اختيار المعلق نفسه جزءًا من قرار المشاهدة، خصوصًا في عصر يستطيع فيه الجمهور الاختيار بين أكثر من قناة ولغة ومسار صوتي.

وقالت إحدى المتحدثات للصحيفة إنها إذا أتيح لها الاختيار بين مشاهدة المباراة بالفرنسية أو الإنجليزية أو العربية، فإنها تختار العربية مباشرة.

هل يصف المعلق المباراة أم يكتبها من جديد؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر طرافة في القصة.

في التعليق التقليدي، المباراة هي الأصل والصوت يشرحها.

أما في أفضل لحظات التعليق العربي، فإن الصوت نفسه يصبح جزءًا من الحدث.

نحن لا نتذكر فقط أن لاعبًا سجل.

نتذكر ماذا قيل عندما سجل.

ولذلك قد يبقى هدف عمره عشرون عامًا متداولًا على الإنترنت لأن جملة المعلق منحته حياة أطول من المباراة.

وفي زمن المقاطع القصيرة و«تيك توك» و«ريلز»، أصبحت هذه الميزة أكثر أهمية؛ إذ يمكن لجملة مدتها عشرون ثانية أن تخرج من البث التلفزيوني وتعيش وحدها بوصفها منتجًا ثقافيًا مستقلًا.

الشعر لم يختف.. ربما انتقل إلى الملعب

قدم العرب الشعر تاريخيًا في الأسواق والمجالس والقصور.

وتغيرت أماكن التجمع ووسائط الاستماع، لكن الحاجة إلى شخص يستطيع التقاط لحظة جماعية وتحويلها إلى كلمات ربما لم تختف.

ربما لهذا يبدو المعلق العربي مختلفًا.

فهو يقف أمام مباراة حديثة تُصوَّر بعشرات الكاميرات وتنقلها الأقمار الصناعية، لكنه يستخدم أداة أقدم بكثير:

الصوت والكلمة والصورة البلاغية.

ومن هنا تبدو ملاحظة «الغارديان» لافتة.

ففي كأس عالم تمتلئ شاشاته بالإحصاءات والتحليلات والتقنيات، استطاع المعلق العربي أن يلفت انتباه صحيفة بريطانية لأنه يفعل شيئًا شديد البساطة:

لا يخبر الجمهور فقط بأن الكرة دخلت المرمى.

بل يحاول أن يقنعه، ولو لدقيقة واحدة، بأنه شاهد التاريخ وهو يُكتب.


المصدر الأصلي: مقال للصحفي William Christou، نُشر في The Guardian البريطانية بتاريخ 27 يونيو/حزيران 2026 بعنوان: “You’re history itself!: how Arab World Cup commentators fuel fans’ passions”.

ملاحظة تحريرية: أُعيد تقديم المادة بالعربية بتصرف، مع إضافة سياق لغوي وبحثي، وليست ترجمة حرفية للنص الأصلي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى