ثقافة وفن

من التطريز إلى ريشة الفنان.. فلسطين تكتب ذاكرتها الثقافية في معرض دمشق الدولي

سها المناصرة – مراسلين

دمشق – بين خيوط التطريز الفلسطيني، واللوحات التشكيلية، والمجسمات التي تستحضر البيوت والقرى والذاكرة، حضرت فلسطين في الدورة الثالثة والستين من معرض دمشق الدولي بصورة تجاوزت المشاركة التقليدية في المعارض، لتقدم جناحاً يحمل ملامح الهوية الوطنية الفلسطينية، ويربط الثقافة بالذاكرة والاقتصاد وقضية اللجوء وحق العودة.

وتأتي المشاركة الفلسطينية ضمن دورة واسعة من معرض دمشق الدولي، الذي انطلقت فعالياته في 26 أغسطس/آب وتختتم في 4 سبتمبر/أيلول 2026، بمشاركة نحو ألف جهة تمثل قرابة 60 دولة، إلى جانب برنامج اقتصادي وثقافي وفني متنوع. ويعود تاريخ المعرض إلى عام 1954، ما يجعله أحد أقدم المعارض الدولية في المنطقة.

وفي هذا السياق، بدا الجناح الفلسطيني محاولة لتقديم فلسطين من خلال تفاصيل الحياة اليومية وموروثها الثقافي، وليس فقط عبر الخطاب السياسي؛ فالزي المطرز واللوحة والمجسم والمنتج اليدوي تحولت جميعها إلى أدوات سرد تحمل قصة مجتمع حافظ على عناصر هويته رغم عقود اللجوء والشتات.

نافذة فلسطينية من دمشق إلى العالم

وقال عمار الأبطح، المتحدث الإعلامي باسم سفارة دولة فلسطين في سوريا، في تصريح خاص لـ”مراسلين”، الجمعة 4 سبتمبر/أيلول 2026، إن مشاركة فلسطين في المعرض مثّلت “نافذة استراتيجية” لإطلالة الهوية الفلسطينية على جمهور واسع ومتنوع.

وأوضح أن الجناح سعى إلى تقديم صورة متكاملة عن فلسطين، تجمع بين التاريخ والتراث والفن والمنتج الثقافي، بما يجعل المشاركة مساحة للتعريف بالقضية الفلسطينية من خلال الثقافة وما تحمله من رموز ودلالات تتجاوز الحدود الجغرافية.

وتكتسب هذه الرسالة أهمية خاصة بالنسبة إلى الفلسطينيين في الشتات، حيث يتحول الحفاظ على عناصر التراث من ممارسة اجتماعية إلى وسيلة لحماية الذاكرة ونقلها بين الأجيال.

دمشق وفلسطين.. روابط تتجاوز المشاركة في معرض

ويرى الأبطح أن الحضور الفلسطيني في معرض دمشق الدولي لا يمكن فصله عن عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين الشعبين الفلسطيني والسوري، مشيراً إلى أن سوريا احتضنت على مدى عقود مجتمعاً فلسطينياً حافظ على ثقافته وعاداته وهويته الوطنية.

وقال إن الجناح شكّل في الوقت نفسه بوابة ثقافية واقتصادية، أتاحت تقديم منتجات فلسطينية وأعمال فنية وتراثية، بمشاركة نادي فتيات فلسطين والفنانين وفريق “باقون” الشبابي ضمن إطار وطني مشترك.

ولا يقتصر هذا الجانب على القيمة الرمزية؛ إذ يمثل تسويق المنتجات التراثية والحرف اليدوية مورداً اقتصادياً للأسر التي تعمل في صناعتها، وهو ما يضيف إلى التراث وظيفة معيشية واجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة.

وهذه العلاقة بين التراث والاقتصاد ليست جديدة على التجربة الفلسطينية. فبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، يمثل التطريز الفلسطيني ممارسة اجتماعية تنتقل بين الأجيال، كما تعتمد عليه بعض النساء في دعم دخل أسرهن. وأدرجت المنظمة فن التطريز في فلسطين وممارساته ومهاراته ومعارفه على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية عام 2021.

التراث في مواجهة محو الذاكرة

وتحمل المشاركة، بحسب الأبطح، بعداً أبعد من عرض المنتجات والفنون، إذ أراد القائمون على الجناح التأكيد أن الفلسطيني يستطيع، أينما وجد، الحفاظ على روايته وهويته الثقافية.

وأشار إلى أن الجناح يمثل دولة فلسطين وشعبها بمختلف أطيافه تحت مظلة السفارة، بعيداً عن الانقسامات الحزبية والفصائلية، مضيفاً أن إحدى الرسائل الرئيسية للمشاركة تتمثل في تقديم الفلسطيني بوصفه صاحب تاريخ وثقافة وحياة يومية وإبداع إنساني، في مواجهة الصور النمطية التي حاولت اختزال قضيته وشخصيته.

وبالنسبة إلى الأبطح، فإن مخيمات الشتات لم تكن مجرد أماكن للجوء، وإنما تحولت بمرور الوقت إلى حواضن للذاكرة والوعي والثقافة الفلسطينية، مؤكداً أن البعد الجغرافي عن فلسطين لم يلغِ الانتماء إليها.

ومن هنا، يرى أن الثقافة والتراث يشكلان أحد خطوط الدفاع الأساسية عن الهوية والوجود الفلسطينيين، وأن الحفاظ عليهما يرتبط أيضاً بالتمسك بالذاكرة التاريخية وحق العودة وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس.

غرزة تحكي مدينة.. وثوب يرسم خريطة

وحظي التطريز الفلسطيني بمكان بارز داخل المشاركة، من خلال الأعمال التي قدمها نادي فتيات فلسطين.

وأوضح الأبطح أن النادي حرص على نقل القضية الفلسطينية عبر “القطبة والغرزة والتطريز اليدوي”، معتبراً أن الثوب الفلسطيني ليس مجرد زي تقليدي، بل سجل بصري تختزن تفاصيله جانباً من تاريخ المدن والقرى والمناطق الفلسطينية.

وتعزز اليونسكو هذه الدلالة؛ إذ تشير إلى أن الألوان والزخارف والرموز المستخدمة في الأزياء المطرزة ارتبطت تاريخياً بالهويات المحلية والمناطقية الفلسطينية، وأن هذه المعرفة انتقلت بصورة أساسية بين النساء وعبر الأجيال.

وهكذا تتحول قطعة القماش في الجناح من منتج حرفي إلى وثيقة ثقافية؛ فالغرزة تحمل مكاناً، والألوان تستحضر بيئة، والثوب يعيد رواية أجزاء من تاريخ مجتمع تعرض أبناؤه للنزوح واللجوء لكنهم واصلوا حمل رموز مناطقهم معهم.

ريشة الفنان تحفظ الحكاية

وإلى جوار التطريز، حضرت فلسطين من خلال الفن التشكيلي.

وقال الأبطح إن الفنان الفلسطيني حمل هموم وطنه إلى اللوحة، ووظف الريشة واللون لتوثيق مشاهد الصمود والحياة والمقاومة، بحيث أصبح الفن مساحة أخرى لحفظ الرواية الفلسطينية.

ويمنح هذا الحضور للفن وظيفة تتجاوز الجماليات؛ إذ تتحول اللوحة إلى سجل بصري للذاكرة وإلى وسيلة لمخاطبة جمهور قد لا يصل إليه الخطاب السياسي التقليدي.

وفي المعارض الدولية على وجه الخصوص، يستطيع العمل الفني أن يعبر الحواجز اللغوية، وأن يقدم القضية من خلال الإنسان والمكان والتفاصيل الصغيرة التي تشكل الحياة الفلسطينية.

“باقون”.. جيل جديد يحمل الذاكرة

ولم تقتصر المشاركة على الموروث الذي تتناقله الأجيال الأكبر سناً، إذ كان للشباب حضور لافت من خلال فريق “باقون” الشبابي الوطني.

وبحسب الأبطح، عمل الفريق على تجسيد جوانب من الذاكرة الفلسطينية عبر المجسمات التراثية واللوحات الوطنية والأعمال الإبداعية، بهدف إبقاء التراث حاضراً داخل البيوت الفلسطينية، ولا سيما في مجتمعات الشتات.

ويكشف هذا الجانب عن تحول مهم في مسألة صون الموروث؛ فالحفاظ على التراث لا يعني الاحتفاظ به داخل المتاحف أو استعادة الماضي فقط، وإنما إعادة إنتاجه بأدوات جديدة يستطيع الجيل الشاب التفاعل معها وحملها إلى المستقبل.

ومن التطريز الذي تتناقله النساء، إلى اللوحة التي يرسمها الفنان، وصولاً إلى المجسم الذي يصنعه الشباب، تتعدد الأدوات لكن الرسالة تبقى واحدة: أن الذاكرة الفلسطينية ليست مجرد سرد لما كان، بل ممارسة حية تتجدد مع كل جيل.

وفي معرض دولي يلتقي فيه الاقتصاد بالثقافة والفنون، اختار الجناح الفلسطيني أن يقدم قضيته من زاوية مختلفة؛ فلسطين بوصفها أرضاً لها ذاكرة، وشعباً له ثقافة، وتراثاً يستمر في العيش رغم اللجوء والشتات.

ومن دمشق، بدت الخيوط واللوحات والمجسمات الصغيرة وكأنها تقول إن الحفاظ على الهوية ليس عملاً رمزياً فحسب، بل جزء من معركة أوسع لحماية الذاكرة، ونقل الرواية الفلسطينية إلى الأجيال المقبلة والعالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى