خاص مراسلين

خلف الأبواب المغلقة.. شهادات عن اعترافات انتُزعت تحت الضغط من معتقلي «هبّة الكرامة»

تحقيق: إيناس مريح

خمس سنوات بعد احتجاجات مايو 2021.. عائلات ومحامون يروون لـ«مراسلين» تفاصيل العزل والتقييد والتهديد بالأهل، فيما تكشف الأرقام الرسمية المتضاربة عن فجوات في توثيق واحدة من أوسع حملات الاعتقال التي طالت فلسطينيي الداخل

تحقيق: إيناس مريح

«أمك ماتت».

جملة قصيرة، لكنها كانت كافية، وفق شهادات جمعتها معدّة هذا التحقيق، لدفع أكثر من معتقل إلى حافة الانهيار داخل غرف التحقيق الإسرائيلية.

في حالة أخرى، لم تكن الأم هذه المرة محور الضغط؛ قيل لمعتقل إن طفله مات.

وفي ملف ثالث، لم يُبلّغ الشاب مباشرة بوفاة والدته، بل سمع حديثًا متعمدًا أمامه عن «حادث طرق»، ثم وُضعت أمامه، بحسب شهادة عائلته، صورة لسيارة محطمة تحمل لوحة تسجيل سيارة أمه.

تختلف الأسماء والملفات والتواريخ، لكن خيطًا واحدًا يتكرر في الشهادات: العائلة باعتبارها نقطة الضغط الأكثر حساسية على المعتقل.

خلال السنوات التي أعقبت «هبّة الكرامة» في مايو/أيار 2021، تابعت الصحفية إيناس مريح ملفات عدد من المعتقلين، وحضرت جلسات قضائية، والتقت أفرادًا من عائلاتهم ومحاميهم وناشطين رافقوا قضاياهم.

وتطرح الشهادات التي جُمعت سؤالًا يتجاوز مصير كل متهم على حدة:

إلى أي مدى كانت الاعترافات التي دخلت بعض ملفات هبّة الكرامة ناتجة عن إرادة حرة؟ وإلى أي مدى كانت حصيلة ضغط نفسي وجسدي داخل غرف مغلقة لا يراها أحد؟

هذا التحقيق لا يصدر حكمًا قضائيًا على صحة كل رواية، ولا يملك أن يحسم منفردًا قانونية جميع أساليب التحقيق التي يتحدث عنها الشهود.

لكنه يضع شهادات متفرقة إلى جوار بعضها، ويبحث في أنماط تتكرر بينها: العزل، الحرمان من النوم، التقييد لساعات طويلة، البرودة والإضاءة المستمرة، الضغط عبر أفراد الأسرة، واستخدام الخداع لإجبار المعتقل على الكلام أو التوقيع.

وعندما تتكرر الأدوات نفسها في روايات أشخاص مختلفين، من مدن مختلفة، وفي ملفات يتولاها محامون مختلفون، يصبح السؤال مشروعًا:

هل نتحدث عن تجاوزات فردية، أم عن نمط أوسع يستحق تحقيقًا مستقلاً ومساءلة علنية؟


مايو 2021.. من الاحتجاج إلى الاعتقال

في مايو/أيار 2021، شهدت مدن وبلدات فلسطينية داخل الخط الأخضر احتجاجات واسعة بالتزامن مع الحرب على قطاع غزة والتوترات في القدس والمسجد الأقصى ومحاولات إخلاء عائلات فلسطينية من حي الشيخ جراح.

أُطلق على موجة الاحتجاجات لاحقًا اسم «هبّة الكرامة».

وبعد المواجهات في الشوارع، بدأت حملة اعتقالات واسعة.

نفذت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام «الشاباك» عمليات اعتقال طالت مئات الأشخاص، وتركز جزء كبير منها في المجتمع العربي.

لكن حتى بعد مرور سنوات، لا يبدو تحديد العدد الدقيق لمن اعتُقلوا خلال الحملة أمرًا بسيطًا.


أرقام متضاربة.. كم شخصًا اعتُقل؟

تكشف البيانات الواردة في الملفات التي اعتمد عليها التحقيق عن تفاوت ملحوظ في أعداد المعتقلين والمتهمين.

فبحسب بيانات نُسبت إلى النيابة العامة الإسرائيلية، قُدمت 397 لائحة اتهام ضد 616 متهمًا على خلفية الأحداث، وكانت الغالبية الساحقة منهم من العرب، فيما كان نحو ربع المتهمين من القاصرين.

وأشارت البيانات ذاتها إلى أن العرب شكّلوا نحو 89% من المتهمين، كما تحدثت عن ملفات وُصفت بأنها ارتُكبت في «ظروف مشددة لعمل إرهابي أو دوافع عنصرية».

في المقابل، أورد مركز «عدالة» الحقوقي أن الشرطة أعلنت خلال حملة الاعتقالات تنفيذ 1,845 عملية اعتقال، من بينها 1,671 اعتقالًا لفلسطينيين من الداخل، مقابل 171 يهوديًا.

وفي الثالث من يونيو/حزيران 2021، تحدث بيان للشرطة الإسرائيلية عن 2,142 معتقلًا في إطار حملة «القانون والنظام».

وتتضمن المادة كذلك أرقامًا منسوبة إلى تقرير لمراقب الدولة الإسرائيلي تتراوح بين نحو 2,200 و3,200 معتقل.

الفارق بين هذه الأرقام لا يثبت وحده وجود مخالفة، لكنه يكشف صعوبة الوصول إلى سجل موحد يجيب عن أسئلة أساسية: من اعتُقل؟ ولمدة كم؟ وفي أي ملف؟ وكم شخصًا أُطلق سراحه دون اتهام؟ وكم انتهى به الأمر أمام المحاكم؟

وسط هذه الأرقام، تضيع القصص الفردية بسهولة.

لكن الدخول إلى تفاصيل بعض الملفات يكشف وجهًا آخر للقضية.


«أمك ماتت»

محمد أبو رومي.. الاعتراف بعد كسر الابن

عندما قرأت جيهان أبو رومي محاضر التحقيق مع ابنها محمد، تقول إنها توقفت طويلًا أمام إجابات نُسبت إليه.

محمد أبو رومي، الشاب من مدينة طمرة، كان متهمًا في ملف مرتبط بأحداث هبّة الكرامة.

تقول والدته إن بعض الإجابات المكتوبة على لسانه لم تكن تشبه طريقة تفكيره أو شخصيته، وإنها تعتقد أنها جاءت بعدما وصل إلى حالة من الانهيار النفسي.

ومن بين الأسئلة والأجوبة التي وردت في الملف، وفق ما اطلعت عليه الأم، أسئلة عن دوافع الاعتداء على شخص يهودي والمشاركة في المظاهرات.

لكن ما أثار قلق الأسرة لم يكن محتوى الاعتراف فقط، بل الظروف التي تقول إن ابنها مر بها قبل توقيعه.

بحسب جيهان، وُضع محمد داخل زنزانة شديدة الضيق، محرومًا من الضوء الطبيعي والراحة.

ثم جاءت الضربة النفسية الأشد:

أخبروه أن والدته ماتت في حادث طرق.

وتقول الأسرة إن الرسالة التي تلقاها كانت أن الاعتراف والتوقيع قد يتيحان له الخروج لحضور جنازتها.

بعد أسبوع لم تعرف العائلة خلاله مكان وجوده بصورة واضحة، تمكن المحامي من رؤيته.

وبحسب والدته، كانت «الاعترافات» قد أُخذت بالفعل.

وفي أول لقاء جمع الأم بابنها لاحقًا، قال لها:

«لو بقيت في الزنزانة يومين إضافيين، لفقدت عقلي».

تستعيد جيهان أولى الزيارات، حين كان ابنها يراقب عقارب الساعة باستمرار، طالبًا منها ألا تدع الوقت يمر سريعًا.

كان الزجاج يفصل بينهما، ولم يكن بإمكانها احتضانه.

تقول إن الشاب الذي رأته بعد التحقيق لم يعد يشبه ابنها قبل الاعتقال.

فقد بدا لها وكأنه عاش سنوات خلال أيام قليلة.

اعتُقل محمد في الخامس من يونيو/حزيران 2021، وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2024 صدر بحقه حكم بالسجن لمدة سبعة أعوام، وفق المعلومات الواردة في ملف التحقيق.

غير أن قصة «وفاة الأم» ستظهر مجددًا في ملفات أخرى.


مصاب ومقيد على سرير المستشفى

مصطفى مصري.. التحقيق يبدأ قبل اكتمال العلاج

في الثالث عشر من مايو/أيار، أُصيب مصطفى مصري، من عكا، بجروح خطيرة.

نُقل إلى المستشفى، وهناك بدأت، بحسب والدته نجود سويدان، مرحلة مختلفة من المعاناة.

تقول إنها علمت بإصابة ابنها من أحد الشبان الذين كانوا في المكان.

توجهت إلى المستشفى، لكنها لم تتمكن من رؤيته فورًا.

وبعد تدخل المحامي والحصول على إذن، دخلت إلى الغرفة.

المشهد ما زال حاضرًا في ذاكرتها:

كان مصطفى، بحسب روايتها، مقيد اليدين والرجلين رغم أنه لم يكن في كامل وعيه.

وتضيف أن ابنها خضع لعملية استئصال كلية، وأن الأسرة لم تكن قد تلقت، وفق روايتها، إشعارًا مسبقًا بالإجراء.

وبعد فترة العلاج، تقول الأم إنه نُقل إلى التحقيق الأمني قبل أن يستعيد عافيته بالكامل.

وبحسب ما نقله مصطفى إليها لاحقًا، جرى تقييده على كرسي لفترات طويلة خلال التحقيق، وفي إحدى المرات بقي، وفق روايته، مقيدًا في عزلة لساعات وأيام دون استجواب فعلي مستمر.

الملف يطرح هنا مسألة تختلف قليلًا عن الحالات الأخرى.

فحتى إذا كانت السلطات تعتبر مصطفى مشتبهًا به، يظل السؤال قائمًا حول العلاقة بين مقتضيات التحقيق وحقوق شخص مصاب يتلقى العلاج.

من قرر إمكانية تقييده وهو في وضع صحي حرج؟

وما المعايير الطبية التي استند إليها نقله إلى التحقيق؟

وهل كانت حالته تسمح بذلك؟

في 23 يوليو/تموز 2024، فرضت المحكمة المركزية في حيفا على مصطفى مصري عقوبة بالسجن لمدة 11 عامًا، بحسب البيانات الواردة في المادة.


«يما.. فش أكل»

طارق كيوان.. حين ينتقل الضغط من التحقيق إلى السجن

لم تكن كل الشهادات مرتبطة فقط بما جرى أثناء الاستجواب.

في إحدى جلسات المحكمة التي شارك فيها طارق كيوان عبر تطبيق «زوم»، حصل الشاب على وقت قصير للحديث إلى أسرته.

استغل اللحظة ليقول لوالدته:

«يما.. فش أكل».

كانت جيهان كيوان قد أمضت أربعة أشهر دون رؤية ابنها.

وحين ظهر على الشاشة، تقول إنها لم تتعرف إليه بسهولة.

كان جسده قد أصبح نحيلًا للغاية، وشعره ولحيته قد طالا، وبدت ملابس السجن واسعة على جسده.

تروي الأم أنها حاولت دائمًا أن تبدو قوية أمام ابنها حتى لا تزيد ألمه، لكن الصورة التي رأتها في تلك الجلسة جعلتها تنهار باكية بعيدًا عن مجال رؤيته.

طلب طارق خلال الجلسة مقابلة محاميه بصورة عاجلة.

وبالنسبة إلى والدته، كانت نبرة صوته تشير إلى تراجع كبير في حالته النفسية.

وتنقل جيهان عن معتقلين خرجوا من السجن شهادات تتحدث عن نقص الطعام والملابس الدافئة والبرد القاسي داخل بعض الزنازين.

ومن بين الروايات التي نقلتها أن الوجبات لم تكن تكفي أعداد المعتقلين وأن الملابس صودرت في بعض الفترات.

هذه المعلومات تبقى شهادات منسوبة إلى أصحابها، ويحتاج إثبات وجود سياسة ممنهجة للتجويع أو الحرمان إلى الاطلاع على سجلات السجون والتقارير الطبية ورد مصلحة السجون.

لكن بالنسبة إلى الأم، النتيجة التي تراها أمامها لا تحتاج إلى جداول:

ابنها فقد كثيرًا من وزنه وتغيرت حالته النفسية.

وتقول إنه بدا بعد فترة السجن في وضع أصعب من الفترة التي خضع خلالها للتحقيق، رغم أنها تتحدث أيضًا عن تقييده لساعات خلال الاستجواب.

وفرضت المحكمة المركزية في حيفا على طارق عقوبة بالسجن الفعلي لمدة 45 شهرًا وغرامة مالية قدرها تسعة آلاف شيكل، بحسب المادة، على خلفية أحداث هبّة الكرامة التي كان خلالها قاصرًا.


«ابنك مات»

راني فيران.. استهداف الأبوة داخل غرفة التحقيق

مع راني فيران، تغير الشخص الذي استُخدم للضغط النفسي.

لم تكن أمه.

كان طفله.

راني، من عكا، جلس، بحسب شهادة محاميه بدر إغبارية، داخل زنزانة ضيقة عندما أُبلغ بأن ابنه الصغير مات.

يقول الدفاع إن المحققين تحدثوا أمامه عن وفاة الطفل، وربطوا بين اعترافه وإمكانية خروجه.

ثم ظهرت صور أطفاله.

وبحسب المحامي، قيل له ما معناه إنه إذا لم يعترف فقد لا يراهم مجددًا.

بالنسبة إلى الدفاع، لم تكن تلك مجرد أسئلة قاسية، بل استخدام مباشر لأشد نقاط الإنسان حساسية: الخوف على أبنائه.

وتحدث المحامي كذلك عن إهانات وتهديدات طالت أسرة راني ووالدته وزوجته وأطفاله.

ووفق الشهادة التي أدلى بها راني أمام المحكمة، خضع أيضًا لظروف جسدية قاسية خلال التحقيق.

تحدث عن تقييد يديه خلف ظهره، وإجباره على الجلوس على كرسي صغير لساعات طويلة، وعدم السماح له باستخدام المرحاض لفترات.

وقال إن الزنزانة كانت ضيقة وتفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

أمام المحكمة، تقدم الدفاع بطلب لاستبعاد الاعترافات المنسوبة إلى راني، على أساس أنها جاءت، وفق المحامي، في ظروف ضغط نفسي وجسدي تنزع عنها صفة الطوعية.

وأشار المحامي بدر إغبارية كذلك إلى أن عناصر من جهاز الأمن شاركوا في جلسات المحكمة، معتبرًا أن وجودهم قد يمثل ضغطًا إضافيًا على المتهم.

ويشير الملف إلى أن راني اعتُقل في يونيو/حزيران 2022، وقدمت لائحة الاتهام ضده في الشهر التالي، ثم تنقل بين الاعتقال والحبس المنزلي خلال المراحل اللاحقة من القضية.

قضيته تضع مسألة الاعتراف في قلب النقاش القانوني.

فالسؤال لا يتعلق فقط بما إذا كان المتهم قد قال العبارة المنسوبة إليه، بل بالظروف التي قيلت فيها.


من قاعة الجامعة إلى زنزانة الانفراد

عبيدة زيتاوي.. 30 كيلوغرامًا أقل

كان عبيدة زيتاوي أبو بكر يدرس المحاسبة والاقتصاد قبل الاعتقال.

اعتُقل في 31 مايو/أيار 2021، وفق المادة، ونُقل إلى معتقل الجلمة.

وبعد سنوات، وقف أمام المحكمة ليتحدث عن آثار ما تعرض له في السجن.

في جلسة بتاريخ 10 فبراير/شباط 2025، قال عبيدة إنه فقد نحو 30 كيلوغرامًا من وزنه.

ووصف الطعام المقدم للمعتقلين بأنه شحيح.

كما تحدث عن ظروف احتجاز قاسية، تتعلق بالبرد، ونقص الملابس، وصعوبة الاستحمام، والتقييد خلال عمليات النقل.

أما فترة التحقيق، فكانت تحمل نوعًا آخر من الضغط.

بحسب شهادته، تعرض للتهديد بوالدته، التي تنحدر من الضفة الغربية، وقيل له إن أسرته قد تتعرض لإجراءات عقابية.

وتحدث أيضًا عن إهانات وبصق، وقال إنه اضطر إلى الاعتراف بأشياء يؤكد أنه لم يرتكبها.

محاميه خالد محاجنة يرى أن حالة عبيدة ليست استثناء.

ويقول إنه تابع ووثق حالات أخرى لأسرى تحدثوا عن سوء التغذية والضغط النفسي والجسدي.

كما اعتبر الظروف داخل بعض الزنازين جزءًا من سياسة عقاب جماعي بحق المعتقلين الفلسطينيين.

هذه توصيفات يقدمها الدفاع، ويظل التحقق من مدى انطباقها على سياسة مؤسسية أوسع بحاجة إلى وثائق وتقارير مستقلة ومقارنة منظمة بين الحالات.

محاجنة تحدث كذلك عن العمل على توثيق الملفات وطرح الانتهاكات أمام مؤسسات دولية، معتبرًا أن استمرار هذه الظروف دون مساءلة يشجع على تكرارها.


آسي حوراني.. «أريد أي اعتراف»

بعد أكثر من عام على هبّة الكرامة، ظل ملف الأحداث مفتوحًا.

في ديسمبر/كانون الأول 2022، داهمت قوة أمنية منزل آسي حوراني في عكا.

لم يكن موجودًا.

وبعد ثلاثة أيام، سلّم نفسه.

دخل حوراني بعدها مرحلة تحقيق استمرت، بحسب شهادته، نحو خمسة عشر يومًا.

يصف غرف التحقيق بأنها «قبور تحت الأرض».

ويقول إن يديه وقدميه كانتا تُقيدان لساعات طويلة، وأنه تعرض للبصق والإهانات والتهديد بأبنائه.

«كانوا يريدون اعترافًا.. أي اعتراف»، كما يقول في شهادته.

لكن أكثر ما هزه كان والدته.

كانت تعاني أمراضًا في القلب والشرايين، ونُقلت بالفعل إلى المستشفى.

بعد أيام من اعتقاله، يقول آسي إن المحققين أخبروه بأنها ماتت.

لأن لديه معلومة مسبقة بأنها كانت مريضة وفي المستشفى، صدق الرواية.

يقول إنه وصل في تلك اللحظة إلى مرحلة فكر فيها بالانتحار.

كان مستعدًا، وفق شهادته، لقول ما يريد المحققون سماعه إذا كان ذلك سيتيح له حضور جنازة أمه.

ثم اكتشف أن الخبر لم يكن صحيحًا.

أمه كانت ما تزال على قيد الحياة.

ويقول حوراني إنه حُرم خلال جزء من فترة التحقيق من مقابلة محامٍ، ووُضع داخل زنزانة صغيرة تحت إضاءة مستمرة وهواء بارد.

ويضيف أنه التقى معتقلين آخرين قالوا له إنهم اعترفوا بأفعال لا علاقة لهم بها لكي يتوقف الضغط.


المحامي ماهر تلحمي: قدمنا شكوى ضد «الشاباك»

محامي آسي حوراني، ماهر تلحمي، يقول إنه تقدم بشكوى ضد جهاز الأمن العام الإسرائيلي بشأن طريقة التحقيق مع موكله.

ويدفع بأن القضية لم تستند، حسب رأيه، إلى أدلة مادية دامغة بالقدر الكافي، وأن بعض عناصرها بنيت على تسجيلات وأقوال متهمين آخرين.

ويذهب تلحمي إلى أن بعض أسماء المشتبه بهم ظهرت خلال استجواب أشخاص آخرين، ثم أصبحت مدخلًا لفتح ملفات جديدة.

كما ينتقد استخدام ما يسمى بـ«الملف السري» الذي لا يتمكن الدفاع، بحسب قوله، من الاطلاع على كل محتوياته.

ويرى أن دخول «الشاباك» إلى ملفات تصنف جنائية ثم توصف بأنها ذات خلفية أمنية أو «إرهابية» يمنح الجهاز مساحة أوسع في التحقيق ويحد من قدرة الدفاع على فحص بعض الأدلة.

ويصف تلحمي لحظة الاعتقال والتحقيق بكلمات قاسية:

شخص يُؤخذ من منزله بواسطة وحدات خاصة، ثم ينقل إلى مكان معزول، ويُحرم من النوم ويُقيد ويتعرض للإهانات قبل أن تبدأ معركة الاعتراف.

ويضرب مثالًا بمعتقل آخر هو أدهم بشير، الذي يقول إنه خرج من التحقيق في وضع نفسي بالغ الصعوبة.

وفي قضية آسي حوراني نفسها، تمكن الدفاع من إقناع المحكمة بشطب تهمة «الإرهاب» من ملف القضية، بحسب المادة.

وصدر لاحقًا بحق حوراني حكم بالسجن الفعلي لمدة 18 شهرًا وغرامة مالية قدرها عشرة آلاف شيكل.


القصة تتكرر مرة ثالثة

نور واكد.. صورة السيارة التي «ماتت» فيها أمه

جلست رباب واكد بين عائلات معتقلي هبّة الكرامة وهي تحمل صورة ابنها نور.

من الخارج بدت متماسكة.

لكنها عندما بدأت رواية ما جرى لابنها داخل التحقيق، عادت إلى اللحظة التي تقول إنها غيرت كل شيء.

لم يدخل المحقق، وفق روايتها، ليقول لنور مباشرة: «أمك ماتت».

حدث الأمر بصورة أكثر تعقيدًا.

سمع الشاب حديثًا بين السجانين والمحققين.

ذُكر اسم والدته.

ثم ذُكر «حادث طرق».

وأظهر الموجودون حوله علامات حزن ومواساة.

بعد ذلك، بحسب والدته، وُضعت أمام نور صورة لسيارة محطمة تحمل لوحة التسجيل الخاصة بسيارة أمه.

بالنسبة إلى شاب معزول عن أسرته ولا يستطيع الاتصال بالعالم الخارجي، بدت العناصر مترابطة.

حادث.

سيارة والدته.

حديث عن الموت.

صدّق أن أمه ماتت.

وتقول رباب إن ابنها انهار ووقع على إفادة وهو تحت وقع الصدمة.

ثم، بعد التوقيع، جاء السؤال الذي كشف له الخديعة:

«من تريد أن تكلم الآن.. أمك أم أباك؟»

عندها أدرك، بحسب رواية والدته، أن أمه لم تمت.

وأن ما صدقه داخل غرفة التحقيق لم يكن حقيقة.


آثار القيود على المعصمين

تقول رباب إنها شاهدت ابنها بعد انتهاء مرحلة التحقيق، ولاحظت آثار القيود على يديه.

وتضيف أنه فقد وزنًا واضحًا وكان في حالة نفسية سيئة.

وبحسب روايتها، أبلغها نور بأن جلسات التحقيق كانت تتضمن تقييده لفترات طويلة داخل غرفة شديدة البرودة.

وتذكر الأم كذلك أنه شكا من مذاق غريب للماء.

لكنها لا تقدم دليلًا على وجود مادة غير طبيعية فيه، ولذلك تبقى شكوكها في هذا الجانب في إطار ما لاحظته وما رواه لها ابنها، لا حقيقة مثبتة.

وتشير المادة إلى أن نور خسر نحو 12 كيلوغرامًا من وزنه، وأن ملفه ظل مستمرًا أمام القضاء في الفترة التي جُمعت فيها الشهادة.


المحامي حمودي مصري: الخداع النفسي يمس إرادة المعتقل

محامي نور، حمودي مصري، يعتبر أن استخدام خبر ملفق عن وفاة الأم، إذا ثبتت تفاصيله، لا يمكن فصله عن سؤال قانوني يتعلق بطوعية الاعتراف.

ويقول إن عددًا من ملفات هبّة الكرامة يعتمد، بحسب تقييمه، على اعترافات حصلت في ظل ضغوط نفسية وجسدية، في وقت لا تتوفر فيه دائمًا أدلة مادية قوية.

كما يتهم المحامي أجهزة إنفاذ القانون بالتعامل بصورة مختلفة مع المواطنين العرب مقارنة بيهود شاركوا في أعمال عنف خلال الفترة نفسها.

هذه اتهامات يقدمها الدفاع، وتحتاج إلى موازنتها ببيانات رسمية حول لوائح الاتهام والتحقيقات والأحكام التي صدرت بحق مختلف الأطراف.

لكن بالنسبة إلى مصري، تظل قضية موكله نموذجًا للمشكلة الأوسع:

هل يمكن اعتبار توقيع جاء بعد إيهام شاب بوفاة والدته تعبيرًا كاملًا عن إرادته الحرة؟


محمد عثمان.. التحقيق مع شاب مصاب

تضيف شهادة سمير عثمان، والد محمد عثمان من عكا، جانبًا آخر إلى صورة ظروف التحقيق.

بحسب الوالد، كان ابنه لا يزال يتعافى من إصابة في قدمه عندما جاءت قوة أمنية لاعتقاله.

ويقول إنه حاول إبلاغ عناصر القوة بأن محمد لا يستطيع المشي بصورة طبيعية ويستخدم عكازًا، لكن الاعتقال نُفذ رغم ذلك.

خلال التحقيق، ينقل الأب عن ابنه أنه كان يجلس لفترات تصل إلى تسع ساعات على كرسي دون مسند، وهو مقيد اليدين والقدمين، رغم إصابته.

كما يقول إنه وُضع غطاء أسود على رأسه خلال بعض فترات التحقيق، ما أفقده القدرة على معرفة الوقت وتمييز الليل عن النهار.

وتحدث كذلك عن أسلوب كان يتمثل في إخراج محمد من الزنزانة ثم إعادته إليها بما يوحي بانتهاء التحقيق، قبل استدعائه مجددًا بعد فترة قصيرة، وهو ما اعتبرته الأسرة وسيلة ضغط نفسي.

«زنازين العصافير»

بحسب شهادة الوالد، نُقل محمد لاحقًا إلى ما يعرف بـ«زنازين العصافير».

وفي هذا النوع من الاحتجاز، يوضع المعتقل مع أشخاص يعتقد أنهم معتقلون مثله، بينما تشتبه العائلة في أنهم ينقلون المعلومات إلى جهات التحقيق.

يقول سمير إن ابنه تحدث بحرية إلى أحد الموجودين معه، معتقدًا أنه شخص يمكن الوثوق به أو يساعده، ثم اكتشف لاحقًا أن تفاصيل تلك الأحاديث وصلت إلى المحققين.

ملاحظة تحريرية ضرورية قبل النشر: المادة الأصلية تورد أن محمد عثمان اعتُقل في 17 مايو/أيار 2025، رغم ربط القضية بأحداث هبّة الكرامة في 2021. يجب تثبيت التاريخ من الأسرة أو المحامي أو ملف المحكمة قبل نشر هذه الفقرة بصيغتها النهائية.


نمط يتكرر

بعد قراءة هذه الملفات منفردة، تبدو كل قصة مختلفة.

لكن وضعها إلى جانب بعضها يكشف مجموعة متكررة من الأدوات التي تظهر في أكثر من شهادة:

  • العزل عن الأسرة والعالم الخارجي.
  • تقييد اليدين والقدمين لفترات طويلة.
  • إبقاء المعتقل على كرسي ساعات متواصلة.
  • اضطراب النوم والإضاءة المستمرة.
  • استخدام البرودة أو ظروف الزنزانة كعامل ضغط.
  • التهديد بأفراد الأسرة.
  • الإيهام بوفاة الأم أو الطفل.
  • استخدام صور الأقارب للضغط العاطفي.
  • تأخير الوصول إلى المحامي في بعض الحالات وفق روايات أصحابها.
  • الاعتراف أو التوقيع بعد بلوغ حالة نفسية شديدة.

لا يثبت التشابه وحده أن كل الحالات نتاج سياسة واحدة.

لكنه يجعل فرضية «الحالات الفردية المعزولة» بحاجة هي الأخرى إلى اختبار.

خصوصًا أن بعض الروايات لا تأتي فقط من الأهالي، بل من محامين يقولون إنهم أثاروا مسألة ظروف التحقيق أمام المحاكم أو تقدموا بشكاوى بشأنها.


اعتراف تحت الضغط.. ماذا يعني قانونيًا؟

القضية الجوهرية في هذا التحقيق ليست فقط ما إذا كان المعتقل تعرض لمعاملة سيئة.

هناك مسألة قضائية أكثر مباشرة:

ماذا يحدث عندما تتحول أقوال أخذت في تلك الظروف إلى دليل يستخدم في المحاكمة؟

المحامون خالد محاجنة وماهر تلحمي وحمودي مصري وبدر إغبارية، الذين تولوا الدفاع عن عدد من المعتقلين الواردة أسماؤهم في التحقيق، يشككون بدرجات مختلفة في سلامة الاعترافات المنتزعة خلال التحقيقات.

ويرى بعضهم أن الضغط النفسي قد يكون في بعض الحالات أكثر تأثيرًا من الضرب المباشر.

فإخبار معتقل بأن أمه ماتت، أو أن ابنه مات، أو أنه لن يرى أسرته مرة أخرى، يمكن أن يدفعه إلى تقديم الإجابة التي يعتقد أنها ستنهي الموقف.

وهنا يصبح السؤال عن الاعتراف سؤالًا عن الإرادة:

هل قال المتهم ما قاله لأنه حدث فعلًا؟

أم لأنه اعتقد أن الاعتراف هو الطريق الوحيد لإنهاء الألم النفسي أو الخروج لرؤية أسرته؟


دفاع يطالب بإعادة فحص الاعترافات

من الشهادات القانونية التي جمعها التحقيق تبرز مجموعة من المطالب.

أولها إعادة فحص الاعترافات التي يقول الدفاع إنها جاءت في ظروف ضغط نفسي أو جسدي، خصوصًا في القضايا التي تتضمن روايات عن فبركة وفاة قريب أو استخدام أفراد الأسرة وسيلة للضغط.

ويرى المحامون أن الاعتراف الذي يثبت أنه انتُزع بالإكراه يجب ألا يعامل باعتباره دليلًا عاديًا.

كما يدعو بعضهم إلى تقديم شكاوى جماعية بشأن أساليب التحقيق، بدل إبقاء كل قضية منفصلة عن الأخرى.

الفكرة هنا أن تجميع الوقائع المتشابهة قد يكون ضروريًا لمعرفة ما إذا كانت هناك ممارسات تتكرر بصورة مؤسسية.


«الملف السري» وحق الدفاع

من النقاط التي يثيرها المحامي ماهر تلحمي أيضًا استخدام ما يعرف بالملفات السرية.

ويرى أن منع الدفاع من الوصول الكامل إلى مواد تتعلق بالقضية يضعف قدرته على فحص الأدلة ومواجهتها.

ويطالب بتقييد استخدام هذه المواد، وكذلك بمراجعة حدود تدخل «الشاباك» في القضايا التي تبدأ كملفات جنائية ثم تُمنح بعدًا أمنيًا أو توصف بأنها ذات خلفية «إرهابية».

بالنسبة إلى الدفاع، لا يتعلق الأمر بمصطلح قانوني فقط، بل بما يترتب عليه من صلاحيات تحقيق أوسع وقيود أكبر على الوصول إلى بعض المعلومات.


من التوثيق المحلي إلى المؤسسات الدولية

يرى المحامون الذين تحدثوا في المادة أن التوثيق لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الشكاوى المحلية.

ويطالبون بجمع الأدلة المتعلقة بالحرمان من النوم، والعزل، والتقييد، والتهديدات النفسية، والظروف الجسدية داخل الزنازين، وإعداد ملفات قانونية يمكن تقديمها إلى جهات حقوقية وقضائية دولية.

ويتحدث المحامي خالد محاجنة عن أهمية نقل ما يمكن توثيقه إلى المؤسسات الدولية، بينما يرى محامون آخرون أن غياب المحاسبة المحلية الفاعلة يزيد الحاجة إلى مسارات خارجية.

وتبقى قابلية أي ملف للوصول إلى جهة قضائية دولية مرتبطة بمعايير الاختصاص والأدلة والإجراءات القانونية، وليس بمجرد حجم الانتهاكات المزعومة.


خارج الزنازين.. عائلات تقاتل وحدها

لا تنتهي قصة معتقلي هبّة الكرامة عند باب السجن.

خلف كل ملف، هناك عائلة تعيش لسنوات بين الجلسات والمحامين والزيارات والانتظار.

الناشط مراد حداد، من شفاعمرو، رافق عددًا من هذه العائلات.

ويقول إن أحد أكثر المشاهد قسوة بالنسبة إليه كان انهيار الأمهات في المحاكم.

أمهات يحاولن التماسك أمام الأبناء.

آباء يحاولون إخفاء الخوف.

وأسر تشعر في بعض الأحيان أنها تخوض المواجهة وحدها.

بالنسبة إلى حداد، تطرح القضية سؤالًا على المجتمع الفلسطيني نفسه.

إذا كانت احتجاجات 2021 حملت اسم «هبّة الكرامة»، فماذا عن الأشخاص الذين ظلوا بعد سنوات يواجهون أحكامًا طويلة وإجراءات قضائية ممتدة؟

يقول حداد، مستعيدًا تجربته الشخصية مع الاعتقال في مراحل سابقة من حياته، إن أقسى ما قد يشعر به المعتقل هو ألا يجد أحدًا ينتظره خارج المحكمة.

وسؤاله الذي أنهى به حديثه كان شديد البساطة:

«هبّة الكرامة؟ كرامة مين؟ وين الناس؟»


من «وفاة الأم» إلى «وفاة الابن».. المصادفة التي تحتاج تفسيرًا

ربما يكون أكثر ما يلفت الانتباه في الشهادات التي يجمعها هذا التحقيق هو تكرار الأسلوب نفسه في ملفات متعددة.

محمد أبو رومي، وفق والدته، أُبلغ أن أمه ماتت.

آسي حوراني يقول إنه أُبلغ بوفاة أمه.

نور واكد، بحسب والدته، أُوهم بوفاتها عبر حديث وصورة سيارة محطمة.

راني فيران، وفق محاميه، أُبلغ بأن طفله مات.

يمكن النظر إلى كل واقعة باعتبارها ادعاءً منفردًا يحتاج إلى إثبات.

لكن عندما تتكرر الفكرة نفسها — استخدام موت شخص عزيز لدفع المعتقل إلى الانهيار — يصبح التشابه نفسه معلومة تستحق التحقيق.

هل تسمح التعليمات الداخلية للمحققين بمثل هذه الأساليب؟

هل توجد قواعد تحدد حدود الخداع أثناء الاستجواب؟

هل ناقشت المحاكم هذه الأساليب عندما طعن الدفاع في الاعترافات؟

هل أجرت جهة مستقلة تحقيقًا في الشكاوى؟

وإذا كان استخدام مثل هذه الأساليب قد حدث بالفعل في أكثر من ملف، فمن أقره ومن راقبه؟


الاعتراف ليس نهاية القصة

داخل النظام القضائي، قد يبدو الاعتراف وثيقة قصيرة تحمل توقيع المتهم.

لكن ما يحدث قبل التوقيع قد يكون أكثر أهمية من الورقة نفسها.

هذا ما تحاول شهادات العائلات والمحامين قوله.

فالمعتقل الذي يعرف الوقت، وينام بصورة طبيعية، ويستطيع التواصل مع محاميه وأسرته، ليس في الحالة النفسية ذاتها لشخص معزول لا يعرف الليل من النهار ويعتقد أن أمه أو طفله مات.

والفرق بين الحالتين ليس تفصيلًا إنسانيًا فقط.

إنه سؤال يتعلق بقيمة الدليل نفسه.

ولهذا يطالب المحامون الذين تحدثوا في التحقيق بإعادة فحص الحالات التي أثيرت فيها ادعاءات الإكراه أو الخداع النفسي، وعدم الاكتفاء بوجود توقيع على ورقة باعتباره دليلًا نهائيًا على طوعية ما ورد فيها.


ما الذي يحتاج إلى إجابة رسمية؟

بعد خمس سنوات من هبّة الكرامة، لا تزال هناك مجموعة من الأسئلة التي لا تقدم المادة التي بين أيدينا إجابات رسمية عنها:

كم عدد الشكاوى التي قدمها معتقلون بشأن طرق التحقيق المرتبطة بأحداث مايو 2021؟

كم شكوى منها فُتح بشأنها تحقيق؟

وكم شكوى أُغلقت؟

هل تسمح الإجراءات الداخلية باستخدام أخبار كاذبة عن وفاة أحد أفراد الأسرة أثناء التحقيق؟

ما الحدود التي تضعها التعليمات الإسرائيلية للخداع النفسي؟

وما المعايير المتعلقة بتقييد المصابين داخل المستشفيات؟

هل راجعت المحاكم تسجيلات التحقيق في القضايا التي طعن الدفاع في اعترافاتها؟

وفي الملفات التي لا توجد فيها أدلة مادية مباشرة، إلى أي مدى اعتمد الاتهام على أقوال متهمين آخرين؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا جانبيًا.

إجاباتها يمكن أن تحدد ما إذا كانت الوقائع التي تصفها العائلات مجرد حالات متفرقة، أم أن هناك نمطًا أوسع يحتاج إلى مساءلة.


خمس سنوات بعد الهبّة.. ماذا بقي؟

في مايو 2021، كانت الكاميرات في الشوارع.

وثقت المواجهات والمظاهرات والاعتقالات.

لكن الجزء الذي تصعب رؤيته بدأ بعد إغلاق أبواب سيارات الشرطة وغرف التحقيق.

هناك، لا توجد كاميرا صحفي.

ولا أم تستطيع الوصول إلى ابنها.

ولا أسرة تعرف دائمًا أين يوجد المعتقل وماذا يقال له.

بعد سنوات، بدأت بعض التفاصيل تخرج عبر المحاكم والمحامين والعائلات.

شاب يقول إنه صدق أن أمه ماتت.

آخر يقول إن المحققين استخدموا أطفاله.

أم تتحدث عن ابن مقيد وهو فاقد الوعي.

أم أخرى بالكاد تعرف ابنها بعدما فقد الكثير من وزنه.

ومحامون يقولون إن بعض الاعترافات لا يمكن فصلها عن الظروف التي انتُزعت فيها.

لا يكفي هذا التحقيق وحده لإصدار حكم على منظومة كاملة.

لكنه يكفي لطرح سؤال لا ينبغي أن يبقى خلف الأبواب المغلقة:

إذا كان الاعتراف هو أحد أهم الأدلة التي يمكن أن تحرم إنسانًا من حريته لسنوات، فمن يضمن أن الكلمات التي كُتبت باسمه كانت كلماته فعلًا، وليست الكلمات التي اضطر إلى قولها كي يتوقف الضغط؟

خمس سنوات مرت على هبّة الكرامة.

لكن بالنسبة إلى كثير من العائلات، لم تنتهِ الأحداث في مايو/أيار 2021.

ففي بعض البيوت ما زالت الهبّة مستمرة حتى اليوم، في صورة موعد محكمة، أو زيارة سجن، أو حكم طويل، أو ابن عاد مختلفًا عما كان عليه.

أما الحقيقة الكاملة بشأن ما جرى داخل غرف التحقيق، فما زال جزء منها ينتظر أن يُفتح له الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى