الأزمة الاقتصادية للأسرى الفلسطينيين المحررين
كتبت: حنين غالب
يُعد ملف المخصصات المالية للأسرى الفلسطينيين المحررين وعائلات الشهداء والجرحى واحدًا من أكثر الملفات الفلسطينية حساسية، لتداخله بين الأبعاد الوطنية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وفي 10 فبراير/شباط 2025، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا ألغى بموجبه مواد في القوانين والأنظمة السابقة التي كانت تنظم صرف المخصصات المالية للأسرى وعائلات الشهداء والجرحى، ونقل مسؤولية تقديم الدعم إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي، بحيث يخضع المستفيدون لمعايير ترتبط بالحاجة والوضع الاجتماعي والاقتصادي.
وقدمت السلطة الفلسطينية القرار باعتباره جزءًا من عملية إصلاح لنظام الحماية الاجتماعية وتعزيز فرص استعادة المساعدات الدولية ومواجهة الأزمة المالية المتفاقمة. لكن القرار أثار في المقابل اعتراضات حادة من مؤسسات الأسرى وقوى وفصائل فلسطينية وعائلات متضررة، رأت فيه مساسًا بالمكانة الوطنية والقانونية للأسرى والشهداء والجرحى.
ووصف قدورة فارس، الرئيس السابق لهيئة شؤون الأسرى والمحررين، التغيير في أكثر من مناسبة بأنه مساس بأحد الملفات الوطنية الأساسية، معتبرًا أن مخصصات الأسرى لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد مساعدات اجتماعية. ويعكس هذا الموقف جانبًا من الخلاف الجوهري حول طبيعة هذه المخصصات: هل هي حق يرتبط بصفة الأسير وتضحياته، أم برنامج حماية اجتماعية ينبغي أن يخضع لمعايير الحاجة الاقتصادية؟
من الراتب إلى عدم اليقين
تكشف شهادات أسرى محررين عن التداعيات المباشرة للتحول الجديد.
عامر عرفة، الذي أمضى تسع سنوات في السجون الإسرائيلية، يقول إنه كان يعتمد منذ عام 2013 على راتب تقاعدي مثّل جزءًا أساسيًا من دخل أسرته. لكنه فوجئ خلال عام 2025 بتوقف المخصص الذي كان يحصل عليه.
وبعد الإفراج عنه، وجد نفسه أمام أزمة اقتصادية مضاعفة: فقدان مصدر ثابت للدخل، وتراجع فرص العمل الصحفي في ظل الحرب والاضطرابات الاقتصادية.
ويقول عرفة إن المخصص كان يغطي قرابة ثلثي احتياجات أسرته، وإن توقفه أحدث تحولًا جذريًا في قدرتها على تدبير النفقات الأساسية.
ولا ينظر عرفة إلى القضية من زاوية مالية فقط، بل يعتبر أن إخضاع الأسرى المحررين لمعيار «الحالة الاجتماعية» ينقلهم، من وجهة نظره، من موقع أصحاب حقوق مرتبطة بتجربتهم في الأسر إلى موقع متلقي المساعدات.
وهو موقف يتقاطع مع الاعتراض الأساسي لعدد من مؤسسات الأسرى التي ترى أن المشكلة ليست في إنشاء شبكة حماية اجتماعية، وإنما في إلغاء الصفة القانونية والسياسية الخاصة بمخصصات الأسرى.
اتهامات بالتمييز
وتبرز شهادة أسير محرر آخر، فضّل الإشارة إليه بالأحرف الأولى «ح.ب»، جانبًا آخر من الجدل.
يقول إن مخصصاته لم تتوقف، ويربط ذلك بانتمائه السياسي، معتبرًا أن هذا الانتماء وفر له حماية لم تتوافر لأسرى آخرين.
ولا يمكن تعميم هذه الشهادة الفردية أو اعتبارها دليلًا كافيًا على وجود سياسة رسمية للتمييز الفصائلي، لكنها تطرح سؤالًا يستحق التحقيق: هل طُبقت معايير الاستحقاق الجديدة بصورة موحدة وشفافة على جميع المستفيدين؟
وهو سؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل شكاوى متكررة من أسرى محررين وعائلات شهداء بشأن تفاوت أو تأخر صرف المخصصات.
فغياب البيانات التفصيلية والشفافية الكاملة حول المستفيدين والمرفوضين وأسباب القرارات يفتح المجال أمام الشكوك، خصوصًا في ملف شديد الحساسية السياسية.
الأسر لا الأسرى فقط
لا تنحصر التداعيات في الأسرى المحررين أنفسهم، بل تمتد إلى أسر كاملة اعتمدت لسنوات على هذه المخصصات باعتبارها جزءًا من دخلها الأساسي.
جميلة، زوجة أسير سابق فضلت عدم ذكر اسمه، تصف كيف انتقلت أسرتها من قدر نسبي من الاستقرار الاقتصادي إلى حالة من الضيق الشديد.
تقول إن زوجها كان قبل الاعتقال يعمل ويتمتع بوضع اقتصادي جيد، لكنه خرج من تجربة الأسر بقدرة أقل على العمل بسبب العمر وتراجع وضعه الصحي.
وخلال سنوات سابقة، كانت الأسرة تتمكن من سد بعض احتياجاتها بمساعدة الأقارب، وخاصة أفراد كانوا يعملون داخل إسرائيل. إلا أن الحرب التي اندلعت في أكتوبر/تشرين الأول 2023 أغلقت جزءًا كبيرًا من سوق العمل الإسرائيلي أمام الفلسطينيين، فانكمشت بذلك إحدى أهم شبكات الدعم الاقتصادي التقليدية للعائلات.
ومع تراجع العمل والمساعدات العائلية وتوقف المخصصات، أصبحت الأسرة تواجه ضغطًا ماليًا متزايدًا.
تكشف هذه الشهادة أن أثر القرار لا يمكن قياسه فقط بعدد المستفيدين المباشرين، لأن راتب أسير محرر أو مخصص عائلة شهيد قد يمثل في الواقع مصدر دخل لأسرة ممتدة بأكملها.
اقتصاد لا يحتمل صدمات إضافية
تأتي أزمة المخصصات في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية التي مر بها الفلسطينيون منذ عقود.
فمنذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعرض الاقتصاد الفلسطيني لانكماش غير مسبوق، خاصة في قطاع غزة.
وبحسب تقديرات منظمة العمل الدولية، بلغ متوسط البطالة في غزة قرابة 80% خلال السنة الأولى من الحرب، بينما تجاوزت 34% في الضفة الغربية، وتراجع الناتج المحلي في غزة بأكثر من 80% مقارنة بالفترة السابقة.
كما تضررت الضفة الغربية من القيود على الحركة وإغلاق سوق العمل الإسرائيلي أمام أعداد كبيرة من العمال الفلسطينيين، إضافة إلى أزمة أموال المقاصة التي تجمعها إسرائيل نيابة عن السلطة الفلسطينية.
وقد أدى استمرار احتجاز جانب كبير من هذه الإيرادات إلى أزمة سيولة حادة أجبرت السلطة الفلسطينية على دفع رواتب موظفيها بشكل جزئي ومتقطع.
وفي عام 2025 ظهرت مؤشرات تعافٍ محدودة في بعض قطاعات الضفة الغربية، لكن هذه المؤشرات لم تكن كافية لإعادة مستويات المعيشة إلى ما كانت عليه قبل الحرب.
وبذلك، يأتي تعديل نظام مخصصات الأسرى في بيئة اقتصادية هشة للغاية، ما يجعل فقدان أي دخل ثابت أكثر تأثيرًا في حياة الأسر.
بين الضغط الدولي والأزمة الداخلية
لا يمكن فصل التغيير في نظام المخصصات عن السياق السياسي الدولي.
فقد تعرضت السلطة الفلسطينية لسنوات لضغوط أمريكية وإسرائيلية متزايدة لإنهاء النظام السابق، الذي كان يربط قيمة المخصصات في بعض الحالات بمدة الأسر.
وترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن النظام السابق يمثل حافزًا ماليًا لأعمال العنف، وهو توصيف ترفضه جهات فلسطينية ترى أن المخصصات جزء من مسؤولية وطنية واجتماعية تجاه الأسرى وعائلاتهم.
ومنذ عام 2018، ربطت تشريعات أمريكية جانبًا من المساعدات المقدمة للسلطة الفلسطينية بوقف هذه المدفوعات، بينما تقوم إسرائيل باقتطاع مبالغ من أموال الضرائب الفلسطينية تعادل، وفق حساباتها، قيمة المخصصات المدفوعة للأسرى وعائلات الشهداء.
وفي فبراير/شباط 2025، اختارت القيادة الفلسطينية إعادة صياغة النظام بأكمله على أساس الاحتياج الاجتماعي، في محاولة لمعالجة أحد الملفات التي تعرقل علاقاتها المالية والسياسية مع الولايات المتحدة والمانحين.
لكن هذه الخطوة أنتجت أزمة داخلية موازية بين متطلبات الإصلاح الخارجي ومفهوم «الحق الوطني» لدى قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني.
الأزمة أعمق من مجرد راتب
تكشف شهادات عامر عرفة و«ح.ب» وجميلة عن طبقات مختلفة من المشكلة.
فالأزمة بالنسبة إلى الأسرى المحررين لا تقتصر على قيمة مالية شهرية، بل تشمل القدرة على العودة إلى سوق العمل بعد سنوات من الاعتقال، والحالة الصحية، والعمر، ومحدودية فرص التأهيل المهني، إلى جانب تراجع شبكات التكافل الاجتماعي بسبب الحرب.
ولهذا فإن معالجة الملف تحتاج إلى أكثر من إعادة المخصصات بصورتها القديمة أو الاكتفاء ببرنامج مساعدات اجتماعية جديد.
المطلوب هو نظام قانوني واقتصادي واضح وشفاف يحدد حقوق الأسرى المحررين وعائلات الشهداء والجرحى، مع الفصل بين الاعتراف بوضعهم القانوني والوطني وبين تقييم احتياجاتهم الاجتماعية.
كما يتطلب الأمر نشر معايير مؤسسة التمكين بصورة واضحة، وإتاحة آلية اعتراض مستقلة لمن تُرفض طلباتهم، وإصدار بيانات دورية تكشف عدد المستفيدين وحجم الدعم وأسباب وقف أو استمرار المخصصات.
فالشفافية وحدها يمكن أن تقلص الاتهامات بالتمييز السياسي أو الفصائلي.
قضية كرامة وصمود
في النهاية، يكشف ملف مخصصات الأسرى عن أزمة أكبر تواجه النظام الفلسطيني نفسه: كيف يمكن تنفيذ إصلاحات مالية وإدارية تحت الاحتلال وفي ظل اعتماد كبير على المساعدات الخارجية وأموال الضرائب التي تتحكم إسرائيل في تحويلها؟
الإجابة ليست سهلة.
لكن تحويل قضية شديدة الحساسية إلى قرارات مالية تفتقر في نظر المتضررين إلى الوضوح والتدرج قد يؤدي إلى نتائج اجتماعية وسياسية عكسية.
فالأسرى المحررون لا يواجهون فقط آثار سنوات الاعتقال، وإنما يدخل كثير منهم إلى مجتمع يعاني البطالة والفقر والانكماش الاقتصادي وانهيار سوق العمل.
ولهذا، فإن أي سياسة جديدة ينبغي أن تحقق معادلة صعبة: الحفاظ على كرامة الأسرى وعائلات الشهداء والجرحى، وضمان العدالة بين المستفيدين، وفي الوقت نفسه بناء نظام حماية اجتماعية قادر على الاستمرار ماليًا.
فشل هذه المعادلة لن ينتج أزمة رواتب فحسب، بل قد يوسع الشعور بالتهميش وفقدان الثقة في المؤسسات، ويضيف ضغطًا جديدًا إلى مجتمع فلسطيني يواجه أصلًا واحدة من أقسى أزماته الاقتصادية والسياسية منذ عقود.




