أخبارتقارير و تحقيقات

السودان: أزمة جامعة «الأحفاد» بين مطرقة الحرب وقرارات الإدارة ومظلة التعليم العالي

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
​تقرير: مصعب محمد

تواجه قرابة 600 طالبة في كلية الطب بجامعة «الأحفاد للبنات» في السودان أزمةً إنسانية وأكاديمية متفاقمة، تهدد المستقبل التعليمي لآلاف الفتيات اللواتي وجدن أنفسهن ضحايا لخيارات إدارية معقدة في ظل حرب طاحنة دخلت عامها الرابع.

خيارات “تعجيزية”: 6000 دولار أو التجميد القسري

ومع استمرار انقطاع الدراسة بصورة متقطعة منذ بداية الحرب، وضعت إدارة الجامعة طالباتها أمام خيارات محدودة وصفتها الطالبات بـ«التعجيزية»؛ إذ حُصر استئناف التعليم في فرعين فقط: الأول في مدينة بربر شمالي السودان، والثاني في مدينة العلمين بجمهورية مصر العربية، وبتكلفة مالية باهظة تصل إلى نحو 6000 دولار أمريكي، وهو ما يتجاوز تماماً القدرات المالية لغالبية الأسر السودانية التي كابدت أهوال النزوح وأنهكتها الحرب.

صوت الضحية: رسوم مسبقة وتهديد بالحرمان من الامتحانات

تروي سليمى سامي، طالبة في المستوى الرابع بكلية الطب، تفاصيل المعاناة من الداخل لـ«مراسلين»، موضحةً أن الطالبات وقعن في مأزق مالي وأكاديمي خانق؛ إذ طالبتهن الإدارة بدفع رسوم السنة الرابعة مقدماً قبل أوانها، مهدِّدةً بالحرمان من الامتحانات. وتشير سليمى إلى أن الطالبات لم يتلقّين أي تعليم طوال فترة الحرب، في حين تتماطل الإدارة في تفعيل منصات التعليم الإلكتروني بحجج واهية، وتُخيّرهن بين الدراسة في مراكز بديلة بتكلفة تصل إلى ملايين الجنيهات السودانية أو التجميد القسري.

التشخيص النفسي: إحباط مزمن وتدنٍّ في تقدير الذات

حول الأثر النفسي لهذه الأزمة، تُفكّك الأخصائية النفسية دعاء طارق أبعاد الحالة قائلةً لـ«مراسلين» إن التجاهل المستمر والمطوّل لمطالب الطالبات يُولّد حالةً قاسية من الإحباط المزمن. وتؤكد أن الخوف من ضياع سنوات العمر الأكاديمي، والمقارنة المؤلمة مع أقران في جامعات استأنفت الدراسة، أدّيا إلى تدنّي تقدير الذات لدى كثيرات منهن، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية التي تدفعهن إلى الانخراط الاضطراري في سوق العمل وتُفاقم شعورهن بالذنب تجاه أسرهن.

واقع بربر: سرقات وغياب المختبرات الطبية

لا تتوقف المعاناة عند الشق المالي؛ إذ نقلت طالبات من داخل المقر البديل في جامعة الشيخ عبد الله البدري بمدينة بربر شهاداتٍ لـ«مراسلين» — حُجبت أسماؤهن حفاظاً على سلامتهن الأكاديمية — كشفن فيها عن بيئة معيشية ودراسية بالغة السوء تفتقر لأدنى المقومات الأساسية.

وتؤكد الطالبات أن المقر البديل يعاني غياباً تاماً للأمن داخل الداخليات، مما يعرّضهن لخطر السرقات المتكررة وتسلل الغرباء، فضلاً عن أزمة مياه حادة، إذ تتوفر المياه «ملوثةً وغير صالحة للاستخدام»، مما أدى إلى انتشار أمراض المعدة والملاريا وسط شُح في الرعاية الطبية والأمصال المنقذة للحياة. وعلى الصعيد الأكاديمي، شكت الطالبات من غياب المختبرات الطبية التي سافرن إلى بربر تحديداً من أجلها، وتضارب الجداول بسبب ضيق القاعات التدريسية، وسط ما وصفنه بـ«الإهمال الإداري المستمر من إدارة جامعة الأحفاد الغائبة تماماً عن شكاويهن».

على صعيد المواقف النقابية، دخل تجمع العاملين بمؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي على خط الأزمة. وفي حديثه لـ«مراسلين»، أكد حمدي عبد الرحيم ورقة، الناطق الرسمي باسم التجمع، أن التعليم الإلكتروني بات أداةً حيوية للحد من الفاقد الأكاديمي الذي تسببت فيه الحرب، داعياً إلى شراكة حقيقية بين الجامعات والجهات الداعمة لتذليل العقبات التقنية، ومشدّداً على أن توفير بيئة سليمة وآمنة للطالبات في المراكز البديلة التزامٌ أساسي لا يمكن التنازل عنه.

القرار الوزاري رقم 87 لسنة 2026: مظلة قانونية تحمي الطالبات من الإقصاء

وفي خطوة حاسمة لحماية حقوق الطالبات، يُشير تجمع العاملين إلى صدور القرار الوزاري رقم (87) لسنة 2026 عن وزير التعليم العالي أ.د. أحمد مضوي موسى، الذي يُلزم مؤسسات التعليم العالي كافةً بحفظ مقاعد الطلاب المنقطعين عن الدراسة بسبب الظروف الاستثنائية، وعدم اعتبارهم مستقيلين، وإعادة استيعابهم في مقاعدهم بحد أقصى بداية العام الدراسي 2027-2028. مما يمنح الطالبات مظلةً قانونية وسيادية قوية ضد أي قرارات تسريح أو إقصاء.

جامعة الأحفاد ترد: الدراسة مستمرة وفق اللوائح الأكاديمية

حرصاً على المهنية والتوازن الصحفي، تواصلت «مراسلين» مع مدير الجامعة البروفيسور قاسم بدري وعميدة كلية الطب الدكتورة إيناس عزيز، لكنها لم تتلقَّ رداً مباشراً.

وفي المقابل، حصلت «مراسلين» على البيان التوضيحي الرسمي الصادر عن إدارة الجامعة بتاريخ 2 يونيو 2026، الذي نفت فيه إجبار الطالبات على تقديم استقالاتهن، مؤكدةً أن جميع الطالبات — لا سيما في كليتَي الطب والصيدلة — مستمرات في دراستهن بصورة طبيعية وفق اللوائح الأكاديمية المعتمدة، وداعيةً إلى تحري الدقة واستقاء المعلومات من المصادر الرسمية.

وفي ظل هذا التناقض الصارخ بين الشكاوى والبيانات الرسمية، يظل مستقبل طالبات الأحفاد رهيناً بالأيام القادمة ومدى التزام الإدارة بالقرارات الوزارية الصادرة لحمايتهن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews