السودان أمام مقترح أمريكي لهدنة 90 يوماً.. خلافات جوهرية حول الانسحاب والانتقال السياسي

وثائق وإفادات اطلعت عليها «مراسلين» تكشف ملامح المبادرة، فيما تؤكد واشنطن أن الخلافات لا تقتصر على قضية واحدة
مصعب محمد | خاص – مراسلين
الخرطوم – دخلت الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان مرحلة دقيقة، بعد الكشف عن تفاصيل مقترح أمريكي جديد يتضمن إعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار وإطلاق عملية سياسية تقود إلى تشكيل حكومة مدنية انتقالية.
ورغم ما أُثير عن قبول مبدئي للمقترح من جانب طرفي النزاع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تشير الردود المتبادلة والتوضيحات الأمريكية الأخيرة إلى استمرار خلافات جوهرية بشأن عدد من الملفات الأمنية والسياسية، وفي مقدمتها نطاق انسحاب قوات الدعم السريع من المدن والمناطق التي تسيطر عليها.
وبحسب وثائق وإفادات اطلعت عليها «مراسلين»، تسلمت الحكومة السودانية، التي يقودها الجيش، المقترح الأمريكي في 20 يونيو/حزيران الماضي، قبل أن تقدم ردها الرسمي عليه في 25 من الشهر نفسه.
غير أن المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس نفى لاحقاً صحة التقارير التي تحدثت عن قبول القضايا الجوهرية بالكامل، أو انحصار الخلاف في قضية واحدة، مؤكداً أن عدداً من المسائل الأساسية لا يزال موضع نقاش، وأن بعضها لم يحظَ بالقبول أو قوبل بالرفض.
هدنة إنسانية وترتيبات أمنية

تقترح المبادرة الأمريكية إعلان هدنة إنسانية فورية لمدة 90 يوماً، بهدف وقف الأعمال القتالية، وحماية المدنيين، وفتح الطرق أمام المساعدات الإنسانية، تمهيداً للدخول في مفاوضات بشأن وقف دائم لإطلاق النار.
وينص المقترح على تشكيل لجنة للتنسيق ومراقبة تنفيذ الهدنة، بمشاركة مراقبين دوليين، إلى جانب إنشاء آلية تقودها الأمم المتحدة للتحقق من التزام الأطراف، ومعالجة الانتهاكات والخلافات التي قد تنشأ خلال فترة وقف القتال.
ولا تقتصر المبادرة على الجانب الإنساني، بل تتضمن ترتيبات أمنية تشمل نزع سلاح المقاتلين وتسريحهم، أو تجميع القوات في معسكرات خارج المدن، تمهيداً لإعادة دمج المؤهلين منهم ضمن جيش وطني موحد يخضع لسلطة حكومة مدنية.
كما يدعو المقترح إلى إنهاء أشكال الدعم العسكري الخارجي، ووقف تدفقات الأسلحة إلى طرفي النزاع، وإبعاد المقاتلين والمرتزقة الأجانب، بما يحد من التدخلات التي أسهمت في إطالة أمد الحرب.
مسار سياسي وحكومة مدنية
على المستوى السياسي، تطرح المبادرة إطلاق عملية انتقالية «يملكها السودانيون»، تقود إلى تشكيل حكومة مدنية وإجراء انتخابات، بالتوازي مع توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية وإنهاء وجود التشكيلات المسلحة الموازية.
ووفق المعلومات الواردة في الوثائق، يدعو المقترح إلى استبعاد جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة، إلى جانب الأفراد والتشكيلات المسلحة المتهمة بارتكاب فظائع وانتهاكات واسعة خلال الحرب.
وتشمل المبادرة أيضاً إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار السودان، ووضع خطة عاجلة للتعافي الاقتصادي وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية والخدمات الأساسية والبنية التحتية التي تضررت بفعل الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.

الجيش يطالب بانسحاب شامل
في رده الرسمي المؤرخ في 25 يونيو/حزيران، أبدى الجانب السوداني تفاعلاً إيجابياً مع عدد من بنود المقترح، من بينها الهدنة الإنسانية، ووحدة السودان، وإنهاء التدخلات الخارجية، وإطلاق مسار سياسي يقود إلى حكم مدني.
إلا أن الجيش سجل تحفظاً جوهرياً على بند إعادة الانتشار، وتمسك بانسحاب قوات الدعم السريع انسحاباً كاملاً من جميع المدن والمناطق التي سيطرت عليها منذ 11 مايو/أيار 2023، وهو تاريخ توقيع إعلان جدة لحماية المدنيين.
ويطالب الجيش بتنفيذ الانسحاب وفق جدول زمني واضح، يشمل إخلاء الأحياء السكنية والمنازل والمنشآت الحكومية والأعيان المدنية، وتجميع قوات الدعم السريع في مواقع محددة خارج المدن والتجمعات السكانية.
وترى قيادة الجيش أن القبول بانسحابات محدودة قد يؤدي إلى تكريس السيطرة الميدانية الحالية لقوات الدعم السريع، ومنحها شرعية غير مباشرة داخل المناطق والمنشآت التي تسيطر عليها.
انسحابات محدودة في المقترح الأمريكي
في المقابل، تركز الصيغة الأمريكية على تنفيذ انسحابات محدودة وإعادة تموضع في المرحلة الأولى، بهدف حماية المدنيين وفتح الطرق أمام المساعدات الإنسانية، مع إعطاء الأولوية للمناطق الأكثر توتراً في شمال دارفور وشمال كردفان.
ووفق هذا التصور، يُبحث الانسحاب العسكري الشامل ضمن مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية، وليس باعتباره شرطاً يجب تنفيذه بالكامل قبل بدء الهدنة الإنسانية.
ويخشى الوسطاء من أن يؤدي اشتراط تغيير خريطة السيطرة العسكرية قبل إعلان الهدنة إلى تعطيل الاتفاق، وإطالة أمد العمليات القتالية، ومضاعفة معاناة المدنيين.
وبذلك يتمحور الخلاف حول ما إذا كان الانسحاب الشامل شرطاً سابقاً لبدء الهدنة، أم جزءاً من ترتيبات أمنية مرحلية تُنفذ أثناء وقف إطلاق النار وبعده.
ترحيب من الدعم السريع واختبار على الأرض
من جانبها، أبدت قوات الدعم السريع ترحيباً بالمقترح الأمريكي، وقال مسؤول كبير فيها إن القوة قدمت رداً مكتوباً إلى الوسطاء، من دون الكشف عن التفاصيل الكاملة لموقفها من بنود الانسحاب وإعادة الانتشار.
غير أن هذا الترحيب الدبلوماسي يواجه اختباراً على الأرض، في ظل استمرار العمليات العسكرية والهجمات بالطائرات المسيّرة في إقليم كردفان، ولا سيما في محيط مدينة الأبيض.
كما تواجه قوات الدعم السريع اتهامات دولية وأممية بارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين في دارفور، وصلت، وفق تقارير وتحقيقات دولية، إلى أفعال قد ترقى إلى الإبادة الجماعية، فيما تنفي القوة تعمد استهداف المدنيين.
وتسيطر قوات الدعم السريع على مساحات واسعة من إقليم دارفور، بالتزامن مع إقامة هياكل سياسية وإدارية موازية، وهي خطوة ترفضها الحكومة السودانية ولا تحظى باعتراف دولي.
لقاء كباشي وبولس يثير الجدل
وبالتوازي مع المسار الرسمي، أثار لقاء عُقد في القاهرة في 21 يونيو/حزيران الماضي بين نائب القائد العام للجيش الفريق أول شمس الدين كباشي والمستشار الأمريكي مسعد بولس، جدلاً واسعاً داخل الأوساط السياسية والإعلامية السودانية.
وبحسب المعلومات المتداولة، جاء اللقاء بطلب من الجانب الأمريكي، بعد يوم من اجتماع جمع بولس بوزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم، الذي تسلم المقترح الأمريكي.
وتضاربت الروايات بشأن مدى علم رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان بتفاصيل اللقاء، إذ تحدثت روايات عن انعقاده ضمن تنسيق رسمي، بينما ذهبت أخرى إلى أن بعض جوانبه جرت بعيداً عن البرهان.
وقال الناشط السياسي مجاهد بشرى إن التضارب الإعلامي الذي صاحب اللقاء قد يعكس تعدد دوائر التأثير داخل السلطة الحالية، أو وجود توزيع للأدوار بين خطاب علني متشدد وقنوات تفاوض خلفية تسعى إلى تجنب العزلة الدولية.
ورجح بشرى أن يكون ما جرى جزءاً من «غموض مُدار»، يتمسك خلاله البرهان بخطاب علني يخاطب الحاضنة الداخلية، بينما يتحرك كباشي عبر قنوات خلفية للتفاوض مع الوسطاء الدوليين.
إلا أن هذه القراءة تظل تحليلاً سياسياً لا يمكن التعامل معه بوصفه دليلاً قاطعاً على وجود خلاف داخل قيادة الجيش، في ظل غياب بيان رسمي مفصل يكشف مضمون اللقاء ونتائجه.
جدل حول شروط الهدنة
في مقابل التفاؤل الذي صاحب الكشف عن المقترح، شككت الكاتبة والصحفية رشا عوض في إمكانية قبول قائد الجيش بالهدنة وفق الصيغة المطروحة، معتبرة أن اشتراط الانسحاب الكامل من المدن قبل وقف القتال قد يتحول إلى عقبة أمام تنفيذ المبادرة.
وترى عوض أن الهدن الإنسانية تهدف عادة إلى وقف القتال وتأمين المدنيين وفتح مسارات الإغاثة، بينما تُناقش قضايا الانسحاب الشامل وتغيير مواقع السيطرة خلال مفاوضات وقف إطلاق النار الدائم والتسوية النهائية.
واعتبرت أن تعهد البرهان الأخير في الريف الشمالي بمواصلة ما يسميه الجيش «معركة الكرامة» يعكس استمرار الرهان على الحسم العسكري، منتقدة إدارة الملف عبر التسريبات والتصريحات المتضاربة بدلاً من إعلان موقف رسمي واضح.
في المقابل، يؤكد مؤيدو موقف الجيش أن الانسحاب من المدن ليس شرطاً تفاوضياً جديداً، وإنما التزام سبق أن ورد في إعلان جدة، وأن أي هدنة لا تتضمن إخلاء المنشآت المدنية والمنازل والمرافق الحكومية قد تتحول إلى وسيلة لتثبيت واقع عسكري غير مشروع.

أحكام الإعدام تزيد المشهد تعقيداً
وفي تطور قضائي تزامن مع الحراك الدبلوماسي، أصدرت محكمة مكافحة الإرهاب والجرائم الموجهة ضد الدولة في السودان أحكاماً بالإعدام شنقاً حتى الموت بحق قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو «حميدتي» و15 من قادة القوة.
وشملت الأحكام نائب قائد قوات الدعم السريع عبد الرحيم دقلو وعدداً من القيادات البارزة، على خلفية اتهامات مرتبطة بمقتل والي غرب دارفور خميس أبكر، والأحداث التي شهدتها مدينة الجنينة خلال عام 2023.
كما تضمنت الأحكام إدانات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إلى جانب مصادرة ممتلكات وأموال تابعة لقوات الدعم السريع.
ورفضت قوات الدعم السريع هذه الأحكام، ووصفتها بأنها سياسية وصادرة عن مؤسسات تعمل تحت سيطرة الجيش، إلا أن صدورها قد يزيد من صعوبة الانتقال إلى مفاوضات مباشرة بين الطرفين.
موقف حكومي جماعي
ورغم التعقيدات الميدانية والسياسية والقضائية، أعلن مجلس الأمن والدفاع السوداني، عقب اجتماع برئاسة البرهان، ترحيبه بالمبادرات الرامية إلى تحقيق السلام، وتفاعله الإيجابي مع الورقة المقدمة من دول الوساطة.
وأكد المجلس إعداد رد توافقي بشأن المبادرة، من دون الكشف عن تفاصيله، كما نفى صحة بعض التسريبات المتداولة بشأن مضمون الورقة ومداولات الاجتماع.
ويشير هذا الموقف إلى محاولة إضفاء طابع مؤسسي على تعامل الحكومة مع المبادرة، وتوحيد الخطاب الرسمي بعد الجدل الذي أثارته التصريحات المتضاربة بشأن قبول المقترح الأمريكي أو رفضه.
واشنطن تنفي حسم القضايا الجوهرية
وجاء التوضيح الأمريكي الأخير ليحد من موجة التفاؤل التي رافقت التسريبات بشأن قبول المقترح، إذ أكد مسعد بولس أن التقارير التي تحدثت عن قبول جميع القضايا الجوهرية «غير دقيقة».
وقال بولس في تدوينة على منصة «إكس» إن الادعاءات التي تفيد ببقاء قضية واحدة فقط عالقة ليست صحيحة، مشيراً إلى استمرار المناقشات مع الأطراف المعنية بشأن مقترحات محددة.
وأضاف أن هناك «قضايا جوهرية متعددة لم تُقبل بعد أو قوبلت بالرفض القاطع»، ما يشير إلى أن الخلافات تتجاوز نطاق الانسحاب العسكري إلى ملفات أخرى مرتبطة بالترتيبات الأمنية والانتقال السياسي وآليات تنفيذ الهدنة.
ويضع هذا الموقف حداً للتقديرات التي صورت الاتفاق باعتباره قريباً أو شبه مكتمل، ويكشف عن عمق التباينات القائمة خلف الأبواب المغلقة.
وبين ضغوط واشنطن للتوصل إلى هدنة إنسانية، وتمسك الجيش بانسحاب شامل، وترحيب قوات الدعم السريع الذي لم ينعكس بصورة واضحة على العمليات الميدانية، يبقى مصير المقترح الأمريكي معلقاً على قدرة الوسطاء على تضييق الفجوة بين الطرفين.
ومع استمرار الحرب وتفاقم أزمة النزوح والجوع وانهيار الخدمات الأساسية، لم تعد مسألة الانسحاب العقبة الوحيدة أمام السلام، بل واحدة من مجموعة قضايا أمنية وسياسية شائكة قد تحدد ما إذا كان السودان مقبلاً على هدنة فعلية، أم على جولة جديدة من المفاوضات المتعثرة.



