
شبكة مراسلين
بقلم: رواء هاشم الجنابي – الباحثة بالشأن السياسي – كلية العلوم السياسية – جامعة بغداد
لم تعد الصراعات الدولية المعاصرة تُدار فقط عبر الأدوات العسكرية أو الاقتصادية، بل باتت “السرديات” تمثل ساحة مركزية في التنافس بين الدول.
تشير حرب السرديات إلى الصراع على تشكيل الإدراك العام—محليًا ودوليًا—حول شرعية الفعل السياسي، وتفسير الأحداث، وتحديد من هو “الفاعل المشروع” ومن هو “التهديد”.
في هذا السياق، تمثل العلاقة الثلاثية بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل نموذجًا مركبًا لصراع سردي متعدد المستويات، يتقاطع فيه الأمن القومي مع الأيديولوجيا، والإعلام مع الاستراتيجية.
تعتمد حرب السرديات على مفاهيم من نظريات القوة الناعمة (Soft Power) والقوة الذكية (Smart Power)، حيث تُستخدم اللغة والرموز والإعلام والدبلوماسية العامة لتشكيل الإدراك الجماعي. كما تتقاطع مع “البنائية” في العلاقات الدولية، التي ترى أن الواقع السياسي لا يُفهم فقط من خلال القوة المادية، بل عبر المعاني التي تُبنى اجتماعيًا. والسردية ليست مجرد رواية، بل هي بنية تفسيرية متكاملة تُحدد من هو العدو ومن هو الحليف، وما هو التهديد وما هو الدفاع، وما هو المشروع وما هو غير المشروع.
السردية الأمريكية: الأمن العالمي والهيمنة الليبرالية
ترتكز السردية الأمريكية على فكرة “القيادة العالمية” وحماية النظام الدولي الليبرالي، إذ تقدم الولايات المتحدة نفسها كضامن للاستقرار الدولي ومكافح للتهديدات العابرة للحدود، خصوصًا الإرهاب وانتشار الأسلحة النووية. وفيما يتعلق بإيران، تُصوّر واشنطن طهران كفاعل “مزعزع للاستقرار” يدعم الجماعات المسلحة ويهدد أمن الحلفاء في الشرق الأوسط، أما إسرائيل فتُضفي عليها السردية الأمريكية صفة “الديمقراطية الحليفة” التي تواجه تهديدات وجودية. وتُستخدم أدوات مثل الإعلام الدولي والتقارير الاستخباراتية والخطاب السياسي الرسمي لتكريس هذه السردية، مع التركيز على الشرعية القانونية كالعقوبات الدولية لتبرير السياسات.
السردية الإيرانية: المقاومة والسيادة
تبني إيران سرديتها على مفهوم “المقاومة” في مواجهة ما تصفه بـ”الهيمنة الأمريكية” و”العدوان الإسرائيلي”، مقدِّمةً نفسها كقوة إقليمية تدافع عن سيادة الدول وحقوق الشعوب، خصوصًا في فلسطين ولبنان. وتُؤطر إيران سياساتها الخارجية ضمن خطاب ثوري مستند إلى إرث الثورة الإسلامية، حيث يتم تصوير الصراع على أنه ليس فقط سياسيًا بل حضاري وأيديولوجي. وتستخدم طهران وسائل إعلام متعددة اللغات وشبكات حلفاء إقليميين وخطابًا دينيًا-سياسيًا لتعزيز سرديتها، مع التركيز على مظلومية تاريخية واستمرارية الصراع ضد “الاستكبار العالمي”.
السردية الإسرائيلية: الأمن الوجودي والتهديد المستمر
ترتكز السردية الإسرائيلية على مفهوم “الأمن الوجودي”، حيث تُصوّر الدولة نفسها ككيان مهدد دائمًا من قوى إقليمية تسعى إلى تهديده. وتُستخدم هذه السردية لتبرير سياسات عسكرية استباقية، بما في ذلك الضربات الوقائية ضد ما تعتبره تهديدات استراتيجية كالبرنامج النووي الإيراني. وفي هذا الإطار، تُصوَّر إيران كخطر استراتيجي رئيسي ليس فقط بسبب قدراتها العسكرية، بل أيضًا بسبب خطابها السياسي المعادي لإسرائيل. وتعتمد إسرائيل على شبكة علاقات دولية خاصة مع الولايات المتحدة، وعلى إعلام متطور لتسويق سرديتها عالميًا، مع التركيز على مفاهيم مثل “حق الدفاع عن النفس”.
تفاعل السرديات وتداعياتها
لا تعمل هذه السرديات بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل في فضاء إعلامي وسياسي مشترك، مما يؤدي إلى تضخيم التهديدات، إذ يعيد كل طرف تفسير أفعال الآخر ضمن إطار عدائي. كما تعمل السرديات على إعادة إنتاج الصراع، لأنها تُغذي السياسات والسياسات تعزز السرديات، فضلاً عن تأثيرها على الرأي العام داخليًا لتعزيز الشرعية وخارجيًا لكسب الدعم الدولي. على سبيل المثال، أي تحرك عسكري قد يُقدَّم في السردية الأمريكية كـ”ردع”، وفي الإيرانية كـ”عدوان”، وفي الإسرائيلية كـ”دفاع استباقي”.
أدوات حرب السرديات
تتعدد الأدوات المستخدمة في هذا الصراع وتشمل: الإعلام التقليدي والرقمي، والخطاب الدبلوماسي، ومراكز الأبحاث والتقارير الاستراتيجية، ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت ساحة رئيسية للتأثير السريع، إضافة إلى الثقافة والرمزية من أفلام وخطابات ومناسبات وطنية.
الأثر الاستراتيجي والمآلات
تؤدي حرب السرديات بين هذه الأطراف إلى تعقيد بيئة الأمن الإقليمي، حيث يصبح من الصعب بناء ثقة متبادلة أو التوصل إلى تسويات مستدامة. كما تُسهم في إطالة أمد النزاعات بالوكالة، وتعزيز الاستقطاب الإقليمي، وإضعاف المؤسسات الدولية بسبب تضارب الروايات. وعلى المستوى العالمي، تعكس هذه الحرب تحوّلًا أوسع نحو “سياسات الإدراك”، حيث تصبح المعركة على تفسير الواقع لا تقل أهمية عن السيطرة عليه.
إن حرب السرديات بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل ليست مجرد صراع إعلامي، بل هي امتداد عميق للتنافس الجيوسياسي والأيديولوجي. وفي ظل عالم متصل رقميًا، تزداد أهمية هذه الحرب، حيث يمكن لرواية معينة أن تُعيد تشكيل موازين القوى دون إطلاق رصاصة واحدة. إن فهم هذه السرديات وتحليلها يُعد شرطًا أساسيًا لأي محاولة لفهم ديناميكيات الصراع في الشرق الأوسط أو السعي نحو تسويات أكثر استدامة، تقوم على إدراك متبادل بدلًا من صراع تفسيري دائم. كما أن السرديات بما تحمله من حشوة أيديولوجية ودوافع وأهداف سياسية قريبة وبعيدة الأمد، تشكل أحد أهم جوانب الحروب الإدراكية في عالم اليوم الذي يشهد أجيالًا جديدة من الحروب، تستهدف الوعي المجتمعي عبر الأدوات النفسية والإعلامية بقصد التأثير على القناعات والسلوكيات، وهي أداة متطورة من أدوات الحرب الإعلامية يبدو أنها ستتكرر في المستقبل.



