أخبارسياسةعربي و دولي

السودان: الأبيض في «حدوة الحصان».. ومخاوف دولية من «سيناريو الفاشر» وسط صرخات المدنيين من جحيم المسيرات

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
السودان – مصعب محمد

تواجه مدينة الأبيض، الحاضرة الاستراتيجية لولاية شمال كردفان، تصعيداً عسكرياً وضغوطاً إنسانية غير مسبوقة، وضعتها في مقدمة الاهتمامات الدبلوماسية الدولية.

وتقع المدينة على تقاطع الطرق بين العاصمة الخرطوم وكردفان وولايات دارفور الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، وتبعد نحو 370 كيلومتراً عن أم درمان.
وسط هذا التصعيد، تتعالى تحذيرات صارمة من تحوّل المدينة إلى ساحة مواجهة واسعة النطاق على غرار ما شهدته مدينة الفاشر.

وتتزامن هذه المخاوف السياسية مع حصار ميداني وخناق اقتصادي يضيق يوماً بعد يوم على مئات الآلاف من المدنيين داخل المدينة وخارجها، الذين باتوا يواجهون شبح العطش والجوع تحت وطأة التهديدات العسكرية المتواصلة.

الأبيض: جيوسياسيا وعسكريا عقدة الصراع السوداني المصيرية

تكتسب مدينة الأبيض أهمية جيوسياسية فائقة في خارطة الصراع السوداني، بالنظر إلى موقعها الاستراتيجي كحلقة وصل رئيسية تربط بين العاصمة الخرطوم وإقليمي كردفان ودارفور، فضلاً عن كونها مركزاً تجارياً واقتصادياً حيوياً وملتقى لطرق الصادرات الاستراتيجية.

ويرى مراقبون أن أي تفجّر للأوضاع العسكرية داخل المدينة لن تقتصر ارتداداته على المحيط المحلي، بل سيعني شللاً كاملاً لشرايين الإمداد والتجارة، وفصلاً جديداً من النزوح الجماعي يهدد استقرار المنطقة بأكملها.

استراتيجية “حدوة الحصان”: تطويق الدعم السريع للأبيض من ثلاثة محاور

على الصعيد الميداني، تشير تقديرات مراقبين عسكريين إلى أن قوات الدعم السريع دفعت بتعزيزات عسكرية غير مسبوقة نحو محيط مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان، وسط توقعات بشن هجوم بري واسع النطاق.
وتتبنى القوات استراتيجية تطويق محكمة تضع الأبيض داخل ما يشبه «حدوة الحصان»، حيث تحيط بالمدينة من ثلاثة اتجاهات رئيسية تشمل محاور طريق الصادرات وبارا، والمحور الغربي نواحي أم صميمة وأبو قعود والخوي، والمحور الجنوبي المتدفق نحو جنوب كردفان عبر كازقيل والدبيبات والحمادي، في حين يظل المحور الشرقي الرابط بمدينة تندلتي هو الممر الوحيد المفتوح، وسط استهداف مستمر من الطائرات المسيّرة لأي تحركات مرورية عليه بغرض عزله تماماً.

وتتزامن هذه التحركات مع تدفق مستمر للإمدادات العسكرية لقوات الدعم السريع جواً وبراً؛ إذ رصدت تقارير ميدانية هبوط نحو 21 طائرة شحن عسكرية في مطار نيالا خلال أسبوع واحد، بالتزامن مع تحرك أفواج برية من المصفحات والمدرعات عبر طريق الصحراء.

وفي المقابل، امتدت العمليات العسكرية لتشمل تدمير جسر الدشول الرابط بين الدلنج وكادوقلي، مما يهدد بعزل المدينتين برياً مع اقتراب موسم الأمطار وتأثّر طرق حيوية كطريق التكمة-هبيلا بحلول شهر يوليو المقبل.

مأساة المدنيين: عطش وخبز مفقود وطائرات مسيّرة تحصد الأرواح يومياً

تنعكس هذه الأوضاع الأمنية بشكل مأساوي على حياة السكان اليومية؛ إذ تواجه البنية التحتية استهدافاً ممنهجاً أدى إلى انقطاع كامل في إمدادات المياه والكهرباء، ما دفع بأسعار صفيحة المياه إلى مستويات قياسية بلغت 400 ألف جنيه سوداني.

وتوقفت المخابز عن إنتاج الخبز لشُح الوقود، فيما وجّه مواطنون رسائل عاجلة لقيادة الجيش وحكومتَي المركز والولاية تصف المعاناة اليومية من شلل المواصلات الداخلية الذي يضطر معه كبار السن والطلاب للمخاطرة. وحملت الرسائل مناشدات ملحّة لإيجاد حل فوري لمعضلة الطائرات المسيّرة التي باتت تحصد عشرات الأبرياء يومياً وتدمر المنازل والمرافق الخدمية.

محامو الطوارئ: حصار متبادل وسياسة تجويع تنتهك القانون الدولي الإنساني

حذّرت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية من تدهور إنساني متسارع في مناطق واسعة من ولاية شمال كردفان، جراء حصار متبادل تفرضه السلطات وقوات الدعم السريع على حركة السلع والمواد الغذائية والدوائية، واتهمت المجموعة الجيش السوداني باعتقال ما لا يقل عن 280 شخصاً ومصادرة بضائع ومركبات تنقل مواد غذائية بموجب أوامر طوارئ محلية.

في المقابل، تمنع قوات الدعم السريع مرور السلع والمواشي والمعادن من مناطق سيطرتها بناءً على قرارات مجلسها الاستشاري الصادرة في أكتوبر 2024. وحذّرت المجموعة من أن هذا النمط يُشكّل «سياسة تجويع» تنتهك القانون الدولي الإنساني، في مناطق تمتد لتشمل حمرة الشيخ وأم اندرابة وجبرة الشيخ وحمرة الوز وسودري وأم بادر.

مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي يحذّران: لا فاشر أخرى في الأبيض

أعرب مجلس الأمن الدولي عن قلقه البالغ إزاء الخطر الوشيك لوقوع «فظائع جماعية» نتيجة حشد التعزيزات العسكرية الكبيرة حول الأبيض وتزايد هجمات الطائرات المسيّرة، مطالباً بوقف الهجوم فوراً.

وجدّد مجلس الأمن رفضه القاطع لإنشاء أي سلطة حكم موازية في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، مشدداً على التزامه الصارم بسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، وحثّ جميع الدول على الامتناع عن أي تدخل خارجي يُؤجّج الصراع تنفيذاً للقرار الدولي 2791.

وفي السياق ذاته، حذّر الاتحاد الأوروبي من عواقب هجوم قوات الدعم السريع على الأبيض، داعياً إلى الوقف الفوري للهجمات «لكيلا تصبح الأبيض فاشر أخرى»، وشدّد على ضرورة وقف قتل المدنيين وأعمال العنف ضد المجموعات الإثنية واستهداف البنية التحتية المدنية، مع ضمان حرية المدنيين في مغادرة مناطق القتال بأمان وتمكين العاملين في الإغاثة من الوصول السريع دون عوائق.

وعلى الرغم من خطورة الحراك السياسي، تظل التفاصيل المعيشية الأشدَّ وطأةً؛ إذ يعيش سكان الأبيض بين مطرقة الأزمات المعيشية الخانقة وسندان التهديد العسكري المستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews