تقرير إسرائيلي يحذر: تركيا تقترب من موقع “العدو الاستراتيجي” لتل أبيب
ترجمة وتحرير أبوبكر ابراهيم اوغلو
في قراءة إسرائيلية لافتة، نشر موقع “ميدا” العبري مقالًا للكاتب نمرود مادرر، اعتبر فيه أن تركيا لم تعد مجرد قوة إقليمية صاعدة، بل باتت أحد أبرز التحديات الاستراتيجية المقبلة أمام إسرائيل، وربما “التهديد التالي” بعد إيران.
ويذهب المقال إلى أن انشغال إسرائيل بالحرب مع إيران ووكلائها قد يحجب عنها مسارًا آخر آخذًا في التشكل “تحت الرادار”، يتمثل في تصاعد النفوذ التركي عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا، ضمن ما يشبه “حربًا باردة” جديدة لا تُخاض عبر مواجهة مباشرة، بل من خلال الطاقة والغذاء والصناعات الدفاعية والتحالفات الدولية والممرات التجارية.
تركيا كقوة عسكرية داخل الناتو
يرى الكاتب أن تركيا تمتلك موقعًا عسكريًا خاصًا داخل حلف شمال الأطلسي، فهي صاحبة ثاني أكبر جيش في الحلف، وتمتلك أسطول غواصات، وحاملة للطائرات المسيّرة، وصناعات دفاعية محلية متقدمة. كما يشير إلى أن الجيش التركي يجمع بين منظومات تسليح غربية وشرقية، إلى جانب إنتاج وطني في مجالات الطائرات المسيّرة والطائرات القتالية وأنظمة الدفاع الجوي.
لكن المقال لا يحصر التحدي التركي في البعد العسكري فقط، بل يعتبر أن الخطر الأكبر يتمثل في قدرة أنقرة على بناء شبكة اعتماد متبادل بينها وبين الغرب، خصوصًا عبر ملفات الهجرة والطاقة والغذاء والسلاح.
الهجرة والطاقة والغذاء: أوراق ضغط تركية
في ملف الهجرة، يشير المقال إلى أن تركيا تمثل بوابة برية رئيسية نحو أوروبا، وأن الرئيس رجب طيب أردوغان سبق أن استخدم ورقة اللاجئين للضغط على الاتحاد الأوروبي، عبر التلويح بفتح الحدود أمام ملايين اللاجئين وطالبي اللجوء القادمين من الشرق الأوسط.
أما في ملف الطاقة، فيرى الكاتب أن الموقع الجغرافي لتركيا جعلها ممرًا مهمًا لأنابيب الغاز والنفط المتجهة إلى الأسواق الأوروبية. ويضيف أن المقاطعة الأوروبية لروسيا عقب حرب أوكرانيا زادت من أهمية أنقرة، التي تحولت — وفق المقال — إلى محطة عبور للطاقة الروسية والإيرانية نحو أوروبا.
وفي ملف الغذاء والسلاح، يربط المقال بين تداعيات الحرب في أوكرانيا وتزايد حاجة أوروبا إلى مصادر بديلة للإمدادات الغذائية والعسكرية، معتبرًا أن تركيا استفادت من تراجع الصادرات الزراعية الأوكرانية ومن زيادة الطلب الأوروبي على المسيّرات والأنظمة العسكرية التركية.
مناورة جيوسياسية بين الشرق والغرب
بحسب المقال، نجحت أنقرة في تقديم نفسها للغرب كحليف مهم في مواجهة روسيا، خصوصًا من خلال دعمها لأوكرانيا، لكنها في الوقت نفسه تمضي — من وجهة نظر الكاتب — في مسار أيديولوجي أكثر تشددًا.
ويرى الكاتب أن هذا التوازن منح تركيا هامش مناورة واسعًا؛ فاليسار الأوروبي يخشى الصدام معها، واليمين الأوروبي يخشى ورقة الهجرة، بينما تنظر الولايات المتحدة إليها باعتبارها شريكًا استراتيجيًا أمام روسيا وقاعدة متقدمة في الشرق الأوسط.
كما يعتبر المقال أن امتلاك تركيا موارد مائية وموقعًا جغرافيًا حيويًا يمنحها قدرة أكبر على مقاومة الضغوط والعقوبات الدولية، مقارنة بدول أخرى في المنطقة.
استدعاء التاريخ العثماني
ينتقل المقال إلى قراءة تاريخية تربط بين صعود الدولة العثمانية في أعقاب التحولات الكبرى التي شهدها العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر، وبين ما يعتبره الكاتب طموحًا تركيًا معاصرًا لاستعادة نفوذ إمبراطوري.
ويقول الكاتب إن الرئيس أردوغان ينظر إلى التاريخ العثماني باعتباره نموذجًا يمكن استلهامه في الحاضر، معتبرًا أن الاتجاه التركي العام يسير نحو تعزيز النفوذ الإقليمي والدولي لأنقرة.
وفي هذا السياق، ينتقد المقال ما يصفه بـ”التصور الإسرائيلي” الذي يحاول تجنب القطيعة الكاملة مع تركيا، بحجة عدم تحويل قوة إقليمية كبرى إلى عدو مباشر. ويقارن الكاتب ذلك بعلاقة إسرائيل السابقة مع إيران، معتبرًا أن التعاون الأمني والاستخباراتي في الماضي لا يضمن استمرار الشراكة في المستقبل.
ومن هنا، يدعو الكاتب إلى التعامل مع تركيا، في ضوء مواقف أردوغان وتصريحاته، باعتبارها “دولة عدو” في التخطيط الاستراتيجي الإسرائيلي.
اقتراب من المجال الحيوي لإسرائيل
يحذر المقال من أن التهديد التركي، كما يصفه، أصبح أقرب إلى إسرائيل مما يبدو. ويشير في هذا السياق إلى تطور العلاقات العسكرية بين تركيا ومصر، وإلى الشراكة بين أنقرة والدوحة، إضافة إلى الوجود العسكري التركي في سوريا، وخطط تركيا لزيادة قواتها في شمال قبرص.
ويرى الكاتب أن هذه التحركات تقرّب الجيش التركي من المجال الحيوي لإسرائيل، وتفرض على صانع القرار الإسرائيلي قراءة مختلفة لموقع أنقرة في التوازنات الإقليمية.
كما يثير المقال ملف البرنامج النووي المدني التركي، الذي تطوره أنقرة بالتعاون مع روسيا، مشيرًا إلى تصريحات سابقة لأردوغان بشأن الطموحات النووية، وإلى تقارير تتحدث عن علاقات تركية باكستانية في هذا المجال.
استراتيجية إسرائيلية مقترحة لمواجهة تركيا
رغم الصورة القاتمة التي يرسمها المقال، يرى الكاتب أن إسرائيل لا تزال تمتلك أدوات لمواجهة الصعود التركي دون الدخول في صدام عسكري مباشر. ويقترح ثلاثة مسارات رئيسية:
المسار الأول هو معركة الطاقة والممرات، من خلال تسريع مشاريع نقل الغاز من إسرائيل إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، وإنشاء ممرات نفطية وتجارية من الخليج إلى إسرائيل ومنها إلى الغرب. ويضع الكاتب مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي، المعروف باسم IMEC، في قلب هذه الاستراتيجية، معتبرًا أنه قد يسحب من تركيا مكانتها كبوابة رئيسية للطاقة والتجارة نحو أوروبا.
أما المسار الثاني فيتمثل في بناء طوق تحالفات حول تركيا، عبر تعزيز العلاقات مع قبرص واليونان والأكراد في سوريا والعراق، إلى جانب الهند ودول خليجية يرى الكاتب أنها تنظر بقلق إلى صعود النفوذ التركي، خصوصًا بسبب علاقة أنقرة بجماعة الإخوان المسلمين.
أما المسار الثالث فهو معركة الوعي داخل الغرب، حيث يدعو الكاتب إلى حملة إسرائيلية واسعة في أوروبا والولايات المتحدة لكشف ما يصفه بـ”وجه النظام التركي الحقيقي”، من خلال التركيز على قضايا حقوق الإنسان، والعلاقة مع الأكراد والأقليات، والملف الأرمني. ويرى أن هذه الحملة قد ترفع كلفة التعاون الغربي مع أنقرة.
ويضيف الكاتب أن بيع منظومات دفاع إسرائيلية متقدمة مثل “القبة الحديدية” و”حيتس/آرو” إلى الدول الأوروبية قد يعزز اعتماد أوروبا الأمني على إسرائيل بدلًا من تركيا.
خلاصة
يخلص المقال إلى أن تركيا تمثل، في نظر الكاتب، التحدي الاستراتيجي التالي لإسرائيل، حتى وإن بدت اليوم أقل أولوية من المواجهة مع إيران. ويرى أن التعامل مع هذا التحدي لا يجب أن يكون عبر حرب مباشرة، بل من خلال بناء تحالفات عسكرية واقتصادية مع الهند واليونان وقبرص ودول الخليج، إلى جانب خوض معركة تأثير داخل العواصم الغربية.
وتكشف هذه القراءة الإسرائيلية عن تصاعد القلق داخل بعض الدوائر الإعلامية والفكرية في إسرائيل من التحول التركي، ليس فقط بوصفه نفوذًا إقليميًا متناميًا، بل باعتباره مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى قد يعيد تشكيل موازين القوة في شرق المتوسط والشرق الأوسط.
ملاحظة تحريرية: يعكس هذا التقرير قراءة إسرائيلية منشورة في موقع “ميدا”، ولا يعبّر بالضرورة عن موقف “مراسلين” أو محرريه.
تركيا #إسرائيل #قراءةإسرائيلية #التهديدالاستراتيجي #الأمنالقومي #شرقالمتوسط #أردوغان #النفوذالتركي #الناتو #الطاقة #الممراتالتجارية #إيران #تحليل_سياسي #مراسلين



