أخباراقتصاد

ضريبة الحرب الخفية.. تأمين السفن يهدد بموجة غلاء جديدة في الاقتصادات العربية

مساحة اعلانية 4

ارتفاع أقساط المخاطر الحربية حول مضيق هرمز والبحر الأحمر يضيف ملايين الدولارات إلى الرحلات البحرية.. والفاتورة تصل في النهاية إلى المستهلك

إعداد: القسم الاقتصادي – شبكة مراسلين

بينما تتركز التغطية الإعلامية للأزمات المتلاحقة في منطقة الخليج والبحر الأحمر على تحركات أسعار النفط، تتشكل بعيداً عن الأضواء فاتورة اقتصادية أخرى قد تكون أشد اتساعاً وأطول أثراً، تتمثل في الارتفاع الحاد لتكاليف التأمين على السفن والبضائع العابرة للممرات البحرية الحيوية.

هذه التكلفة لا تظهر للمواطن في صورة رسم مستقل، ولا تعلنها الحكومات عادة ضمن مؤشرات التضخم، لكنها تنتقل تدريجياً من شركات التأمين إلى ملاك السفن، ثم إلى شركات الشحن والمستوردين والمصانع، وصولاً إلى أسعار الغذاء والدواء والوقود والسلع الاستهلاكية.

ومع تجدد الهجمات على السفن في مضيق هرمز خلال يوليو/تموز 2026، ارتفعت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب للسفن العاملة داخل الخليج من نحو 2% إلى قرابة 3% من قيمة السفينة خلال أيام، وسط تقديرات في سوق التأمين بإمكان وصولها إلى 5% لبعض الرحلات عالية المخاطر. وتُراجع هذه التغطيات بصورة متكررة، وقد تُجدد أسبوعياً، ما يجعل أي تصعيد عسكري قابلاً للتحول سريعاً إلى تكلفة تشغيلية بمئات الآلاف أو ملايين الدولارات للسفينة الواحدة.

ملايين الدولارات لتأمين رحلة واحدة

لفهم حجم الفاتورة، يمكن النظر إلى سفينة تبلغ قيمتها 100 مليون دولار. فعندما يبلغ قسط مخاطر الحرب 2%، تصل تكلفة التأمين الإضافي إلى مليوني دولار، وترتفع إلى ثلاثة ملايين عند نسبة 3%، وقد تبلغ خمسة ملايين دولار إذا وصلت النسبة إلى 5%.

وتشير تقديرات نشرتها الأمم المتحدة للتجارة والتنمية إلى أن قسطاً اعتيادياً قدره 0.25% لسفينة قيمتها 100 مليون دولار يعني تكلفة تبلغ 250 ألف دولار للرحلة، لكن مضاعفة القسط ترفعها إلى 500 ألف دولار، فيما يؤدي ارتفاعه بنسبة 300% إلى تكلفة تصل إلى مليون دولار.

ولا تمثل أقساط التأمين سوى جزء من التكلفة؛ إذ ترتفع بالتوازي أجور استئجار السفن، ومكافآت الطواقم، وأسعار الوقود البحري، وتكاليف الحماية الأمنية، ورسوم التأخير والانتظار في الموانئ، إضافة إلى الخسائر الناجمة عن اضطراب جداول التسليم.

وبذلك لا يكون الخطر الاقتصادي محصوراً في توقف الملاحة بالكامل، بل يمتد إلى استمرار العبور في ظل أسعار تأمين وشحن مرتفعة؛ أي إن الممر قد يبقى مفتوحاً من الناحية الجغرافية، لكنه يصبح شديد الكلفة من الناحية التجارية.

ممر مفتوح لا يعني عودة التجارة إلى طبيعتها

تكمن إحدى المشكلات في أن الأسواق والإعلام يتعاملان غالباً مع فتح الممرات البحرية أو عبور عدد من السفن باعتباره عودة إلى الوضع الطبيعي، بينما يحتاج قطاع الشحن إلى فترة أطول لاستعادة الثقة.

فشركات التأمين لا تعتمد فقط على إعلان سياسي بفتح المضيق، وإنما تقيّم احتمالات الهجوم، وسلامة الطواقم، وقدرة السفن على الحصول على المساعدة، ومستوى المخاطر العسكرية، وإمكانية إلغاء الرحلة أو احتجاز السفينة.

وفي 10 يوليو/تموز، أكدت مصادر في سوق التأمين أن الأقساط ارتفعت مجدداً بعد الهجمات الأخيرة، وأن تراجعها سيظل مستبعداً إلى أن يقتنع السوق بأن بيئة المخاطر تغيرت بصورة حقيقية ومستدامة.

كما دعت المنظمة البحرية الدولية السفن إلى تجنب المرور عبر مضيق هرمز ما دامت سلامة البحارة غير مضمونة، محذرة من أن استمرار تكلفة التأمين المرتفعة يفاقم الضغوط الواقعة على ملاك السفن والمشغلين.

لماذا يجب أن يقلق المستهلك العربي؟

قد تبدو المسألة للوهلة الأولى مرتبطة بشركات نفط وناقلات عملاقة، لكن أثرها يصل إلى جميع الاقتصادات تقريباً، بما فيها الدول المنتجة للطاقة.

فمضيق هرمز يحمل قرابة ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، إلى جانب كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال والأسمدة. وأي ارتفاع في تكلفة العبور ينعكس على أسعار الطاقة والنقل والإنتاج الزراعي وسلاسل الإمداد.

وتوضح الأونكتاد أن ارتفاع أسعار الطاقة والأسمدة والشحن والوقود البحري وأقساط التأمين يمكن أن يرفع تكلفة الغذاء ويزيد ضغوط المعيشة، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة.

تبدأ السلسلة الاقتصادية من زيادة كلفة نقل النفط أو الغاز والمواد الخام، ثم ترتفع تكلفة الكهرباء وتشغيل المصانع والنقل البري. وفي الوقت نفسه، تؤدي زيادة أسعار الغاز والشحن إلى رفع تكلفة الأسمدة، ما ينعكس لاحقاً على الإنتاج الزراعي وأسعار الحبوب والخضراوات والمنتجات الغذائية.

كما تتحمل واردات الأدوية والمستلزمات الطبية وقطع الغيار والأجهزة الإلكترونية جزءاً من زيادة الشحن والتأمين، خصوصاً في الدول العربية التي تعتمد بدرجات مرتفعة على الاستيراد ولا تمتلك مخزونات استراتيجية كافية.

الخطر الأكبر على الدول المستوردة والمثقلة بالديون

تملك الاقتصادات الكبيرة والشركات متعددة الجنسيات قدرة أكبر على التفاوض مع شركات الشحن والتأمين، أو توقيع عقود طويلة الأجل، أو امتصاص جزء من التكلفة مؤقتاً.

أما الشركات الصغيرة والمستوردون المحليون، فيواجهون خيارات أكثر صعوبة: دفع رسوم أعلى، أو تقليل حجم الواردات، أو تأخير الشحنات، أو تمرير الزيادة مباشرة إلى المستهلك.

وتصبح المشكلة أكثر حدة في الدول التي تعاني نقصاً في العملات الأجنبية أو ارتفاعاً في الديون؛ إذ تحتاج الشحنات الأعلى تكلفة إلى مبالغ أكبر من الدولار لتمويل الاستيراد، فيما تؤدي فترات النقل الطويلة إلى تجميد رأس المال لمدة أطول.

ويأتي هذا الضغط في وقت ارتفعت فيه ديون الحكومات في الاقتصادات النامية، وفق البنك الدولي، من أقل من 40% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2010 إلى أكثر من 70%، ما يحد من قدرة الحكومات على دعم السلع أو تعويض القطاعات المتضررة.

طريق رأس الرجاء الصالح ليس بديلاً مجانياً

لا يقتصر التهديد على مضيق هرمز، إذ شهد البحر الأحمر وقناة السويس أيضاً اضطرابات دفعت شركات شحن كبرى إلى تحويل سفنها حول رأس الرجاء الصالح، وهو مسار أطول يستهلك مزيداً من الوقود ويقلل عدد الرحلات التي تستطيع السفينة تنفيذها خلال العام.

وبدأت شركتا «ميرسك» و«هاباغ لويد» في يوليو/تموز العودة الجزئية إلى طريق قناة السويس بعد تقييم الوضع الأمني، لكنهما أبقتا معظم الخدمات الأخرى دون تغيير، وربطتا التوسع في العودة باستمرار الاستقرار وعدم تصاعد النزاعات في المنطقة.

وكان تجنب البحر الأحمر قد أجبر السفن على الدوران حول أفريقيا، ما رفع أسعار الشحن ومدد زمن النقل. ويعني ذلك أن الاقتصاد العالمي أصبح يواجه مخاطر متزامنة في مسارين حيويين: البحر الأحمر وقناة السويس من جهة، والخليج ومضيق هرمز من جهة أخرى.

هذه الازدواجية تجعل الدول العربية في قلب الأزمة، ليس فقط باعتبارها مصدرة للنفط والغاز، بل لكونها أيضاً مستوردة للغذاء والدواء والمعدات والسلع الوسيطة اللازمة للإنتاج.

موجة التضخم قد تبدأ قبل وصول البضائع

لا تنتظر الأسواق دائماً وصول الشحنات الأعلى تكلفة حتى ترفع الأسعار؛ فقد يعيد التجار والمصنعون تسعير السلع مسبقاً بناء على توقعاتهم لأسعار الشحن والتأمين المقبلة، أو خوفاً من نقص الإمدادات.

ولهذا قد تنتقل المخاطر الجيوسياسية إلى التضخم عبر التوقعات والمضاربات وسلوك التخزين، إلى جانب التكلفة الفعلية للنقل.

ويتوقع البنك الدولي تباطؤ النمو العالمي إلى 2.5% خلال عام 2026، مقارنة بـ2.9% في 2025، مع ارتفاع التضخم العالمي إلى 4%، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة وتعطل التجارة وزيادة تكاليف التمويل. كما خفّض توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان إلى 1.6% خلال العام.

وحذر البنك من أن اتساع اضطرابات إمدادات الطاقة وتزامنها مع ضغوط مالية قوية قد يخفض النمو العالمي إلى 1.3% ويرفع التضخم إلى 4.4%.

تكلفة لا تظهر في بيانات التضخم منفردة

من أسباب ضعف الاهتمام الإعلامي بهذه القضية أن أقساط التأمين البحري لا تظهر عادة كبند مستقل في الأرقام التي يتابعها الجمهور.

فالزيادة تتوزع على مكونات متعددة: سعر السلعة المستوردة، وكلفة الشحن، ورسوم الميناء، وأسعار الوقود، وأجور النقل الداخلي، وهوامش التجار. وعندما يصل المنتج إلى الأسواق، يصعب على المستهلك معرفة النسبة التي تعود إلى التأمين أو إلى الوقود أو إلى اضطراب سلاسل الإمداد.

كما أن التأثير لا يكون متساوياً بين السلع؛ فالمنتجات ذات القيمة المنخفضة والحجم الكبير، مثل الحبوب والأعلاف وبعض مواد البناء، تكون أكثر حساسية لارتفاع تكلفة النقل مقارنة بالسلع مرتفعة القيمة وصغيرة الحجم.

ويعني ذلك أن موجة الغلاء المحتملة قد تصيب السلع الأساسية والقطاعات الإنتاجية بدرجات أكبر من بعض السلع الكمالية، وهو ما يضاعف أثرها الاجتماعي.

من يدفع ضريبة الحرب؟

قد تتحمل شركة الشحن جزءاً من التكلفة لفترة قصيرة حفاظاً على عملائها، وقد يمتص المستورد جزءاً آخر من هامش أرباحه، لكن استمرار الارتفاع يجعل تمرير الفاتورة إلى المستهلك أمراً شبه حتمي.

وفي القطاعات التي تخضع أسعارها للدعم أو التسعير الحكومي، تنتقل التكلفة إلى الموازنة العامة بدلاً من المستهلك مباشرة، لتظهر في صورة زيادة في دعم الطاقة والغذاء أو ارتفاع خسائر الشركات الحكومية.

وهكذا يدفع المجتمع «ضريبة الحرب» بإحدى طريقتين: إما عبر ارتفاع الأسعار في الأسواق، أو من خلال زيادة الإنفاق العام والعجز والدين.

ما الذي ينبغي على الحكومات فعله؟

تحتاج الدول العربية إلى التعامل مع التأمين البحري باعتباره ملفاً للأمن الاقتصادي، وليس مجرد شأن تجاري يخص شركات النقل.

ويشمل ذلك متابعة أقساط مخاطر الحرب بصورة يومية، وزيادة شفافية الرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن، وتنويع مصادر الاستيراد ومساراته، ورفع المخزونات الاستراتيجية من الغذاء والدواء والأسمدة، وتقديم تسهيلات مؤقتة للشركات الصغيرة الأكثر تضرراً.

كما يمكن للدول التي تمتلك مؤسسات تأمين وصناديق سيادية قوية دراسة إنشاء آليات إقليمية لإعادة التأمين أو ضمان المخاطر الاستثنائية، بدلاً من ترك الأسواق العربية خاضعة بالكامل لتسعير شركات التأمين الدولية في أوقات الأزمات.

وقد دفعت خطورة الأزمة الولايات المتحدة إلى دعم خطة لإعادة التأمين البحري بقيمة 20 مليار دولار بهدف المساعدة في استعادة حركة السفن عبر مضيق هرمز، ما يكشف أن التأمين أصبح جزءاً من إدارة الممرات الاستراتيجية وليس مجرد منتج مالي تقليدي.

أزمة تستحق المراقبة قبل ظهورها على رفوف المتاجر

الرسالة الأساسية ليست أن ارتفاع التأمين سيؤدي حتماً إلى انفجار شامل في الأسعار، بل إن هناك قناة تضخمية قوية يجري التقليل من شأنها.

فالنفط قد ينخفض بعد تهدئة سياسية، والسفن قد تعود إلى العبور، لكن أقساط المخاطر قد تظل مرتفعة إذا بقيت شركات التأمين غير مقتنعة باستقرار الوضع الأمني.

ولهذا فإن المؤشر الذي ينبغي مراقبته خلال المرحلة المقبلة ليس سعر برميل النفط فقط، وإنما أيضاً أقساط التأمين ضد الحرب، وأسعار استئجار الناقلات، وأعداد السفن المنتظرة، ومدد الرحلات، والرسوم الإضافية التي تفرضها شركات الشحن.

إنها تكلفة صامتة لا تظهر فوراً في نشرات الاقتصاد، لكنها قد تصل بعد أسابيع إلى فواتير المصانع والمزارعين والمتاجر، ثم يدفعها المواطن في النهاية عند شراء رغيف الخبز أو الدواء أو أي سلعة مستوردة.

bakr khallaf

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews