بينما تصرخ ميليشيا الحوثي الإرهابية بشعار «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، النصر للإسلام»، تكشف أفعالها حقيقةً أشد فجاجة من أي خطاب. فبحسب ما نقلته مصادر لرويترز عن لقاء ممثلين للميليشيا بمسؤولين أمريكيين في مسقط، قدم الحوثيون تعهدات بعدم استهداف السفن الأمريكية والإسرائيلية. وفي المقابل، أعلنت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض طائرة مسيّرة أطلقتها الميليشيا قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة مكة المكرمة.
إنها ليست مفارقة سياسية عابرة، بل سقوط مدوٍّ لقناع الادعاء. فمن يزعم محاربة أمريكا وإسرائيل، ثم يؤمّن سفنهما، لا يمارس مقاومة، بل يؤدي دورًا مرسومًا ضمن حسابات المشروع الإيراني. ومن يرفع اسم الإسلام ثم يوجّه سلاحه نحو مكة، لا ينصر دينًا ولا يحمي مقدسًا، بل يرتكب عدوانًا على قبلة المسلمين وكرامتهم.
رفعوا الشعارَ لكي يواروا سوءةً
بئسَ الشعارُ وبئسَ من قد أظهره
وفي مساء الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، أعلن المتحدث الرسمي باسم قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء الركن تركي المالكي، أن قوات الدفاع الجوي الملكي السعودي اعترضت ودمرت طائرة مسيّرة معادية أطلقتها ميليشيا الحوثي الإرهابية قبل دخولها المجال الجوي المحظور لمكة المكرمة، وأن عملية الاعتراض تمت جنوب المدينة.
وأكد المالكي أن المحاولة تمثل عملًا عدائيًا وإرهابيًا مشينًا يستهدف مهبط الوحي وأرض الرسالة ومهوى أفئدة ملايين المسلمين، ويراد به ترويع ضيوف بيت الله الحرام والإضرار بالمواطنين والمقيمين. كما شدد على أن أمن الحرمين الشريفين وضيوف الرحمن خط أحمر، وأن قيادة القوات المشتركة للتحالف ستتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة تجاه هذه الاعتداءات.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، تواصل المملكة تأكيد أن أمنها وسيادتها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أرضها خطوط لا تقبل المساومة. ولن تسمح القيادة السعودية لأي ميليشيا أو جهة خارجية بإلحاق الضرر بأمن الوطن أو تهديد مقدساته أو ترويع ضيوف الرحمن، وستبقى المملكة بما تملكه من قدرة وإرادة حازمة حاميةً لأمن الحرمين الشريفين، وصونًا لاستقرار المنطقة وأمنها.
هنا يتجاوز الأمر حدود الاعتداء على مدينة سعودية؛ فمكة ليست هدفًا عسكريًا، ولا ورقة تفاوض، ولا ساحة لتصفية الحسابات. إنها قبلة المسلمين، وفيها المسجد الحرام، ومكانتها راسخة في وجدان الأمة الإسلامية. ولذلك فإن الاقتراب منها بسلاح العدوان ليس اعتداءً على السعودية وحدها، بل استفزاز لمشاعر ملايين المسلمين في أنحاء العالم.
وأوضح المالكي أن هذه هي المحاولة الثانية لاستهداف مكة المكرمة، بعد محاولة سابقة بصاروخ باليستي في 27 يوليو 2017. وهذا يؤكد أن الأمر ليس زلة عابرة ولا خطأً ميدانيًا، بل نهج متكرر تتقدم فيه أوامر الخارج على حرمة المقدسات، والمغامرة على مصلحة اليمن، والسلاح على العقل، والارتهان على واجب الجوار.
لقد رهنت ميليشيا الحوثي الإرهابية قرار اليمن للمشروع الإيراني الخارجي، وقدمت الولاء السياسي على هوية اليمن العربية، وعلى مصالح شعبه، وعلى أمن جواره. فتحول السلاح الذي يفترض أن يحمي اليمنيين إلى أداة لقمعهم وتفكيك وطنهم وتهديد أشقائهم، وتحولت الشعارات إلى ستار كثيف يخفي مشروعًا لا علاقة له بالإسلام ولا بالعروبة ولا بالمروءة.
يا بائعًا مجدَ اليمنِ وميراثَهُ
أتستبدلُ الأوطانَ بوهمِ الارتهانِ؟
رهنوا القرارَ لمشروعٍ خارجيٍّ
فباعوا السلامَ، وأشعلوا في اليمنِ حريقًا
وفي الوقت الذي يحتاج فيه اليمن إلى السلام وإعادة البناء واستعادة الدولة، تصر الميليشيا على تحويله إلى منصة للصواريخ وممر للفوضى ومخلب لتهديد المنطقة. وكان اليمنيون أول من دفع الثمن: قتلًا وتشريدًا وفقرًا وانهيارًا، ثم امتد الخراب إلى الجوار، في سلوك يفضح زيف كل حديث عن الأخوة والعروبة ونصرة الإسلام.
باعوا العروبةَ للغريبِ وأشعلوا
في اليمنِ نارَ الفتنةِ والعنادِ
باعوا الشهامةَ والمروءةَ عنوةً
كي يصبحوا أتباعَ نهجٍ فاسدِ
صنعاءُ تلفظُ نهجَهم وتدينُهُ
واليمنُ الحرُّ الأبيُّ لن ينحني
فهل تملك ميليشيا الحوثي الإرهابية جوابًا أمام الغضب العربي والإسلامي بعد أن وضعت مكة المكرمة في مرمى الخطر؟ وكيف ستفسر هذا التناقض الفاضح بين صراخها ضد أمريكا وإسرائيل، وبين تعهداتها بتأمين سفنهما؟ إن التبريرات لن تصمد؛ لأن الشعوب لا تحاكم الجماعات بشعاراتها، بل بجرائمها، ولا تقيس المواقف بما يقال، بل بما تفعله الصواريخ والمسيّرات.
فالشعار الذي تكذبه الأفعال ليس مبدأً، بل خدعة. والراية التي تُرفع باسم الإسلام ثم تُستخدم لتهديد مكة ليست راية دين، بل راية فتنة. لقد جعلت ميليشيا الحوثي الإرهابية ولاءها للمشروع الإيراني الخارجي فوق هوية اليمن، وفوق مصلحة شعبه، وفوق أمن المنطقة، وفوق حرمة المقدسات.
المجدُ ليس لمن يخونُ جيرانهُ
ويبيعُ أمنَ الناسِ في سوقِ المصالحِ
إن استهداف مكة ليس خطأً عسكريًا ولا انحرافًا سياسيًا يمكن تبريره، بل سقوط أخلاقي وديني كامل. فمن يؤمّن من يزعم محاربته، ثم يوجّه سلاحه نحو قبلة المسلمين، يكون قد أسقط آخر أقنعته، وكشف أن معركته الحقيقية ليست مع أمريكا ولا إسرائيل، بل مع اليمن، ومع العرب، ومع أمن المنطقة، ومع حرمة الإسلام.
لقد تكشفت الحقيقة بلا مواربة: ميليشيا الحوثي الإرهابية تستخدم شعارات العداء لأمريكا وإسرائيل لاستمالة مشاعر المسلمين، بينما تكشف أفعالها عن تأمينها مصالح من تزعم محاربته، وعن جرأتها على تهديد مكة المكرمة. إنها لا تقاتل من أجل الإسلام، بل تتاجر باسمه؛ ولا تدافع عن اليمن، بل ترهنه؛ ولا تحمي السيادة، بل تسلّم قرارها للخارج.
ستبقى مكة عصية على العدوان، وسيبقى أمنها خطًا أحمر لا تملك أي ميليشيا تجاوزه. أما الحوثيون، فقد اختاروا أن يكتبوا اسمهم في سجل الخيانة: خيانة اليمن، وخيانة الجوار، وكذب الشعارات التي رفعوها باسم الإسلام.
وسيحكم التاريخ عليهم لا بما صدحت به حناجرهم، بل بما اقترفته أيديهم. فلا يمكن لمن يهدد مكة أن يدّعي نصرة الإسلام، ولا لمن يرهن وطنه للخارج أن يتحدث عن السيادة، ولا لمن يبيع أمن جيرانه أن يزعم امتلاك الشرف أو المروءة.




