“خلف الأبواب المغلقة: كيف انتُزعت الاعترافات من المعتقلين العربإبانّ هبّة الكرامة؟
معتقلو هبّة الكرامة: أرقام متضاربة تكشف غياب الشفافية

تحقيق: ايناس مريح
“خلف الأبواب المغلقة: كيف انتُزعت الاعترافات من المعتقلين العربإبانّ هبّة الكرامة؟ خمس سنوات على القمع الصامت”
في أيار/مايو 2021، لم تكن الاحتجاجات التي عمّت المدن والبلدات داخل الخط الأخضر مجرد تظاهرات عابرة. كانت هبّة الكرامة، كما سُمّيت لاحقًا، لحظة انفجار جماعي رفضًا للحرب على غزة واعتداءات المستوطنين على حي الشيخ جراح في القدس والمسجد الأقصى.
لكن ما بدأ في الشارع من قمع شرطة مباشر ضد المتظاهرين، سرعان ما امتد إلى داخل مراكز الشرطة الإسرائيلية، حيث بدأت مرحلة أخرى من القمع: الاعتقالات الجماعية، التحقيقات القسرية، والتعذيب النفسي والجسدي.
على مدار أيام الهبّة، ثم في الأسابيع التي تلتها، اعتُقل المئات من الشبان العرب في إسرائيل، كثير منهم دون لوائح اتهام واضحة. بدأت شهادات متفرقة تظهر، تتحدث عن انتزاع اعترافات تحت الضغط، حرمان من النوم، تهديدات صريحة، وضرب مبرّح. معظمها بقي في الظل، بسبب الخوف، أو الصمت المفروض.
هذا التحقيق هو نتاج خمس سنوات من العمل الصحفي كمراسلة صحفية في موقع عرب 48، أسعى من خلاله للكشف عمّا جرى خلف الأبواب المغلقة في أقسام الشرطة ومراكز التحقيق. من خلال حضور الجلسات القضائية، واللقاء بذوي المعتقلين ومحاميهم، أُحاول في هذا التحقيق أن أُظهر كيف تحوّل التحقيق إلى أداة لانتزاع اعترافات باطلة من معتقلي هبة الكرامة، وكيف أصبح المعتقلون العرب داخل أقبية التحقيق أهدافًا لمنظومة أمنية تسعى إلى سحق صوتهم قبل محاكمتهم.
هل كانت الاعترافات التي استندت إليها لوائح الاتهام ناتجة عن قناعة؟ أم نتيجة قهر؟
ما الذي جرى فعلًا في الزنازين؟
ولماذا ما زال الصمت يحيط بهذه الملفات بعد خمس سنوات؟
في هذا التحقيق، نفتح أبواب الذاكرة، ونمنح مساحة لمن لم تُمنح لهم فرصة الكلام. ليس فقط من أجل توثيق ما حدث، بل من أجل العدالة التي لا تبدأ إلا حين يُقال كل ما حاولوا دفنه.
كذلك التقينا بمحامين وحقوقيين ترافعوا عن عدد من معتقلي هبة الكرامة، واطّلعنا على توصياتهم التي يرون ضرورة تنفيذها لتحقيق العدالة. كما استمعنا لآراء ناشطين سياسيين رافقوا المعتقلين في هذا الملف، وسنضع صوتهم هنا كجزء من رواية لم تُكتب حتى نهايتها.
معتقلو هبّة الكرامة: أرقام متضاربة تكشف غياب الشفافية
خمسة أعوام مرّت على هبّة الكرامة في أيار 2021، وما تزال الأرقام الرسمية بشأن عدد المعتقلين الفلسطينيين خلالها تتفاوت بشكل ملحوظ بين المؤسسات الحقوقية والإسرائيلية، في مؤشر على غياب التوثيق الموحد والشفافية في التعامل مع ملف الاعتقالات.
إبان أحداث هبة الكرامة، نفذت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن العام (الشاباك) حملة اعتقالات ضد مئات الشبان من المجتمع العربي على خلفية الاحتجاجات ضد العدوان على غزة واقتحام المسجد الأقصى ومحاولات تهجير سكان حي الشيخ جراح في القدس المحتلة، واعتداءات المستوطنين على مواطنين عرب في البلاد، في شهر أيار/ مايو 2021.
وأعلنت النيابة العامة الإسرائيلية، مؤخرا، عن تقديم 397 لائحة اتهام ضد 616 متهما، غالبيتهم العظمى من العرب، ورُبعُهُم قاصرون، على خلفية أحداث هبة الكرامة في أيار/مايو 2021، والتي جاءت احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على غزة في العملية التي سُميت إسرائيليا بـ”حارس الأسوار”، والتي سبقتها اعتداءات قوات الأمن الإسرائيلية في القدس في رمضان من العام ذاته.
وصرحت النيابة العامة أن المتّهمين الـ616 والذين تبلغ نسبة العرب من بينهم 89%، قد اعتُقِلوا منذ نيسان/ أبريل 2021، مشير إلى أنه “خلال الفترة المذكورة، تمّ تقديم لوائح اتهام بشأن 108 أحداث ضدّ 239 متهمًا في ظروف مشددة لعمل إرهابيّ أو دوافع عنصرية، 85% منهم (عرب) و15% يهود”.
وفقًا لمركز عدالة الحقوقي، فإن الشرطة الإسرائيلية صرّحت خلال الحملة عن تنفيذ 1,845 عملية اعتقال، من بينها 1,671 اعتقالًا استهدف فلسطينيين من الداخل، مقابل 171 معتقلًا من اليهود، مما يعكس تفاوتًا صارخًا بلغت نسبته أكثر من 91% ضد العرب.
من جانبها، نشرت الشرطة الإسرائيلية في الثالث من حزيران/يونيو 2021 بيانًا حول حملة “القانون والنظام” التي أطلقتها عقب الهبّة، وأكدت فيه أن إجمالي عدد المعتقلين بلغ 2,142 شخصًا، دون الخوض في تفاصيل الانتماء القومي أو الأسس القانونية التي بُنيت عليها هذه الاعتقالات.
أما تقرير مراقب الدولة الإسرائيلي، والذي نُشر في اليوم نفسه، فقد كشف عن تناقضات داخلية في معطيات الدولة نفسها. ففي حين قدّر أحد أقسام التقرير عدد المعتقلين بحوالي 3,200 شخص، أورد قسم آخر أن العدد لم يتجاوز 2,200 معتقل، ما يعكس وجود فجوة تقارب ألف معتقل مجهولي المصير من حيث التوثيق والتفصيل القانوني.
هذا التباين في الأرقام لا يُظهر فقط ارتباكًا إداريًا، بل يكشف عن غياب الشفافية والمساءلة في واحدة من أوسع حملات الاعتقال السياسي التي شهدها الداخل الفلسطيني منذ عقود، ويشكّل خلفية ضرورية لفهم انتهاكات التحقيق والتعذيب الممنهج التي تعرّض لها المعتقلون لاحقًا.
“أمك ماتت”… كيف يُنتزع الاعتراف بالدموع وكسر الأبناء

المعتقل محمد أبو رومي ضحية التعذيب النفسي والزنازين الضيقة
“صُعقت من هول التهم”، هكذا بدأت جيهان أبو رومي، والدة المعتقل محمد أبو رومي (23 عاما) من طمرة، حديثها وهي تستعيد لحظة قراءتها لملف التحقيق مع ابنها، المتهم بتنفيذ “عمل إرهابي مقصود على خلفية قومية” و”معاداة اليهود”. لم تكن هذه التهم وحدها ما هزّها، بل تلك الإجابات التي كُتبت على لسان محمد ووقّع عليها تحت ضغط التعذيب النفسي. تقول الأم إن هذه الاعترافات لا تشبه ابنها، ولا تصدر عن شخصيته، لكنها كانت جاهزة مسبقًا، وكان على محمد فقط أن يوقّع، ليخرج من دوامة الانهيار النفسي التي زُجّ بها.
من بين ما ورد في ملف التحقيق:
المحقق: لماذا قمت بالاعتداء على المواطن اليهودي؟
محمد: اعتديت عليه لأنه يهودي.
المحقق: هل ستعتدي علي في حال رأيتني في مظاهرة؟
محمد: لا، لن أعتدي عليك لأنك عربي.
المحقق: لماذا ضربت اليهودي وشاركت في المظاهرة؟
محمد: لأن أئمة المساجد كتبوا في فيسبوك ونادوا في المساجد بأن الأقصى يحترق.
هذه الإجابات، كما تؤكد الأم، لم تكن سوى صدى لتعذيب نفسي ممنهجأجبر ابنها على قول ما لم يقل.
زنزانة ضيقة… ورائحة موت
تروي جيهان عن تفاصيل الأيام الأولى لاعتقال ابنها: “وُضع محمد في زنزانة بالكاد تتسع لجسده، بمساحة لا تتعدى مترًا مربعًا، برائحة كريهة، محروم من الضوء والراحة. ثم روّعوه بإبلاغه أنني توفيت في حادث طرق، وأن عليه التوقيع على الاعترافات ليُسمح له بحضور جنازتي”.
تقول: “آثار التعذيب النفسي كانت واضحة على وجهه في أول جلسة محكمة. كان ينظر إلينا وفي عينيه ألف كلمة، أبرزها: أنا مظلوم. رغم ذلك، حاول أن يبدو قويًا. كما كان يفعل دائمًا حين يساعد والده في العمل… كان ابننا المسؤول، لكنه كان ينهار من الداخل”.
أسبوع في المجهول… وتهديد بفقدان العقل
في الخامس من حزيران/يونيو 2021، اعتُقل محمد من داخل مطعم كان فيه مع أصدقائه، على يد وحدة “مستعربين” ترافقها دورية شرطة. اختفى بعدها لأسبوع كامل، لم تعرف العائلة مكانه ولا ما يتعرض له. عندما سُمح للمحامي أخيرًا بلقائه، كانت “الاعترافات” قد أُخذت.
قال محمد لأمه في أول لقاء معه: “لو بقيتُ في الزنزانة يومين إضافيين، لفقدتُ عقلي”. تتذكر الأم زيارته الأولى عام 2021: “كان محمد ينظر إلى عقارب الساعة في غرفة الزيارة ويقول لي: لا تدعي الوقت يمضي بسرعة، أريد أن أراك أكثر. لم أستطع لمسه أو احتضانه. فقط أنظر إليه وأسمع صوته من خلف الزجاج. كنا نسترق النظرات كأننا نقاوم كل هذا العزل كي لا نسقط. هو يتمالك نفسه لأجلنا، ونحن نتمسك به لنصمد”.
تشعر جيهان أن ابنها تغيّر بالكامل: “هو اليوم لا يشبه محمد الذي نعرفه. صار يحمل ملامح أخرى، فيها وجع كبير، وكأنّه عاش أعوامًا لا أيامًا”.وتختم بصوت أم مثقلة بالشوق والظلم: “نحن ننتظر عدالة الله، ونؤمن أن الحقيقة ستظهر، وأن أبناءنا ليسوا مجرمين، بل ضحايا لآلة أمنية قاسية لا ترحم.”
في 24 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة المركزية حكمًا بسجن محمد أبو رومي لمدة سبعة أعوام
“كُبّل وهو غائب عن الوعي”… مصطفى مصري ضحية إصابة واعتقال مزدوج

في الثالث عشر من أيار/ مايو، أصيب الشاب مصطفى مصري (29 عاما)، أحد معتقلي هبة الكرامة من عكا، بجراح خطيرة نقل على إثرها إلى المستشفى، وهناك بدأت فصول جديدة من الألم لا تقل قسوة عن الرصاص نفسه. والدته، نجود سويدان، لم تكن تعلم شيئًا عن مصير ابنها حتى تلقت اتصالًا من أحد الشبان الذين كانوا في موقع الإصابة، يخبرها أن مصطفى أصيب ونُقل إلى المستشفى.
“وصلت إلى المستشفى فورًا، لكنهم لم يسمحوا لي برؤيته”، تروي الأم لنا بصوت يعلوه الأسى. لم يُسمح لنجود بالاطمئنان على ابنها المصاب إلا بعد تدخل من المحامي، وحصوله على إذن خاص يسمح لها بزيارته. وعندما دخلت الغرفة أخيرًا، وجدت مشهدًا تصف بشاعته بأنه لا يُمحى من ذاكرتها:”كان مكبّل اليدين والرجلين… رغم أنه لم يكن بوعيه أصلًا. لم يستطع أن يتكلم أو يتحرك، ولم أتمكن من قول شيء له أو سماع شيء منه”.
مصطفى خضع لعملية استئصال كلية دون علم العائلة، بحسب ما تؤكد والدته. لم تتلقَ العائلة أي إشعار طبي أو قانوني بخصوص الإجراء الخطير الذي خضع له ابنها. وبعد سبعة أيام من وجوده في قسم العناية المركزة، لم يُسمح لها بزيارته، إلا بصعوبة وبعد محاولات متكررة، وعندما فُتح لها الباب، كان بحضور عناصر الشرطة ولمدة عشر دقائق فقط.
لم يكن المشهد في المستشفى أقل قسوة من قاعة التحقيق. فبينما كانت حالته الصحية لا تزال حرجة، تقول الأم إن السلطات الإسرائيلية قررت نقله فجأة إلى التحقيق الأمني، وتحديدًا إلى أقبية جهاز الأمن العام، دون أي اعتبار لوضعه الصحي. “بقي في المستشفى نحو 20 يومًا، لكنه نُقل إلى التحقيق قبل أن يتعافى. لم يهمهم أنه كان يشعر بالإرهاق والتعب الشديد… لم يراعوا شيئًا”.
لكن ما روّع الأم أكثر هو ما علمته لاحقًا من ابنها خلال زيارات متباعدة له — ثلاث زيارات فقط في عامين، بسبب المسافة الطويلة إلى سجن “رامون” حيث يُحتجز، وظروفها العائلية الصعبة. في تلك الزيارات، أخبرها مصطفى بما لا يتصوره عقل: “ربطوه في كرسي ثلاثة أيام كاملة. لم يتحدث إليه أحد، ولم يحققوا معه. فقط ظلّ مكبلًا بالصمت والتجاهل… في عزلة تامة”، تقول الأم.
ليست الإصابات وحدها ما ينهك المعتقلين الفلسطينيين بعد هبة الكرامة، بل التواطؤ المؤسسي في التعامل معهم بوصفهم “خارجين عن القانون” منذ لحظة الإصابة، وحتى بعد دخولهم غرف الإنعاش. أن يتم تقييد شاب غائب عن الوعي في المستشفى، أن يُحرم من أمه وهو في وضع حرج، وأن يُنقل من سرير العلاج إلى كرسي التحقيق دون اكتمال شفائه، فهذه ممارسات لا تصنف إلا باعتبارها إهانة مزدوجة للكرامة والعدالة.

وفي ملف مصطفى، كما في عشرات غيره، يتكرس سؤال كبير عن الأخلاقيات الطبية والقانونية في حالات الاعتقال المرتبط بالإصابات: من يوافق على تقييد مصاب فاقد للوعي؟ من يُحاسب على استئصال كلية دون علم ذويه؟ ولماذا تُنقل أجساد لم تلتئم بعد، إلى غرف تعذيب معنوي وجسدي؟ يواجه مصطفى مصري عقوبة السجن لمدة 11 عاما بعد أن فرضت عليه ذلك المحكمة المركزية في حيفا يوم 23 يوليو/تموز 2024.
“يما فش أكل”… شهادة أمّ أمام انهيار ابنها في السجن
طارق كيوان ضحية البرد والجوع والإهمال داخل الزنازين

“يما فش أكل”، بهذه الكلمات القليلة استرق طارق كيوان، ابن العشرين عامًا من بلدة جديدة المكر، الدقيقة الوحيدة التي سمح له القاضي خلالها بالتحدث إلى عائلته، عبر جلسة محاكمته على تطبيق “زوم” في المحكمة المركزية بمدينة حيفا. لم تكن تلك الجملة مجرد شكوى عابرة، بل كانت صرخة مكثفة بالألم، نطقت باسم جسدٍ أنهكته المعاناة، وروحٍ تذوب ببطء في عتمة الزنزانة، منذ أن تم اعتقاله يوم 23 تشرين الأول/ أكتوبر 2022، على خلفية المشاركة في أحداث “هبة الكرامة”.
سأله والده أكرم كيوان بحنان الأب وخوفه: “هل تتعرض للضرب يابا؟”، فأجابه طارق بنبرة هادئة “لا أتعرض للضرب”، لكن الوالدة، جيهان كيوان، شعرت أن ابنها لا يقول الحقيقة كاملة، خشية أن يزيد من قلقهم عليه. “أظنه لم يخبرنا بالحقيقة كي لا يقلقنا”، قالت بصوت اختلط فيه الألم مع الحيرة.
دموع الأم أقوى من كل محاولات الصمود

لم تتمالك جيهان كيوان والدة المعتقل طارق كيوان (21 عاما) من الجديدة المكر نفسها حين رأت حالة ابنها طارق في الجلسة بعد انقطاع دام أربعة أشهر عن رؤيته، على الرغم من حرصها دائمًا على أن تبدو قوية ومتماسكة أمامه في الزيارات السابقة، حرصًا على رفع معنوياته. وتكشف لنا هذه المرة عن مشهد ابنها قائلة:” جسده نحيل إلى حد مرعب، بالكاد عرفته من خلف الشاشة، شعره طال، لحيته كثّة، ملابس السجن فضفاضة عليه، ووجهه يبدو كما لو أن العظام فقط هي التي تشكله”. في تلك اللحظة، انهمرت دموعها رغماً عنها، فجلس زوجها إلى جوارها يشد أزرها، محاولًا تهدئتها بكلمات الصبر، علّ قلب طارق لا يحزن إن رأى بكاءها.
تواصل الأم حديثها:” طلب طارق خلال الجلسة مقابلة محاميه على وجه السرعة، قائلاً بصوت خافت “ضروري جدًا”. بدت كلماته كما لو كانت آخر خيط يحاول التمسك به للخروج من هاوية الانهيار النفسي”.
قالت الأم: “استعنت بأمومتي لأتماسك وأحبس الحزن في قلبي حتى تنتهي الجلسة، لكن الدهشة والصدمة غلبتني، بالكاد عرفته، لقد أصبح نحيلاً، كأنه هيكل عظمي. لم أتوقع أن أراه بهذا الشكل، فقدت القدرة على التركيز، ولم أتمالك نفسي فأجهشت بالبكاء في زاوية من قاعة المحكمة حتى لا يراني طارق عبر الشاشة، كي لا ينكسر أكثر”.
سجن يأكل الجسد ويكسر المعنويات
الوالدة تحدّثت لنا عن شهادات سمعتها من معتقلين أنهوا محكوميتهم، آخرهم أسير محرر مؤخرًا، أبلغها:” البرد والجوع يفتكان بالمعتقلين. لا طعام كافٍ لسد رمقهم، لا ملابس دافئة تقيهم برد الزنازين، نوافذ السجن الداخلية خُلعت عمدًا لإدخال الهواء البارد، ولم تُقدَّم للمعتقلين سوى أغطية رقيقة لا تقي من قسوة الشتاء. حتى الوجبات كانت مهينة في فقرها، إذ خُصصت وجبة صغيرة من الأرز لكل عشرة سجناء، بالكاد تكفي لشخصين، كما تمت مصادرة ملابسهم، ليُستعاض عنها بملابس السجن لاحقًا، بعد أن اشتد البرد”.
في هذا الجحيم، تقول جيهان إن طارق كان هو من يمنحها القوة. “كان يرفع معنوياتي من خلف القضبان، كان يقول لي: (مصيرنا الخروج من غياهب السجن إلى عالم الحرية)، وكان ذلك يمدّني بالأمل. لكنه اليوم إنسان آخر… انهارت روحه قبل جسده”.
تصفه بأنه بدا أكبر من عمره الحقيقي، وقد تغيرت ملامحه بالكامل، حتى شخصيته التي كانت صلبة صارت خافتة، مطحونة تحت وطأة التجويع والإذلال والبرد والغياب الطويل. لم تكن الابتسامة حاضرة على وجهه كما في الجلسات السابقة، بل غابت كليًا. “اليوم هو إنسان حزين، خائر القوى، معنوياته منهارة، والقهر يأخذ منه كل مأخذ”، قالت الأم وهي تستعيد مشهدًا لا تغيب عنه تفاصيل الوجع.
حين يُحاكم المعتقل بالصمت والجوع

لم يكن طارق، بحسب والدته، بهذه الحالة حتى في أصعب فترات التحقيق، حين تم تقييده أكثر من ثماني ساعات رغم إصابة في إحدى يديه. آنذاك كان قويًا وشامخًا، أما الآن فالجوع والبرد والعزلة فعلت به ما لم تفعله القيود. لم يكن ذلك مجرّد اعتقال، بل عملية بطيئة لتفكيك إنسان.
ما يحدث مع طارق كيوان، ليس مجرد انتهاك لحقوق المعتقلين، بل هو شهادة حية على واقع السجون، والدته التي استعانت بأمومتها لتبدو قوية أمامه، وجدت نفسها أمام مشهد تجاوز طاقتها، حتى الكلمات خانتها، فلم يبقَ سوى الدموع لتتكلم.
يشار الى أنه في 12 اذار/مارس فرضت المحكمة المركزية في مدينة حيفا، السجن الفعلي لمدة 45 شهرا وغرامة مالية قدرها 9 آلاف شيكل على الشاب طارق كيوان ، وذلك على خلفية المشاركة في احداث هبة الكرامة في أيار 2021 حيث كان قاصرا.
“ابنك مات”… كيف انهار المعتقل راني فيران تحت التعذيب؟

في لحظة واحدة، تغيّر كل شيء. جلس راني فيران (33 عاما) من عكا، في زنزانته الضيقة التي لا تتجاوز مساحتها مترين بمترين، يستمع لما لا يمكن لأي أب تحمله. “طفلك مات”، هكذا قيل له خلال التحقيق، وفقًا لشهادته، في محاولة لانتزاع اعتراف. كانت العبارة أكثر من مجرد خدعة نفسية، كانت طعنة في قلب الأبوة، وبداية لانهيار إنساني كامل.
ما جرى مع راني ليس سيناريو دراميًا من نسج الخيال، بل حقائق صادمة كشف لنا عنها المحامي بدر اغبارية، الموكل بالدفاع عنه، خلال مرحلة الدفاع في المحكمة. ووفقًا لشهادته، فقد تعرض موكله لأساليب ضغط نفسي بالغة القسوة، من بينها التلاعب بعواطف الأبوة، وإبلاغه كذبًا بأن طفله الصغير قد تُوفي، مع حديث المحققين أمامه بلغة جارحة وصادمة: “راني يجلس هنا مثل الحمار، بينما ابنه ميت، لكنه لا يريد الاعتراف ليتمكن من حضور جنازته”.
خدعة الموت وابتزاز الصورة
لم يتوقف الابتزاز النفسي عند الكذبة الكبرى، بل اتخذت الأساليب شكلًا أشد قسوة. ذكر المحامي اغبارية:” إذ أُحضرت له صورة أطفاله، وقيل له مباشرة: “إما أن تعترف، أو أنك لن تراهم مجددًا. ثم أدخل شخص إلى زنزانته يحمل صورة يدّعي أنها لطفله، في محاولة لإحداث صدمة إضافية تفتت ما تبقى من تماسكه. كان الهدف واضحًا: تفكيك إنسانية المعتقل، وتحويل حبه لعائلته إلى نقطة ضعف تُستخدم ضده.

التعذيب الجسدي: الزنزانة، الكرسي، والمرحاض القذر
وأشار المحامي إلى أن “موكله تعرّض لإهانات متكررة وتهديدات مستمرة تمس والدته وزوجته وأطفاله. فيران كان يُجبر على التوقف عن الأكل فجأة بحجة انتهاء الوقت، وكان يُنادى أثناء تناوله للطعام بعبارات مهينة مثل: “لم تُدعَ إلى هذه العزومة، عد إلى غرفة التحقيق”! وقد بلغ به الأمر حد الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، نتيجة الإهانات المتواصلة والسباب الذي طال الذات الإلهية”.
راني فيران وصف كذلك تعرّضه لتعذيب جسدي ممنهج، أمام القاضي خلال جلسة الادلاء بشهادته بدءًا من احتجازه في زنزانة ضيقة تفتقر لأبسط مقومات الحياة. كما تم تقييد يديه خلف ظهره، وأُجبر على الجلوس على كرسي صغير جدًا يشبه كراسي طلاب الصفوف الابتدائية، لمدة عشرين ساعة متواصلة، دون السماح له باستخدام المرحاض. وعندما سُمح له بذلك، وجد المرحاض في حالة مزرية جعلته يمتنع عن استخدامه في البداية.
المحامي بدر اغبارية: طلبنا من المحكمة بعدم اعتماد اعترافات موكله التي انتزعت تحت التعذيب النفسي والجسدي

في مستهل المحاكمة، تقدم المحامي بدر اغبارية الموكل بالدفاع عن راني بطلب رسمي للمحكمة بعدم اعتماد اعترافات موكله، مؤكدًا أنها انتُزعت تحت التعذيب الجسدي والنفسي، ما يجعلها قانونيًا غير صالحة للاستخدام كأدلة إدانة. وأشار إلى أن رجال المخابرات الذين أشرفوا على التحقيق حضروا جلسات المحكمة، ما يثير تساؤلات حول الضغط المعنوي الممارس داخل قاعة القضاء.
كما لفت اغبارية إلى أن لحظة الاعتقال نفسها شهدت خرقًا للإجراءات القانونية، حيث قيل لراني مباشرة عند اعتقاله: “أنت متهم بالمشاركة في قتل الشخص الذي مات في الفندق خلال أحداث عكا”، أي قبل توجيه لائحة اتهام رسمية أو بداية أي تحقيق قانوني.
المحامي بدر اغبارية: أين تنتهي العدالة؟
قضية راني فيران ليست مجرد ملف قانوني، بل مرآة تعكس معاناة إنسانية عميقة، واختبارًا حقيقيًا لحدود العدالة ومشروعية الأساليب الأمنية المتبعة. إذا صحت هذه الشهادات، فنحن أمام انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تمس جوهر العدالة. فهل يمكن لمحكمة أن تعتمد اعترافًا جاء من خلال الكذب، والعزل، والإهانة، والتجويع؟ وهل يُعقل أن تتحقق العدالة على أنقاض كرامة إنسان تم تحطيمه نفسيًا وجسديًا؟ راني فيران ليس مجرد متهم، بل إنسان وقع تحت قبضة إجراءات قد تخرق المعايير القانونية والأخلاقية. خلف كل اسم في قاعة المحكمة، هناك أب، زوج، ابن… إنسان. والتحقيقات الأمنية لا يجب أن تكون فوق الإنسانية. واعتقل راني فيران (30 عامًا) في 22 حزيران/ يونيو 2022، وقدم ضده لائحة اتهام في 28 تموز/ يوليو من العام ذاته. خضع للحبس المنزلي منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2022 حتى أيار/ مايو 2023، ثم أعيد اعتقاله حتى أيار/ مايو 2024، قبل أن يتم تحويله مجددًا للحبس المنزلي في قرية جديدة المكر.
من قاعة المحاضرات إلى زنزانة الانفراد.. معاناة الطالب عبيدة زيتاوي أبو بكر خلف القضبان

بين دفّات الكتب وأصفاد السجون، تقاطعت حياة معتقل هبة الكرامة عبيدة زيتاوي أبو بكر من قرية زلفة ( 25 عاما) فجأةً مع سردية القمع التي طالت معتقلي هبة الكرامة. طالبٌ في كلية عكا كان يحلم بمستقبلٍ بين الأرقام والمحاسبة، قبل أن تتحول حياته إلى كابوس من التحقيقات القاسية، والتهديدات، والزنازين المتجمدة منذ اعتقاله في 31 أيار/مايو عام 2021 بتهمة ” “المشاركة في احداث هبة الكرامة”
في مقابلة خاصة أجريتها مع المحامي خالد محاجنة، أحد أبرز المدافعين عن حقوق الأسرى، والموكل بالدفاع عن المعتقل عبيدة زيتاوي يكشف لنا النقاب عن منظومة القمع الممنهج التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون عامة ومعتقلي هبة الكرامة خاصة: “ما يحدث داخل السجون الإسرائيلية يتجاوز كل الحدود الإنسانية والقانونية. شهادات الأسرى التي وثقتها، ومن بينها شهادة عبيدة زيتاوي، تكشف عن سياسة تعذيب منهجية تهدف إلى كسر الإرادة قبل كسر الأجساد”.

من الاعتقال إلى المحكمة: شهادة تكشف النظام القمعي
في جلسة المحكمة بتاريخ 10/2/2025، كشف عبيدة – الذي كان يدرس المحاسبة والاقتصاد قبل اعتقاله – عن تفاصيل صادمة عن معاناته :” فقدت 30 كيلوغرامًا من وزني بسبب سياسة التجويع. نُقدم لنا وجبات شحيحة، حتى أن المربى توزع مرة واحدة في الشهر”.
المحامي محاجنة يعلق:”عبيدة ليس حالة فردية. هناك المئات من الأسرى الذين يعانون من سوء التغذية المتعمد. النظام يهدف إلى إضعافهم جسدياً ونفسياً قبل المحاكمات”.
التحقيق: بين التهديد بالترحيل والاعترافات القسرية
اعتقل عبيدة فجرًا في عملية مداهمة، ونقل إلى معتقل الجلمة حيث واجه تحقيقاتٍ وصفتها منظمات حقوقية بـ”التعذيب المنهجي :” هددوني بترحيل عائلتي وسجن أمي لأنها من الضفة… أحد المحققين بصق على وجهي، وآخرون جعلوني أعترف بأشياء لم أفعلها”.
المحامي محاجنة يؤكد: “هذه الأساليب ممنهجة. لدينا عشرات الحالات التي انتزعت اعترافاتها تحت التعذيب والتهديد. المحاكم الإسرائيلية تغض الطرف عن هذه الانتهاكات بشكل ممنهج”.
“من الزنزانة إلى لاهاي: حين تصبح العدالة الدولية الخيار الأخير”
الوصف الذي قدمه لزنزانته يلخص فظاعة النظام: “غرفة تتسع بالكاد لوقوفي، بمرحاض ومصدر ماء واحد للشرب والغسل. البرد قارس، والطعام لا يكاد يبقيني حيًا. منذ عام لم أتمكن من تغيير ملابسي الداخلية، ونمنع من أخذ ملابس جديدة. وصلت إلى المحكمة اليوم، ومنذ أسبوع كامل لم يُسمح لي بالاستحمام، إذ إنني عندما وصلت الأسبوع الماضي إلى جلسة المحكمة التي أُجلّت، كان على يدي ورجلي دما بسبب الأصفاد، كانت يدي مقيدة خلف ظهري في سيارة نقل الأسرى اليوم، الظروف التي نعيشها في السجون في ظل البرد والحر والقمع قاهرة وصعبة”.
المحامي محاجنة يضيف: “الزنازين التي يودع فيها الأسرى الفلسطينيون تفتقر لأبسط شروط الحياة الكريمة. هذه سياسة عقاب جماعي تتعارض مع كافة المواثيق الدولية”. في حديثه الأخير، يحذر المحامي محاجنة: “الصمت الدولي يشجع إسرائيل على الاستمرار في انتهاكاتها. نحن نعمل على تقديم ملفات كاملة للمحكمة الجنائية الدولية، لكننا نحتاج لضغط دولي حقيقي”.
“اعترافات تحت التهديد”… المعتقل آسي حوراني يكشف ما جرى داخل أقبية التحقيق بعد هبة الكرامة

فتحت أحداث هبة الكرامة أبوابًا مظلمة على الملاحقة السياسية والأمنية، والاعتقالات العشوائية، والانتهاكات الصامتة التي لا يراها الإعلام ضد المواطنين العرب في اسرائيل. من بين هؤلاء الذين سُحبتهم آلة القمع إلى متاهاتها، يقف معتقل هبة الكرامة أسي حوراني(53 عاما) من مدينة عكا شاهدًا حيًا على ما وصفه بـ”حرب نفسية معلنة”، لم تكن تسعى للعدالة بقدر ما كانت تطارد الاعتراف بأي ثمن.
وقد قررت المحكمة المركزية ضد حوراني حكمًا بالسجن الفعلي لمدة 18 شهرًا على المواطن آسي حوراني (53 عامًا) من مدينة عكا، كما قررت محكمة الاحتلال فرض غرامة مالية على حوراني بقيمة 10 آلاف شيكل، ضمن العقوبات المرافقة للحكم. وكان حوراني قد سلّم نفسه بتاريخ 27 كانون الأول/ ديسمبر 2022، حيث بقي قيد الاعتقال حتى 29 أيار/ مايو 2023، ثم جرى تحويله إلى الحبس المنزلي مع قرار بإبعاده عن مدينته عكا. حيث قدّمت النيابة العامة في 18 كانون الثاني/ يناير 2023 لائحة اتهام ضده تضمنت عدة تهم من بينها: محاولة قتل مستوطن يهودي، وتحطيم كاميرات مراقبة، وإشعال حرائق، ورشق حجارة، خلال المواجهات التي شهدتها مدينة عكا في تلك الفترة. وفي تطور لافت خلال مجريات المحاكمة، تمكن المحامي ماهر تلحمي، الموكل بالدفاع عن حوراني، من إقناع المحكمة بشطب تهمة “الإرهاب” من ملف القضية، ما اعتبر تطورًا جوهريًا أسهم في تخفيف الحكم الصادر بحق موكله.
لم يكن في البيت عندما داهم جهاز الأمن العام الإسرائيلي منزل آسي حوراني، في كانون الأول/ ديسمبر من العام 2022. عامٌ كامل مرّ على هبة الكرامة، لكن دائرة الاتهام كانت لا تزال تتوسع. علم بالأمر، وسلّم نفسه بعد ثلاثة أيام، في السابع والعشرين من الشهر ذاته. هكذا دخل آسي حوراني إلى عالمٍ لا يعرف الزمن فيه معنى، ولا يحمل المكان فيه اتساعًا، سوى لتفاصيل الخوف.
يكشف آسى عن أساليب التحقيق داخل غرف التحقيق، التي وصفها بأنها “قبور تحت الأرض”، قبل أن ينتقل إلى الحبس المنزلي. لكن قبل ذلك، قضى خمسة عشر يومًا في التحقيق، تعرض فيها ــ بحسب شهادته ــ لـ”أبشع أنواع الضغوط النفسية والجسدية”. يقول :” “كُبلت يدَيّ وقدماي ساعات طويلة… وصلت في بعض الأحيان إلى 15 ساعة متواصلة، كانوا يبصقون في وجهي، ويشتمونني، ويهددونني بأبنائي. كانوا يريدون اعترافًا… أي اعتراف، لا يهم إن كنت فعلت أو لا”.
كانت والدته، المريضة بأمراض القلب والشرايين، هي ورقة الابتزاز الأعنف. بعد ثلاثة أيام فقط من اعتقاله، أُخبر أن والدته توفيت، وأن بإمكانه حضور الجنازة إذا اعترف بالتهم. يقول: “صدّقت. كانت قد نُقلت فعلًا إلى المستشفى في اليوم ذاته. شعرت أنني إن لم أذهب للجنازة فسأفقد نفسي. فكرت بالانتحار، وكنت على وشك أن أقول كل ما يريدونه… فقط لأراها. لكنهم كانوا يكذبون. كانت لا تزال على قيد الحياة”.
خلال تلك الأيام، لم يُسمح له بمقابلة محامٍ. حُبس في زنزانة مساحتها لا تتجاوز المتر ونصف مربع، وبداخلها مرحاض. يقول: “لم يكن هناك مكان لأضع رأسي. لم يكن هناك ليل أو نهار. المكيف كان ينفث هواءً بارداً طوال الوقت، والمصابيح مشتعلة 24 ساعة. فقدت جزءاً من بصري، ولا أستطيع حتى اليوم الخروج للعلاج بسبب قيود الحبس المنزلي”.
لم يكن حوراني الوحيد في هذا النفق المظلم. التقى داخل المعتقل بعدد من معتقلي هبة الكرامة الذين أخبروه بأنهم اعترفوا بتهم لا علاقة لهم بها، فقط لوقف الضغط والتنكيل.
المحامي تلحمي: “قدمنا شكوى ضد جهاز الأمن”

محاميه، ماهر تلحمي، أوضح بحديثه الينا بأنه رفع شكوى ضد جهاز الامن العام/ الشاباك، مشيراً إلى أن “النيابة لا تملك أدلة مادية دامغة”، بل تعتمد على تسجيلات صوتية من هاتف حوراني، وشهادات متهمين آخرين “قالوا اسمه فقط تحت الضغط”. يضيف تلحمي أن “جهاز الشاباك لم يلجأ إلى فحص تسجيلات الكاميرات، بل بنى قضيته على “لائحة أسماء” قدمها له مخبر متعاون، وبدأ التحقيق من الأسماء الأضعف، بدنياً أو نفسياً، “حتى يكسرهم بسهولة”. هنا يوجد إضافة استهلالين
ويتابع تلحمي بأن “تدخل الشاباك في قضايا جنائية “ليس قانونيًا”، لأن مهمته الأصلية هي منع وقوع الجرائم، لا التحقيق فيها. لكنه، في سياق سياسي لا يحمي حقوق الأقليات، يتدخل الشاباك في القضايا الجنائية متى ما صنفها على أنها “إرهابية”. وفي مثل هذه الحالات، تُمنح له صلاحيات غير محدودة، ويصبح الوصول إلى “الملف السري” أمرًا محظورًا حتى على المحامين”. (هنا يوجد إضافة استهلالين)
المحامي ماهر تلحمي: يتم اختطاف المعتقل من حيز الزمان والمكان”
يقول تلحمي: “طريقة الاعتقال نفسها تشبه الاختطاف. وحدات خاصة ملثمة، تعتقل شخصًا من بيته، وتنقله إلى قبو تحت الأرض، إلى زنزانة بحجم متر مربع، يُمنع من النوم، يُكبل لساعات، تُلقى عليه الشتائم، وتُنتزع منه الاعترافات”.
ويذكر قضية معتقل آخر من عكا، هو أدهم بشير، الذي حُكم عليه بالسجن الفعلي لمدة عشر سنوات، بعد أن أُجبر على الاعتراف بما لم يفعل. يقول: “أدهم خرج من التحقيق وهو محطم نفسيًا. الآن هو بحاجة لعلاج عاجل، وقد ينهار تمامًا إن بقي الحال كما هو”.
“مع أن العنف الجسدي المباشر لم يعد يمارس علنًا، إلا أن وسائل الإكراه الأخرى، من تكبيل وتعذيب معنوي مستمر، لا تقل فتكًا بالروح”، وفق ما يشير إليه المحامي.
في ختام حديثه معنا، يناشد آسي حوراني عائلات المعتقلين الآخرين بأن لا يصمتوا، وأن يتقدموا بشكاوى جماعية ضد الشاباك، مطالبًا بإعادة النظر في كل الاعترافات التي انتزعت تحت التهديد، لأن الظلم، كما يقول:”ليس فقط في السجن… الظلم أن تُحاكم على ما لم ترتكبه، وأن تُحرم من ضوء الشمس لأنك رفضت الكذب”. يبقى هذا الملف مفتوحًا. فكل ما حدث، وكل ما قيل تحت قسوة التحقيق، بحاجة لمن يسمعه… ويحاسب عليه.
دموع الأمهات لا تجفّ… نور واكد ضحية خداع المحققين في أقبية التحقيق الإسرائيلية

خلال اجتماع لعائلات معتقلي هبة الكرامة في جمعية بلدنا في محاولة للتشكيل حراك للدفاع عن معتقلي “هبة الكرامة، تجلس رباب واكد من مدينة حيفا بثبات متماسك تخفي خلفه خيبات كثيرة، وعينان متعبتان بالكاد تحجبان أثر القلق والخذلان. إلى جانبها صورة ابنها “نور”، الشاب الذي تقول عنه إنه “معتقل ظلمًا”، يوم 12 حزيران/يونيو 2021، وتروي لنا تفاصيل مريرة عما تعرض له في أقبية التحقيق، وكيف حُرم من حريته ليس بناءً على أدلة دامغة، بل على اعتراف انتُزع بالحيلة، وكشاب لم يحتمل الضغوط النفسية التي فُرضت عليه.
تقول الأم لنا: “أوهموه أنه فقدني… جعلوه يظن أنني توفيت في حادث سير. تبدأ الحكاية من اللحظة التي سمع فيها ابني نور، الشاب العشريني، حديثًا جانبيًا دار بين السجانين والمحققين أمامه. كان الكلام يدور بشكل غير مباشر لكنه مسموع بما يكفي ليصله. ورد اسم والدته، وذُكر “حادث طرق”، وأظهر الحاضرون من المحققين الآخرين الذين تواجدوا في غرفة التحقيق علامات الأسى والمواساة، كأنهم ينعونه لأم لم تعد على قيد الحياة. ثم، وبإتقان مسرحي مرعب، وضعوا أمامه صورة لسيارة محطمة تحمل لوحة الترخيص الخاصة بوالدته، التُقطت عند مفترق “الياجور”. الصورة وحدها، مع كل ما سبقها، كانت كافية لتغرقه في وهم كبير، جعله ينهار تمامًا ويوقّع على لائحة اتهام لا يعلم حتى ما تحويه بالكامل”.
“لم يحتمل الفكرة… كيف لشاب يسمع أن أمه رحلت، فيقوى على الصمود وعدم الاعتراف باعترافات باطلة؟” تسأل الوالدة رباب، وهي تسرد الموقف وتتابع:” لكن الفاجعة لم تقف عند هذا الحد. فما إن وقع نور على الاعتراف، حتى باغته المحققون بسؤال عبثي يحمل في طياته قسوة لا توصف: “من تريد أن تكلم الآن، أمك أم أباك؟” في تلك اللحظة، أدرك نور أنه وقع ضحية لمسرحية مدبرة، وأن الحديث عن وفاة الأم كان كذبة، مجرد وسيلة للإجبار على التوقيع. صدمة الحقيقة كانت أشد من الكذبة نفسها، وأقسى من الاعتقال ذاته”.
تصف والدته لنا مشهد الصدمة قائلة:” إن نور كان مكبل اليدين والرجلين طيلة جلسات التحقيق، يجلس على كرسي ثابت لا يستطيع الحراك، مما تسبب له بجروح والتهابات في المعصمين. وعندما تمكنت من زيارته بعد انتهاء التحقيق بأيام، رأيت آثار تلك القيود واضحة على يديه. لم يكن كما عهدته. بدا ضعيفًا جسديًا، فقد الكثير من وزنه، وكان في حالة انهيار نفسي كامل”.

تقول الأم إنها لاحظت خلال إحدى جلسات المحاكمة علامات تعذيب واضحة على جسده، خاصة على معصميه، وكان قد خسر نحو 12 كيلوغرامًا من وزنه. “أخبرني أن طعم الماء كان مرًا… ليس ماءً طبيعيًا. هذا ما جعله يتوقف عن الأكل والشرب، وبدأت تراودني الشكوك: هل من الممكن أن يضعوا موادًا في الطعام أو الماء؟ لا أستبعد شيئًا عنهم”، تقول الأم بحسرة.
معاناة نور داخل الزنازين امتدت أيضًا إلى التلاعب بالبيئة المحيطة، حيث كان مكبلًا على كرسي لفترات طويلة، في غرفة باردة للغاية، حيث المكيف يعمل على درجة حرارة منخفضة جداً، مما فاقم من حالته النفسية والجسدية. ما زالت العائلة تخوض معركة قانونية شاقة داخل أروقة المحاكم، تقول رباب: “لا تزال الجلسات مستمرة، والملف لم يغلق بعد. نعيش كابوسًا مفتوحًا لا نهاية له”.
المحامي حمودة مصري: “فبركة الوفاة كوسيلة انتزاع اعتراف: انتهاك جسيم للقانون والأخلاق”
المحامي حمودي مصري، الذي يتولى الدفاع عن نور، أكد لنا أن قضية موكله جزء من ملف أكبر وأكثر تعقيدًا يخص معتقلي “هبة الكرامة”. ويؤكد أن النيابة العامة جمعت اعترافات من معظم المعتقلين عبر الضغط النفسي والجسدي، دون توفر أدلة مادية قوية. يقول:”نحن نتعامل مع أحكام عنصرية، وعنجهية قانونية تستهدف العرب بشكل مباشر. المعتقلون العرب تعرضوا للاعتداءات، ولتدمير ممتلكاتهم، بينما المستوطنون الذين هاجموا منازل العرب لم يُحاكموا”.
يرى المحامي مصري أن ما حدث مع نور واكد، من فبركة حادث وفاة أمه، ليس مجرد تجاوز قانوني، بل جريمة أخلاقية، تعبّر عن منهجية في الابتزاز العاطفي النفسي المعتمد داخل غرف التحقيق التابعة لجهاز الأمن العام. ملفات معتقلي هبة الكرامة تكشف أن المحاكمات لا تدار بأدلة، بل تُبنى على الانكسارات النفسية للمعتقلين، خاصة الشباب منهم.
ووسط هذا الظلام، تبقى الأمهات، تحاول اثبات براءة ابنها من أجل الحقيقة، أو على الأقل من أجل “عدالة متأخرة”، لعلها تُعيد نورًا قليلاً إلى حياة ابنها لما تعرض له في سرداب التحقيق. يشار الى أن نور واكد يقبع في الحبس المنزلي حتى الانتهاء من إجراءات التحقيق في ملفه.
“شهادة من الأب عن الابن: “محمد عثمان في مواجهة تحقيقات مطولة وإجراءات مثيرة للقلق”

في شهادة قد تسلط الضوء على ممارسات التحقيق الإسرائيلية بحق المعتقلين خلال أحداث هبة الكرامة، يصف سمير عثمان، والد المعتقل محمد عثمان (21 عامًا) من مدينة عكا، ظروف اعتقال نجله والتحقيق معه، معربًا عن قلقه الشديد على حالته الصحية والنفسية.
اعتقال وسط الإصابة
بحسب والده، اعتُقل محمد في 17 أيار/مايو2025، بينما كان لا يزال يتعافى من إصابة بقدمه إثر إطلاق نار تعرّض له قبل أسبوع من الاعتقال، ما استدعى حينها نقله إلى المستشفى. ويقول الأب إنه حاول إبلاغ القوة التي حاصرت ابنه – نحو خمسين عنصرًا من أفرادالشرطة الخاصة – بأن محمد غير قادر على المشي دون عكازة، “لكن لم يُستجاب لندائي، وتم اقتياده رغم إصابته، ويصوبون أسلحتهم بوجه ابني، وقد صوب نحوي احد الجنود السلاح وقال لي لا تقترب، لكني لم اتمالك نفسي وتوجهت لاحتضان ابني”.
ظروف تحقيق صعبة
وينقل سمير عثمان عن نجله أن التحقيق معه امتد لأيام طويلة تخللتها فترات احتجاز في ظروف صعبة. وذكر أن ابنه جلس لفترات تصل إلى تسع ساعات على كرسي بلا مسند، وهو مكبّل اليدين والقدمين، دون اعتبار لمكان إصابته، فيما فُرض عليه غطاء أسود فوق الرأس خلال فترات التحقيق الأولى، ما جعله غير قادر على تمييز الوقت أو إدراك الليل من النهار.
كما أفاد بأن المحققين كانوا يعمدون أحيانًا إلى إخراجه من الزنزانة ثم إعادته إليها لفترات قصيرة توحي بانتهاء التحقيق، قبل أن يُعاد استدعاؤه مجددًا، وهو ما وصفه الأب بأنه “أسلوب ضغط نفسي متكرر”.
الزج في زنازين العصافير
ووفقًا للشهادة، نُقل محمد لاحقًا إلى ما يُعرف بـ”زنازين العصافير”، حيث يتم وضع المعتقلين مع موقوفين آخرين يُشتبه بتعاونهم مع السلطات، دون علم المعتقلين بذلك. ويقول سمير إن نجله ظنّ أن من يحدثه قادر على مساعدته، فتحدث معه بصراحة، ليتبين لاحقًا أن هذه الأحاديث وصلت للمحققين بتفاصيلها.
خاتمة: كرامة من؟حذف كرامة من
بعد كل هذه الشهادات التي سمعناها من أمهاتٍ مكلومات، وشبّانٍ كُسرت أرواحهم في الزنازين قبل أجسادهم، لا بد أن نختتم بهذه الشهادة التي لا تقلّ وجعًا عن أي شهادة عايشت التحقيق أو الاعتقال، لكنها تأتي من خارج القضبان، من ناشطٍ حمل في صوته وجع المرحلة، وفي ذاكرته صدى العزلة والانكسار.
يقول الناشط مراد حداد من شفاعمرو والذي رافق عدد من معتقلي هبة الكرامة: “علينا أن نُقرّ بوجود فشل كبير، ويجب أن نصحو. لا يُعقل أن يبقى مجتمعنا نائمًا. أولادنا يُذبحون في الشوارع بسبب تقاعس الشرطة في ملف العنف والجريمة، والاعتقالات والملاحقات في المحاكم لا تتوقف”.
ثم يضيف، بصوت يرتجف فيه الغضب والحنق: “انهيار الأمهات مشهد لا يمكن احتماله. الأمهات يبكين، وأنا أبكي معهن، وكل من حضر بكى، حتى الرجال والنشطاء، جميعهم بكوا. لأن الوجع هنا أكبر من قدرتنا على تحمّله أو كتمانه.”
ويتابع: “شابٌ ناجح، في بداية حياته، يُعتقل على خلفية هبّة الكرامة. وإذا كانت هبّة الكرامة فعلًا تمثّل كرامة شعب، فأين هذا الشعب؟ لماذا حين نزل من المحكمة لم يجد خمسين شخصًا يقفون إلى جانبه؟ أنا أفهم هذا الشعور جيدًا، فقد اعتُقلتُ سابقًا، وأنا طفل، ثم وأنا شابّ، وأعرف تمامًا ماذا يعني ألا تجد أحدًا حولك.”
ويختم بتساؤلات لا تزال معلّقة، بلا جواب، لكنها تهزّ الضمير: “أنا عشان مين اعتُقلت؟ هبّة الكرامة؟ كرامة مين؟ وين كرامة الناس؟ وين شعبنا؟ وين جمهورنا؟”
توصيات قانونية وحقوقية مستخلصة من شهادات محامي الدفاع عن معتقلي “هبة الكرامة”
استنادًا إلى شهادات مجموعة من المحامين وهم: خالد محاجنة، ماهر تلحمي، حمودي مصري، بدر اغبارية. الذين تولّوا الدفاع عن عدد من معتقلي “هبة الكرامة”، تتّضح صورة مقلقة لممارسات جهاز الأمن العاموالنيابة العامة الإسرائيلية، والتي شملت أساليب تعذيب نفسي وجسدي، وانتهاك معايير المحاكمة العادلة، واعتماد اعترافات منتزعة تحت التهديد والابتزاز بدلًا من أدلة مادية قانونية. يؤكد المحامون أن هذه الانتهاكات لا تمثّل حالات فردية، بل جزءًا من سياسة ممنهجة تستهدف الفلسطينيين بشكل خاص، بما يتعارض مع القانون المحلي والدولي. من هنا، تبرز جملة من التوصيات القانونية الملحة التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار من قبل الجهات الدولية، القضائية والحقوقية، من أجل ضمان العدالة والمساءلة.
التوصيات:
إعادة النظر في الاعترافات المنتزعة: ضرورة إعادة فحص كافة الاعترافات التي تم الحصول عليها من المعتقلين، خاصة في حالات مثل نور واكد وأدهم بشير راني فيران ومحمد ابورومي، حيث انتُزعت تحت ضغط نفسي أو خداع ممنهج (مثل فبركة وفاة الأم)، مما يفقدها الشرعية القانونية.(بدر اغبارية)
تحريك مسار قانوني جماعي ضد أساليب التحقيق: دعوة لعائلات المعتقلين والجهات الحقوقية إلى تقديم شكاوى جماعية ضد جهاز الأمن العام (الشاباك) بسبب استخدامه لأساليب تحقيق مخالفة للقانون، تمثل انتهاكات ممنهجة لحقوق الإنسان. ( ماهر تلحمي)
التصدي لتسييس القضاء والانحياز العنصري: رفض إدارة المحاكمات على أساس “الانكسار النفسي” بدلًا من الأدلة المادية، والكشف عن التمييز القانوني الصارخ الذي يميز ضد المعتقلين الفلسطينيين مقارنة بالمستوطنين المتورطين في العنف نفسه دون محاسبة.(خالد محاجنة)
وقف تدخل الشاباك في التحقيقات الجنائية: المطالبة بتقييد دور جهاز الأمن العام ليقتصر على مهماته الأمنية الوقائية فقط، ومنع تدخله في الملفات الجنائية، لما يشكله ذلك من خرق لأبسط قواعد المحاكمة العادلة. (ماهر تلحمي)
إلغاء العمل بالملفات السرية: المطالبة بوقف استخدام “الملف السري” كأداة لمنع المحامين من الوصول إلى مواد التحقيق، لما يشكله من انتهاك مباشر لحق الدفاع وشفافية القضاء. (ماهر تلحمي)
توثيق وسائل التحقيق اللاشرعية وتقديمها دوليًا: ضرورة جمع وتوثيق أساليب التحقيق التي كشف عنها المحامون – مثل الحرمان من النوم، العزل، التهديدات النفسية، والتنكيل الجسدي – ورفعها إلى المحافل القانونية الدولية باعتبارها انتهاكات جسيمة للاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المعتقلين. (خالد محاجنة)
يجمع المحامون على أن هذه الانتهاكات لم تعد مجرد تجاوزات فردية، بل سياسة مؤسسية تغض المحاكم الإسرائيلية الطرف عنها، وتمنح جهاز الامن العام صلاحيات مفتوحة على حساب حقوق المعتقلين. كما يشددون على أن الزنازين التي يُحتجز فيها المعتقلون تفتقر لأبسط مقومات الحياة، وتُستخدم كوسيلة ضغط وتحطيم نفسي.
في ظل هذا الواقع، لم يعد من الممكن انتظار عدالة محلية تُدار بأدوات غير قانونية. الصمت الدولي، كما يقول المحامي محاجنة، لا يوقف الظلم بل يشرّعه. ولذلك، فإن اللجوء إلى القضاء الدولي، وتحديدًا المحكمة الجنائية في لاهاي، لم يعد خيارًا قانونيًا فحسب، بل واجبًا أخلاقيًا.




