إصلاحات التربية في الجزائر لماذا كل هذا الجدل؟
مسعود دكار لمراسلين : «فتحنا نافذة لأصحاب الرأي في ملفات تهم الرأي العام»

مسعود دكار لمراسلين : «فتحنا نافذة لأصحاب الرأي في ملفات تهم الرأي العام»
قاصدي مليكة: «ماذا نريد أن نغير؟ وماذا يجب ألا نفقد ونحن نغير؟»
شبكة مراسلين
مولود سعد الله
يتساءل البعض هل الخلاف بعد الاصلاحات التربوية في الجزائر تربوي أم أن وراءه تراكمات تتجاوز المدرسة؟
الهوية الجزائرية راسخة بكل مكوناتها في تاريخ البلاد وذاكرتها وثقافتها وثوابتها الوطنية ، فلماذا يتحول كل إصلاح تربوي تقريبا إلى جدل واسع؟
منذ الإعلان عن الإجراءات الجديدة لوزارة التربية الوطنية تحضيرا للدخول المدرسي 2026-2027، لم يبق النقاش حول المدرسة الجزائرية داخل الأسرة التربوية، بل انتقل إلى وسائل الإعلام ومواقع التواصل والباحثين والسياسيين والمتخصصين.
وأصبح تغيير ترتيب تدريس اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إلى جانب إعادة تنظيم بعض المواد التعليمية موضوعا يتجاوز السؤال البيداغوجي إلى أسئلة أخرى تتعلق بمستقبل المدرسة واللغة والهوية، وحتى طبيعة الإصلاح نفسه .
فهل الجدل ناتج عن مضمون الإصلاحات نفسها؟
وهل النقاش حول الفرنسية نقاش تربوي يرتبط بجدواها ومكانتها في المدرسة، أم أن وراءه تراكمات تاريخية تتجاوز وظيفة اللغة داخل القسم؟

أسئلة تبدو أكثر أهمية من الدخول في معركة «الفرنسية ضد الإنجليزية»، أو تقسيم المواقف إلى مؤيد ومعارض.
ففي 25 جويلية أعلن وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي، خلال الندوة الوطنية لتحضير الدخول المدرسي جملة من الإجراءات الجديدة، من أبرزها برمجة اللغة الإنجليزية بشكل منفرد في السنة الثالثة ابتدائي على أن يبدأ تدريس الفرنسية من السنة الرابعة إلى جانب الإنجليزية، مع تعزيز الحجم الساعي للإنجليزية خصوصا في التخصصات ذات الطابع العلمي والتكنولوجي.
وبعيدا عن بعض القراءات المتداولة فإن الفرنسية لم تلغ من التعليم الابتدائي وإنما أُعيد ترتيب بداية تدريسها، لتكون الإنجليزية اللغة الأجنبية التي يبدأ بها التلميذ في السنة الثالثة. ومن هنا بدأت القصة تأخذ أبعادا أوسع.

هل الإصلاح هو المشكلة؟
المنظومة التربوية الجزائرية ليست جديدة على الإصلاحات
فمنذ سنوات، ظل التعليم محل مراجعات وانتقادات متواصلة سواء تعلق الأمر بالمناهج، أو حجم البرامج أو طرق التدريس، أو تكوين الأساتذة، أو قدرة المدرسة على مواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية.
ولذلك فإن مجرد مراجعة برنامج أو مادة لا ينبغي أن يكون مفاجئا.
لكن حساسية الموضوع تبدأ عندما يتعلق الأمر باللغة، فاللغة داخل المدرسة مرتبطة بالثقافة والذاكرة والتاريخ والجامعة وسوق العمل والعلاقة مع العالم.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل نريد الفرنسية أم الإنجليزية؟
بل: ما السياسة اللغوية التي تحتاجها المدرسة الجزائرية؟
النقاش حول الفرنسية في الجزائر لا يجري في فراغ. هناك تاريخ طويل، وتجربة استعمارية، ومسار تعريب، وحضور متواصل للفرنسية في قطاعات ومجالات علمية ومهنية، وفي المقابل توسع عالمي للإنجليزية خصوصا في العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي، لذلك فإن أي قرار يمس موقع الفرنسية يمكن أن يقرأ بأكثر من طريقة ، قد يراه تربويا باعتباره إعادة ترتيب للغات ، وقد يراه آخرون جزءا من تحول ضروري نحو الإنجليزية وقد يقرأه البعض من زاوية تاريخية تتجاوز المدرسة نفسها.

ومن هنا يأتي السؤال:
هل النقاش حول الفرنسية نقاش تربوي حول جدواها ومكانتها في المدرسة، أم نتيجة تراكمات تاريخية تتجاوز وظيفة اللغة داخل القسم؟
ربما يكون الجواب مزيجا من الاثنين.
لكن لماذا الإنجليزية ؟
لا يمكن فصل القرار عن التحولات التي يشهدها العالم
فالإنجليزية أصبحت لغة مركزية في العلوم والتكنولوجيا والبحث العلمي والاقتصاد الرقمي.
لكن ذلك لا يعني أن تعزيزها سينجح تلقائيًا بمجرد تقديمها في سلم التعليم.
فاللغة تحتاج إلى أستاذ مؤهل، ومناهج مناسبة، ووسائل تعليمية، وبيئة ملائمة، وتقييم مستمر. وهنا تصبح قيمة الإصلاح مرتبطة بما يحدث داخل القسم، وليس بما يحدث في العناوين.
” قاصدي مليكة ” : السؤال أبعد من ترتيب اللغات

بعيدا عن الاصطفاف بين الفرنسية والإنجليزية تقدم “قاصدي مليكة”، الباحثة في علوم التربية قراءة تنقل النقاش إلى داخل المدرسة وترى أن الإصلاحات الحالية ينبغي ألا تقرأ باعتبارها قرارا منفردا، وإنما ضمن مسار طويل من مراجعة المناهج والبرامج
وفي ملف اللغات تحديدا لا تتوقف الباحثة عند سؤال: متى تبدأ الفرنسية؟ ومتى تبدأ الإنجليزية؟ بل تطرح أسئلة عملية تعتبرها حاسمة في تقييم أي إصلاح مثل من سيدرس؟ بأي تكوين؟ بأي كتب؟ ما الحجم الساعي؟ وكيف سيكون التقويم؟
وبالنسبة إليها ايضا فإن نجاح السياسة اللغوية لا يقاس بمجرد تغيير سنة بداية تدريس لغة، وإنما بما يستطيع التلميذ فعليا اكتسابه واستخدامه بعد سنوات من الدراسة. وهنا يتحول السؤال من: أي لغة انتصرت؟ إلى: ماذا يستطيع التلميذ أن يفعل بهذه اللغة؟
وفي هذا التصور لا تصبح الفرنسية والإنجليزية طرفين في معركة ، وإنما أداتين داخل مشروع تربوي يفترض أن تكون له أهداف واضحة.
وماذا عن الفلسفة؟
لم يتوقف الجدل عند اللغات، إعادة تنظيم بعض المواد وما رافقها من نقاش حول الفلسفة، أعاد سؤالا أوسع إلى الواجهة: ما الذي ينبغي أن يبقى في المدرسة وما الذي يمكن اعتباره حشوا؟
وهذا سؤال لا يمكن الإجابة عنه بمنطق سياسي أو عاطفي.
فالمادة التي تبدو للبعض أقل أهمية قد تكون بالنسبة للتكوين الفكري للتلميذ أساسية، والفلسفة، مثل الأدب، لا تقاس قيمتها فقط بعدد الساعات أو بمدى ارتباطها المباشر بسوق العمل، وإنما بما تضيفه إلى قدرة المتعلم على التفكير والتحليل والمناقشة.
الأدب.. عبء أم أداة؟
تطرح قاصدي مليكة كذلك مسألة النص الأدبي ووظيفته داخل المدرسة.
فالأدب، وفق قراءتها، يمكن أن يكون وسيلة لتنمية الرصيد اللغوي والتعبير والخيال وفهم الأفكار ومناقشتها، وليس مجرد مادة للحفظ.
وهذا يضع الإصلاح أمام اختبار حقيقي:
هل نريد تخفيف الحشو؟ أم نريد تقليص كل ما يصعب قياسه بشكل مباشر؟
فالمدرسة فضاء لبناء شخصية المتعلم وقدرته على التفكير والتعبير.
الى الاعلام :
اللافت في هذه الإصلاحات أيضا أن الجدل خرج سريعا من المدرسة.
فقد استضافت «الخبر» أحمد تيسة، وهو من الأسماء المعروفة في النقاش حول قضايا التربية، وفتح الحوار ملفات اللغة الفرنسية والفلسفة والتربية الإسلامية وبعض جوانب الإصلاح.
وكان ذلك من المحطات التي رفعت منسوب الجدل الإعلامي.
وفي المقابل، اتخذت وسائل إعلام أخرى، من بينها «الشروق»، خطابا أكثر دعما للإصلاحات الجديدة وتعزيز الإنجليزية. وهكذا أصبح الإعلام جزءا من المشهد
لكن هل اختلاف الصحف يعني بالضرورة اختلافا حول مصلحة الجزائر؟
ليس بالضرورة ، فالصحافة تختلف في زوايا التناول، ومهمتها في الملفات العامة أن تطرح الأسئلة وتستضيف المختصين وتعرض الآراء المختلفة.
مسعود دكار : «فتحنا نافذة لأصحاب الرأي»

وسط الانتقادات التي طالت «الخبر» تحدث مسعود دكار مساعد رئيس تحرير في الجريدة “لمراسلين ” موضحا أن الجريدة حاولت فتح نافذة لأصحاب الرأي في ملفات تهم الرأي العام ، ويقول دكار إن استضافة أحمد تيسة جاءت باعتباره مختصا في الشأن التربوي خصوصا في ما يتعلق باللغة الفرنسية والفلسفة والتربية الإسلامية.
ويشير إلى أن الجريدة لم تعتمد صوتا واحدا بل استضافت أيضا أصواتا من الاتجاه المقابل من بينها عمراوي وأرزقي فراد.
وبحسب دكار فإن الجدل تصاعد بعد فتح هذه المساحة للنقاش فيما تعرضت الجريدة لانتقادات واتهامات بسبب طريقة تناولها للملف.
وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها تقدم تفسيرا من داخل المؤسسة الإعلامية نفسها لطريقة تعاطيها مع الملف.
فالجريدة وفق هذا التفسير ترى نفسها أمام قضية تهم الرأي العام، وبالتالي من حق أصحاب الرأي والخبراء أن يجدوا مساحة للتعبير والنقاش.
وهنا تبرز مسألة أوسع: هل وظيفة الصحافة في الملفات الحساسة أن تقدم إجابة واحدة أم أن تفتح نوافذ متعددة أمام الرأي العام؟
بين مسعود دكار الذي ينظر إلى المسألة من زاوية حق الصحافة في فتح النقاش، وقاصدي مليكة التي تنظر إليها من داخل المدرسة واحتياجات المتعلم، تبدو الصورة أكثر تعقيدا من مجرد معركة حول الفرنسية والإنجليزية.
الإعلام يسأل عن حق الرأي. والخبير يسأل عن جدوى القرار، والسياسي يسأل عن التوقيت وطريقة اتخاذ القرار، أما التلميذ ، فيبقى في النهاية المستفيد أو المتضرر من نجاح الإصلاح أو فشله. وهنا ربما يكمن جوهر القضية.
و مع اتساع الجدل دخلت شخصيات سياسية على الخط، من بينها لويزة حنون التي دعت إلى تأجيل تطبيق الإصلاحات وفتح نقاش أوسع بمشاركة المختصين والخبراء، وهنا أصبح الملف أكثر من مجرد قضية بيداغوجية ،
لكن دخول السياسيين إلى النقاش لا ينبغي أن يلغي دور الخبراء.
فالقرار السياسي يحدد الاتجاه العام بينما تحتاج تفاصيل المناهج واللغات والمواد إلى تقييم تربوي وميداني، والأهم من كل ذلك أن يتحول النقاش إلى حوار حول النتائج، لا إلى معركة حول النوايا.
ومع دخول السياسيين ووسائل الإعلام والمتخصصين إلى النقاش، يبدو أن الملف تجاوز مسألة ترتيب تدريس اللغات ليطرح سؤالا اوسع يتعلق بالهدف من الإصلاح نفسه، فالمدرسة الجزائرية لا تواجه فقط سؤال: أي لغة نُدرس أولا؟ وإنما لها اهداف اكبر حول جودة التعليم وتكوين الأساتذة، والمناهج، والحجم الساعي، وطرق التقييم، ومدى قدرة التلميذ على اكتساب المعارف والمهارات التي يحتاجها في المستقبل ، وفي هذا السياق لا تبدو المقارنة بين الفرنسية والإنجليزية كأنها منافسة بين لغتين بقدر ما هي جزء من نقاش أوسع حول موقع المدرسة الجزائرية في عالم تتغير فيه أدوات المعرفة والبحث العلمي والتكنولوجيا بسرعة ، فالرهان في النهاية ليس على انتصار لغة على أخرى ، وإنما على قدرة المنظومة التربوية على بناء سياسة لغوية واضحة ومتوازنة، تمنح التلميذ أساسا لغويا وثقافيا متينا، وتفتح أمامه في الوقت نفسه أبواب المعرفة العالمية.
في كل الأحوال فإن هذا النقاش يبقى جزءا من حيوية النقاش العمومي في الجزائر حول قضايا التعليم والإصلاح، فالجزائر مثل غيرها من الدول، تراجع منظومتها التربوية بما يتناسب مع تحولات المعرفة والعالم، بينما تبقى ثوابتها الوطنية مرجعية مستقرة.
و بعد كل هذا الجدل ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بسيطا:
هل سيجعل الإصلاح التلميذ الجزائري أفضل؟
هل سيقرأ بصورة أفضل؟
هل سيفهم بصورة أفضل؟
هل سيتقن اللغات؟
هل سيفكر ويناقش ويحل المشكلات؟
هل سيكون أكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة العلمية والتكنولوجية؟
وهل سيخرج في الوقت نفسه من المدرسة أكثر ارتباطا بتاريخه وثقافته وبلده؟
إذا كان الإصلاح قادرا على تحقيق ذلك، فإنه يستحق الدعم والتطوير.
وإذا ظهرت ثغرات، فإن كشفها لا يعني معارضة الوزارة ، وإنما يمكن أن يكون مساهمة في تصحيح المسار .
في النهاية لا ينبغي أن تكون المعركة حول أي لغة تنتصر. بل حول: أي تلميذ نريد أن نخرج بعد عشر سنوات؟
تلميذا أكثر معرفة أكثر تفكيرا، أكثر انفتاحا على العالم، وأكثر ارتباطا ببلده وهويته.
وهنا فقط يصبح الإصلاح التربوي مشروعا وطنيا يتسع للجميع، بدل أن يتحول إلى معركة لا ينتصر فيها أحد .




