اليوم العالمي للصحافة: بين قدسية الحقيقة وتحديات السياق السياسي في تونس

كتبه : عماد بالشيخ صحفي و ناشط حقوقي
تمام، هذا هو المقال نفسه بعد تعريب التواريخ حسب النظام التونسي (ماي بدل مايو) مع الحفاظ على الطابع الأكاديمي:
يُحيي العالم في 3 ماي من كل سنة اليوم العالمي لحرية الصحافة، وهو مناسبة أممية أقرّتها منظمة اليونسكو بهدف التذكير بالدور الجوهري الذي تؤديه الصحافة في ترسيخ الحق في المعرفة، وكشف الانتهاكات، وتعزيز الشفافية داخل المجتمعات. لا يُعد هذا اليوم مجرد احتفال رمزي، بل محطة تقييم نقدي لوضع الإعلام في مختلف البلدان، وميزانًا لمدى احترام الدول لحرية التعبير باعتبارها أحد أعمدة النظام الديمقراطي.
أولًا: الصحافة كسلطة رقابية في المجتمع الحديث
في المنظور الأكاديمي لعلوم الإعلام والاتصال، تُعد الصحافة “السلطة الرابعة” غير الرسمية، لما تضطلع به من وظائف رقابية تجاه السلطتين التنفيذية والتشريعية، إضافة إلى دورها في تشكيل الرأي العام. فالمبدأ المركزي الذي يحكم الممارسة الصحفية هو الوصول إلى الحقيقة ونقلها للجمهور دون تحريف أو تقييد غير مشروع.
غير أن هذا الدور لا ينفصل عن بيئته السياسية والاجتماعية، إذ تتفاوت قدرة الصحافة على أداء وظائفها تبعًا لمدى استقلالية المؤسسات الإعلامية، والإطار القانوني المنظم لها، ومستوى احترام حقوق الإنسان.
ثانيًا: السياق التونسي بعد 25 جويلية 2021
تشهد تونس منذ 25 جويلية 2021 مرحلة سياسية استثنائية، يرى فيها مؤيدو السلطة أنها إجراءات تصحيحية تهدف إلى إصلاح مؤسسات الدولة، بينما يعتبرها معارضون تحولًا جذريًا في المسار الديمقراطي.
في هذا السياق، برزت انتقادات من منظمات حقوقية وإعلامية محلية ودولية بشأن تراجع هامش الحريات، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير والصحافة. ويشير عدد من التقارير إلى تصاعد في المحاكمات المرتبطة بآراء سياسية أو تدوينات إعلامية، وهو ما أثار جدلًا واسعًا حول حدود حرية الرأي في البلاد.
ثالثًا: الصحافة وحقوق الإنسان في ظل التوتر السياسي
يرتبط العمل الصحفي ارتباطًا وثيقًا بمنظومة حقوق الإنسان، خصوصًا الحق في التعبير، والحق في المحاكمة العادلة، وقرينة البراءة. وفي هذا الإطار، تبرز مخاوف متزايدة لدى جزء من الجسم الصحفي والحقوقي من توسع استخدام الإجراءات القضائية في القضايا ذات الطابع السياسي.
ومن بين الأسماء التي حظيت باهتمام إعلامي واسع، رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي يخضع لإجراءات قضائية أثارت نقاشًا حادًا داخل تونس وخارجها، حيث يرى منتقدون أن هذه القضايا تعكس مناخًا سياسيًا متوترًا يحدّ من التعددية، بينما تؤكد السلطات القضائية أن المسارات القانونية تجري وفق مقتضيات القانون.
وفي هذا الإطار، تُطرح إشكالية أساسية في الصحافة الحديثة:
هل يمكن للصحفي أن ينقل الوقائع في سياق سياسي شديد الاستقطاب دون أن يقع في فخ التوظيف أو التأويل المسبق؟
رابعًا: التدهور الاقتصادي وانعكاسه على الإعلام
لا يمكن فصل الوضع الإعلامي عن السياق الاقتصادي العام. فالأزمة الاقتصادية التي تمر بها تونس، بما في ذلك ارتفاع التضخم وتراجع النمو وصعوبات المالية العمومية، تؤثر بشكل مباشر على استقلالية المؤسسات الإعلامية من خلال:
- هشاشة التمويل
- تراجع الإعلانات
- الضغط على الصحف والمواقع المستقلة
هذا الواقع يجعل الصحفي أمام تحد مزدوج: البقاء مهنيًا في بيئة اقتصادية ضاغطة، مع الحفاظ على استقلاليته التحريرية.
خامسًا: التحدي الأخلاقي للصحفي في زمن الأزمات
في فترات التحول السياسي، تتضاعف مسؤولية الصحفي. فالمطلوب ليس فقط نقل الخبر، بل:
- التحقق الصارم من المصادر
- الفصل بين الخبر والرأي
- تجنب التحريض أو التوجيه السياسي
- احترام أخلاقيات المهنة حتى في أقصى درجات الاستقطاب
إن الصحفي الحقيقي ليس طرفًا في الصراع السياسي، بل شاهدًا مهنيًا عليه، ومُنتجًا للمعرفة العامة التي تمكّن المجتمع من الفهم واتخاذ القرار.
خاتمة
يأتي اليوم العالمي للصحافة هذا العام ليعيد طرح سؤال جوهري على المجتمعات، ومن بينها تونس:
هل ما زالت الصحافة قادرة على أداء دورها الرقابي في ظل التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة؟
إن مستقبل حرية الصحافة لا يُقاس فقط بالقوانين، بل بمدى القدرة الفعلية للصحفيين على ممارسة مهنتهم دون خوف أو ضغط، وبمدى التزام الدولة والمجتمع معًا بأن تبقى الحقيقة حقًا عامًا لا امتيازًا سياسيًا.
وفي النهاية، تبقى الصحافة الحرة شرطًا أساسيًا لأي مسار ديمقراطي، وبدونها تفقد المجتمعات قدرتها على فهم ذاتها ومساءلة سلطتها.



