أخباررياضة

احتجاجات واحتفال مثير للجدل.. مباراة إيران في كأس العالم تتحول إلى ساحة مواجهة سياسية

مساحة اعلانية 4

طهران- تعادل المنتخب الإيراني لكرة القدم مع نظيره النيوزيلندي بنتيجة 2-2 في أولى مبارياته ضمن منافسات كأس العالم 2026. غير أن ما جعل هذه المباراة واحدة من أكثر مباريات البطولة اختلافًا لم يكن ما جرى داخل المستطيل الأخضر، بل الأجواء السياسية التي تشكلت خارجه وظهرت بوضوح في المدرجات.

وأُقيمت المباراة في لوس أنجلوس بعد يوم واحد فقط من الإعلان عن مذكرة تفاهم أولية بين إيران والولايات المتحدة لإنهاء الحرب، فيما ألقت التطورات السياسية التي شهدها العام الماضي بظلالها الثقيلة على مشاركة المنتخب الإيراني في مونديال 2026.

وتُعد مدينة لوس أنجلوس موطنًا لأكبر جالية إيرانية خارج إيران، حتى إن البعض يطلق عليها اسم «طهرانجلس». وكانت المدينة قد استعدت لهذه المباراة منذ فترة طويلة. فالكثير من الإيرانيين الذين غادروا إيران بعد ثورة عام 1979 أو خلال السنوات الأخيرة جعلوا من المدينة وطنهم الثاني. ورغم أن حب كرة القدم والذكريات المشتركة المرتبطة بالهوية الإيرانية تجمعهم، فإن مواقفهم السياسية تختلف بشكل كبير.

يقول مراسل يورو نيوز بالفارسية الذي كان حاضراً في لوس أنجلوس إن المبارة لم تخلُ من الجدل، وربما كانت أكثر اللقطات إثارة للنقاش، حتى بين متابعين غير إيرانيين، الطريقة التي احتفل بها صاحب أحد هدفي المنتخب الإيراني أمام الجماهير الحاضرة في المدرجات.

تجمعات احتجاجية خارج الملعب

ومنذ ساعات ما قبل انطلاق المباراة، شهد محيط الملعب الأميركي تجمع مئات المحتجين الذين رفعوا لافتات وأعلام الأسد والشمس، معبرين عن معارضتهم للحكومة الإيرانية، وساعين إلى استثمار الاهتمام العالمي بكأس العالم لإيصال رسالتهم.

كما ظهرت بين المحتجين صور لعدد من ضحايا الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير 2026، والتي قالت منظمات غير حكومية إن “حصيلتها بلغت آلاف القتلى”.

وأعلن بعض منظمي التجمعات، ومن بينهم داريا صفائي، النائبة البلجيكية من أصول إيرانية، توزيع ثلاثة آلاف قميص تحمل صور «الفتيات والفتيان الذين فقدوا حياتهم خلال حملة القمع في يناير» على المشاركين في الاحتجاجات.

وبالتزامن مع الاحتجاجات التي نظمتها جماعات سياسية معارضة للجمهورية الإسلامية الإيرانية، من بينها مؤيدو رضا بهلوي الذين دعوا إلى استغلال كأس العالم للاحتجاج السياسي ضد النظام الإيراني، توجهت مجموعة أخرى من المشجعين إلى الملعب مرتدين قمصان المنتخب الإيراني وحاملين العلم الرسمي للبلاد.

وعلى خلاف الملكيين وأنصار الملكية الدستورية ومؤيدي الديمقراطية العلمانية والجمهوريين وعدد من الجماعات اليسارية واليسارية الإسلامية، بما في ذلك مؤيدو منظمة مجاهدي خلق، الذين كانوا يصفون الفريق الموجود في الملعب بأنه «فريق الجمهورية الإسلامية» أو «فريق الملالي»، اعتبر هؤلاء المشجعون أن كرة القدم لا ينبغي أن تكون ضحية للخلافات السياسية، وأن هدفهم يقتصر على دعم فريق صنع لهم الذكريات لسنوات طويلة تحت اسم «المنتخب الوطني».

وأعرب بعض هؤلاء المشجعين عن استيائهم من الهتافات والمواقف الصادرة عن المعارضين، مؤكدين أنهم يريدون، ولو لمدة 90 دقيقة فقط، إبعاد السياسة جانبًا والاستمتاع بكرة القدم.

وفي جنوب كاليفورنيا أيضًا، جرى تنظيم فعاليات جماعية لمتابعة المباراة. وكان العديد من الإيرانيين المقيمين في المنطقة قد اشتروا تذاكرهم منذ الإعلان عن استضافة لوس أنجلوس لمباريات المنتخب الإيراني، بينما قرر آخرون خلال الأشهر الماضية بيع تذاكرهم احتجاجًا على التطورات السياسية والاحتجاجات في إيران.

وبحسب الأرقام الرسمية الصادرة عن الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، حضر أكثر من 70 ألف متفرج في ملعب «سوفي» بمدينة لوس أنجلوس.

انقسام في المدرجات وصفير أثناء النشيد الوطني

ومع انطلاق المباراة، ظهرت ملامح الانقسام السياسي بوضوح داخل المدرجات. فبينما ساندت مجموعة من الجماهير المنتخب الإيراني، عبّر آخرون عن معارضتهم السياسية للجمهورية الإسلامية الإيرانية عبر رفع أعلام الأسد والشمس أو حتى تشجيع منتخب نيوزيلندا.

كما أطلقت مجموعة من الحاضرين صيحات الاستهجان ضد المنتخب الموجود على أرض الملعب، باعتباره من وجهة نظرهم ممثلًا للحكومة الإيرانية.

وخلال عزف النشيد الوطني الإيراني، أظهرت اللقطات التلفزيونية لاعبي المنتخب وهم يرددون كلمات النشيد بصوت خافت، إلا أن أجواء المدرجات لم تكن موحدة.

ففي الوقت الذي أطلقت فيه مجموعة من المشجعين صافرات الاستهجان أثناء النشيد، بادرت مجموعة أخرى إلى التصفيق وتشجيع المنتخب بعد انتهائه، في مشهد عكس مجددًا حالة الانقسام التي خيمت على أجواء الملعب.

الأعلام والرموز وتجاوز إجراءات التفتيش

على الرغم من أن لوائح الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» تحظر إظهار الرموز السياسية داخل الملاعب، ورغم التحذيرات التي أطلقها مسؤولون إيرانيون مسبقًا من أن المباراة ستُوقف في حال رفع أي علم غير العلم الرسمي للجمهورية الإسلامية الإيرانية، فإن عددًا كبيرًا من الجماهير تمكنوا من دخول الملعب حاملين أعلام الأسد والشمس أو مرتدين ملابس تحمل هذا الرمز، وأُقيمت المباراة بشكل طبيعي من دون أن تُنفذ التهديدات التي أطلقها مسؤولو وزارة الرياضة والاتحاد الإيراني لكرة القدم.

وكان رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» Gianni Infantino حاضرًا في الملعب وتابع المباراة من المدرجات.

واعتبر بعض المحتجين الموجودين داخل الملعب وفي محيطه أن المنتخب الإيراني الحالي لا يمثل الشعب الإيراني، منتقدين صمت اللاعبين تجاه الاحتجاجات الشعبية المناهضة للحكومة وأعمال القمع الدموية التي شهدتها البلاد. ورأى هؤلاء أن كأس العالم يشكل فرصة لإبراز معاناة الإيرانيين أمام الرأي العام العالمي.

وفي الجهة المقابلة من المدرجات، حاول عدد من المشجعين الجالسين في أقسام رُفعت فيها الأعلام الرسمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية إحياء ذكرى 168 ضحية للهجوم الأميركي على مدرسة ميناب أواخر فبراير، وذلك عبر ترتيب أعلام كُتب على كل منها حرف باللغة الإنجليزية.

إلا أن عملية ترتيب الحروف شهدت خطأ، إذ غاب الحرف الأخير «B»، ما أدى إلى ظهور عبارة «MINA 168» بدلًا من «MINAB 168» على المدرجات.

وكان لاعبو المنتخب الإيراني قد وضعوا أيضًا شارات تحمل الرقم «168» على قمصانهم خلال المعسكر التدريبي الذي أقاموه في مدينة تيخوانا المكسيكية.

احتفال محمد محبي يثير جدلًا واسعًا

ومن بين أبرز القضايا التي أثارت الجدل خلال المباراة، طريقة احتفال لاعب الوسط محمد محبي بهدفه.

فبعد تسجيل الهدف الثاني للمنتخب الإيراني وإدراك التعادل، قام اللاعب بحركة فسّرها عدد من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي على أنها محاكاة لإطلاق النار باستخدام سلاح.

وبعد أن سجل هدفه بضربة رأس في ملعب «سوفي» بمدينة لوس أنجلوس، وجّه محبي بيديه حركة تشبه إطلاق النار نحو الجماهير الموجودة في المدرجات، وهو ما انتشر بسرعة على منصات التواصل وأثار موجة واسعة من التعليقات، فيما طالب بعض المستخدمين بحرمانه من مواصلة المشاركة في البطولة.

وفي إحدى ردود الفعل على منصة «إكس»، زعم أحد المستخدمين أن الحركة كانت موجهة نحو القسم الذي تواجد فيه مشجعون يحملون أعلام الأسد والشمس، واعتبرها رسالة تهديد وليست مجرد احتفال بهدف.

ومع ذلك، لم يصدر أي توضيح من اللاعب أو من المنتخب الإيراني بشأن الجهة التي وُجهت إليها الحركة أو الدوافع التي كانت وراءها.

ووفقًا لما أوردته بعض وسائل الإعلام، اعتبر عدد من مشجعي كرة القدم في دول مختلفة أن احتفال محبي، الذي بدا وكأنه محاكاة لإطلاق النار باتجاه الجماهير، كان تصرفًا غير مناسب، مطالبين الاتحاد الدولي لكرة القدم باتخاذ إجراءات ضده وحرمانه من استكمال منافسات كأس العالم 2026.

قلعه‌ نويي: أجواء الملعب شكلت محطة تاريخية لكرة القدم الإيرانية

وفي الوقت الذي شهدت فيه المدرجات مواقف وردود فعل متباينة، قال مدرب المنتخب الإيراني أمير قلعه نويي خلال المؤتمر الصحفي عقب مواجهة نيوزيلندا: «أريد أولًا أن أتحدث عن نقطتين. أجواء هذا الملعب شكلت محطة مفصلية في تاريخ كرة القدم الإيرانية. كان هنا اليوم آلاف الإيرانيين من أصحاب الآراء والمعتقدات المختلفة، لكنهم جميعًا شجعوا منتخب بلادهم من القلب. نحو 70 ألف شخص ساندوا إيران اليوم، وأعتقد أن ذلك يمثل نقطة تحول في تاريخ بلدنا».

وكان قائد المنتخب الإيراني مهدي طارمي قد قال قبل يوم من المباراة: «نحن نلعب من أجل جميع الإيرانيين داخل البلاد وخارجها. لدى الناس آراء مختلفة، لكننا هنا من أجل صناعة الوحدة وإدخال الفرح إلى قلوب جميع الإيرانيين. نحن لا ندخل في السياسة ونلعب كرة القدم فقط».

وانتهت المباراة في ظل غياب المهاجم سردار آزمون عن قائمة المنتخب المشاركة في هذه النسخة من كأس العالم.

وأشارت بعض التقارير إلى أن استبعاده جاء بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أثار استياء مسؤولين إيرانيين، إلا أنه لم يصدر أي توضيح رسمي بشأن تفاصيل هذا القرار.

Ali Zam

كاتب وصحافي سوري وخبير في الشؤون الإيرانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews