أخبارتقارير و تحقيقاتسوريا

نقاش إسرائيلي حول سوريا الجديدة: هل تكشف المناهج الدراسية وجه النظام القادم

سوريا الجديدة بين الدبلوماسية وإصلاح مناهج التعليم: قراءة في تحولات ما بعد الأسد

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
ترجمة وتحرير: أبوبكر إبراهيم أوغلو

لا تنتهي الحروب بسقوط الأنظمة، بل تبدأ فصلها الأخطر حينما يتعلق الأمر بالمناهج الدراسية.. ففي الوقت الذي تتصدر فيه إيران ولبنان المشهد الإقليمي، تسير سوريا بهدوء نحو معركة من نوع مختلف؛ معركة تشكيل العقول وإعادة كتابة الهوية من خلال مناهجها الدراسية.

هذا ما رصده مؤخراً معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي في حلقة خاصة عبر أحد برامج «البودكاست»، استضاف خلالها باحثَين متخصصَين ليتناولا بالتحليل صورة سوريا في كتبها المدرسية؛ من نهاية عهد الأسد إلى فجر المرحلة الجديدة في ظل قيادة الرئيس أحمد الشرع.
فأي سوريا يُراد تعليمها للأجيال القادمة؟ وماذا تقول الكتب عمّا لم تقله السياسة بعد؟

تحولات سوريا في عام 2026

توضح الدكتورة كرميت فالنسي – الباحثة البارزة في المعهد ورئيسة برنامج سوريا – أن كثيراً من التطورات جرت في سوريا خلال الفترة الأخيرة، رغم انشغال العالم بإيران. وترى أن أحمد الشرع لم يضيّع الوقت، بل أطلق حملة دبلوماسية واسعة وصفتها بأنها «دبلوماسية على المنشطات».

وتحدد فالنسي عدداً من الاتجاهات المركزية في المشهد السوري الحالي، أبرزها محاولة الشرع إعادة سوريا إلى الحظيرة الدولية والإقليمية، عبر ترميم علاقاتها الخارجية، سواء مع الدول العربية أو مع الولايات المتحدة وأوروبا.

وتشير إلى أن العلاقات بين دمشق وأوروبا تشهد حالة من الانفتاح والتقارب، بل ما يشبه «شهر عسل» سياسي، مع دعوات محتملة لمشاركة الشرع في منصات دولية كبرى مثل اجتماعات مجموعة السبع أو الناتو، وهي تطورات غير مسبوقة بالنسبة إلى قائد سوري بخلفيته السياسية والعسكرية.

كما تبرز فالنسي أن الشرع يحاول استثمار المخاوف الإقليمية من إيران ليعيد تقديم سوريا بوصفها شريكاً سنياً براغماتياً، منفصلاً عن «محور المقاومة»، وعن إيران وحزب الله. وفي هذا السياق، يطرح أفكاراً تتعلق بالتعاون الأمني الإقليمي، وربما إنشاء غرفة عمليات مشتركة لمواجهة النفوذ الإيراني.

سوريا من عبء إقليمي إلى شريك محتمل

بحسب التحليل المطروح في الحلقة، تحاول القيادة السورية الجديدة تغيير صورة سوريا التي ارتبطت لسنوات بتصدير الأزمات: الإرهاب، المخدرات، اللاجئين، وعدم الاستقرار. وتسعى اليوم إلى تقديم البلاد كجسر استراتيجي بين الخليج وأوروبا عبر تركيا، بما يسمح بمرور السلع والطاقة بعيداً عن الممرات المهددة من إيران، مثل مضيق هرمز.

وفي الملف اللبناني، تنفي القيادة السورية الجديدة أي نية هجومية داخل لبنان، رغم الشائعات التي تحدثت عن احتمال تدخل سوري ضد حزب الله. وتشدد دمشق، وفقاً للطرح الوارد في النقاش، على أن أي خطوات تتعلق بلبنان تتم بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية، مع الإشارة إلى وجود نحو 1.4 مليون سوري داخل لبنان، ما يجعل الوضع حساساً للغاية.

الداخل السوري: الأقليات وتحديات بناء الدولة

رغم النجاحات الخارجية، ترى فالنسي أن التحدي الأكبر أمام الشرع يكمن في الداخل. فالعلاقة مع الأقليات لا تزال شديدة التعقيد.

بالنسبة إلى الأكراد، تبدو الصورة أكثر إيجابية، إذ يجري الحديث عن مسار اندماج تدريجي داخل مؤسسات الدولة والجيش، بعد اتفاقات مبدئية بدأت منذ مطلع العام. أما في الساحل والمناطق ذات الأغلبية العلوية، فيبدو الوضع أكثر هدوءاً، مع محاولات لدمج بعض العناصر السابقة المرتبطة بعهد الأسد، شرط إعلان القطيعة مع الإرث الأسدي.

لكن الملف الدرزي يبدو أكثر تعقيداً. فالعلاقة بين النظام الجديد والدروز تعاني من جمود واضح، خصوصاً في السويداء، حيث يتحدث النقاش عن وضع إنساني صعب وحالة حصار وتوتر سياسي لم تُحل بعد.

لماذا دراسة الكتب المدرسية؟

ينتقل الحوار بعد ذلك إلى سؤال جوهري: لماذا التركيز على المناهج الدراسية؟

يرى الدكتور إلداد باردو- الخبير في شؤون إيران والشرق الأوسط ورئيس قسم الأبحاث في معهد IMPACT-se – أن أحد دروس السابع من أكتوبر كان ضرورة العودة إلى دراسة الثقافة والوعي العام، لا الاكتفاء بالتحليل العسكري والسياسي. فالثقافة، كما يقول، تكشف ما تفكر فيه المجتمعات، وما تطمح إليه، وما تعتبره رسالتها الوطنية.

ويعتبر باردو أن كتب التعليم هي من أهم الأدوات لفهم هذا الوعي، لأنها لا تعكس فقط مواد دراسية، بل تقدم «النص المقدس» للدولة، أي الرواية التي تريد السلطة أن ينشأ عليها الجيل الجديد.

فالمدرسة، من وجهة نظره، تكشف كيف ترى الدولة نفسها، وكيف تصنف أصدقاءها وأعداءها، وما القيم التي تريد ترسيخها، وأين توجد نقاط القوة والضعف في المجتمع.

هل تريد سوريا الجديدة نظاماً تعليمياً موحداً؟

بحسب باردو، يبدو أن النظام الجديد في دمشق يريد بناء دولة عربية قوية وموحدة، ذات طابع إسلامي معتدل أو «طبيعي» بالمعنى السائد في دول عربية عديدة. ويضيف أن هذه الرؤية تظهر في الكتب المدرسية، وفي السياسات العامة، وفي محاولات إصلاح المؤسسة الدينية.

وفي عهد الأسد، كانت هناك عدة أنظمة تعليمية متوازية: النظام الرسمي، والتعليم الكردي، ومناهج في مناطق المعارضة، إضافة إلى تدخلات إيرانية في بعض المناطق. أما اليوم، فتحاول السلطة الجديدة توحيد هذه المنظومات تحت مظلة الدولة، رغم أن النجاح لا يزال جزئياً.

ماذا تكشف المناهج عن أحمد الشرع؟

يرى باردو أن المناهج لا تقدم صورة حاسمة، لكنها تكشف ملامح مهمة. فالنظام الجديد يريد دولة عربية مركزية قوية، لكنه لا يظهر كامتداد مباشر لتركيا أو كذراع لها، كما يعتقد بعض المحللين في إسرائيل.

ويلاحظ الباحثان أن العلاقة مع تركيا تحسنت في المناهج الجديدة، إذ جرى استبدال تعبيرات مثل «الاحتلال العثماني» بتعبيرات أكثر اعتدالاً مثل «الحكم العثماني». غير أن ذلك لا يعني أن سوريا الجديدة تعتبر نفسها امتداداً للإمبراطورية العثمانية.

أما بالنسبة إلى إيران، فقد حدث تحول أكثر وضوحاً. ففي عهد الأسد، ورغم التحالف السياسي مع طهران، لم تكن المناهج السورية تعبّر عن ولاء خاص لإيران أو للإسلام السياسي الإيراني. وفي المرحلة الجديدة، أصبحت إيران تُعرض بصورة أكثر سلبية، بوصفها خطراً أو خصماً، بما يتوافق مع التحولات السياسية الحالية.

إسرائيل في المناهج الجديدة

من النقاط اللافتة أن صورة إسرائيل في المناهج السورية الجديدة تبدو أقل حدّة مما كانت عليه في عهد الأسد. ففي السابق، كانت إسرائيل توصف غالباً بأنها «كيان صهيوني إرهابي»، أما الآن فلا تظهر دائماً بهذه الصيغة.

لا تزال إشارات سلبية حاضرة، مثل الحديث عن صبرا وشاتيلا ووصف أرييل شارون بالإرهابي، لكن إسرائيل لم تعد دائماً توصف كدولة إرهابية أو كيان إرهابي. بل تظهر أحياناً باسم «إسرائيل» مباشرة، وهو ما يعتبره الباحثان مؤشراً جديداً ولافتاً.

مع ذلك، لا يعني هذا أن هناك تطبيعاً تعليمياً أو تحوّلاً كاملاً في الخطاب، بل مجرد مؤشرات على تخفيف حدة اللغة مقارنة بالمرحلة السابقة.

الإصلاح التعليمي: تراجع تكتيكي أم تحول حقيقي؟

توضح فالنسي أن التغييرات الأولى في المناهج بدأت سريعاً جداً، بعد نحو ثلاثة أسابيع فقط من سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024. وقد أثارت تلك التعديلات انتقادات واسعة داخل سوريا وخارجها، لأنها بدت متسرعة وتحمل قدراً من التشدد الديني وتقليصاً للعناصر العلمانية.

أمام هذه الانتقادات، تراجعت السلطة جزئياً، واستبدلت وزير التعليم السابق، وبدأت عملية أكثر تنظيماً وتدرجاً. وهذا، بحسب فالنسي، يكشف جانباً مهماً من سلوك النظام الجديد: فهو يستمع إلى الرأي العام عندما يواجه ضغطاً، لكنه لا يتخلى بالضرورة عن هدفه، بل يعيد تنفيذه بطريقة أكثر هدوءاً.

وتقول إن الباحثين كانوا يأملون أن تمنحهم المناهج «دليلاً ذهبياً» على اتجاه سوريا الجديدة، لكنها لم تفعل ذلك. فالنتيجة ليست أبيض أو أسود. هناك عناصر دينية وإسلامية أقوى من السابق، مثل تراجع بعض المضامين العلمية المرتبطة بنظرية التطور أو الانفجار العظيم، لكن في المقابل لا تزال هناك صور لنساء وفتيات بلا حجاب، ولا يظهر الخطاب الجهادي بصورة شاملة أو صريحة.

بعبارة أخرى، تقدم المناهج صورة مركبة: لا هي علمانية بالكامل، ولا هي جهادية أو إسلامية متطرفة بوضوح.

الإسلام في المناهج: حضور واسع لا حسم أيديولوجي

يناقش المشاركون مسألة إدخال المضامين الإسلامية في مواد مختلفة، لا فقط في دروس الدين. وتطرح مقدمة الحلقة فكرة أن نشر القيم الإسلامية عبر مواد متعددة قد يكون أكثر تأثيراً من حصرها في ساعات محدودة لتعليم القرآن.

لكن باردو يحذر من التسرع في الحكم، لأن وجود نصوص دينية أو إشارات إلى الجهاد لا يعني بالضرورة أن النظام يتجه إلى التطرف، إذ يمكن العثور على نصوص مشابهة في مناهج دول عربية أخرى، بل وحتى في بعض المواد الدينية المعتمدة لدى عرب إسرائيل.

ويؤكد أن الإسلام، مثل أي منظومة دينية وحضارية كبرى، يحتوي على جوانب متعددة؛ منها ما يمكن تفسيره بصورة متشددة، ومنها ما يمكن تقديمه في سياق حضاري متسامح، كما فعلت دول مثل الإمارات في إصلاحاتها التعليمية.

الأقليات الغائبة من الكتب

من الملاحظات المهمة أن الأقليات السورية، مثل الدروز والعلويين والأكراد، لا تحظى بحضور واضح في المناهج، سواء في عهد الأسد أو في المرحلة الجديدة. ويعتبر باردو أن هذا الغياب يعكس حساسية الموضوع، ورغبة النظام في التركيز على هوية عربية إسلامية موحدة، بدلاً من الاعتراف التفصيلي بالتعددية الداخلية.

ويرى أن الشرع يريد دولة قوية ومركزية، وربما سلطوية، ولا يبدو أنه يتجه إلى ديمقراطية حقيقية أو حوار وطني واسع بالمعنى الكامل. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن سوريا تتجه إلى نموذج جهادي، لأن البنية الثقافية السورية المتنوعة والعلمانية جزئياً لا تزال حاضرة في المجتمع والتعليم.

المدارس الدينية الخاصة: احتواء أم تسلل؟

تناقش الحلقة أيضاً وجود مدارس أو منظومات تعليمية دينية أكثر تشدداً، بعضها مرتبط بإرث هيئة تحرير الشام في إدلب. وترى فالنسي أن إخضاع هذه المدارس لوزارة التعليم يمكن قراءته بطريقتين:

الأولى: أن النظام يحاول احتواءها ومراقبة محتواها وإدخالها ضمن الإطار الرسمي للدولة.

والثانية: أن ذلك قد يكون وسيلة تدريجية لإدخال خطاب ديني أكثر تشدداً إلى النظام التعليمي الرسمي.

أما باردو فيميل إلى أن الصورة لا تزال غير محسومة، وأن الشرع قد يستخدم هذه الجزر الدينية أيضاً كورقة ضغط داخلية في مواجهة الأقليات أو الخصوم، مع الحفاظ على خطاب رسمي أكثر اعتدالاً تجاه الخارج.

روسيا وتركيا وإيران في الكتب السورية

في ما يتعلق بالتأثيرات الأجنبية، توضح فالنسي أن إيران هي الطرف الذي شهد التحول الأوضح في المناهج الجديدة. فقد تراجع الخطاب الإيجابي نسبياً تجاهها، وأصبحت تُعرض بصورة أكثر نقدية وعدائية، بما ينسجم مع سياسة الشرع في الابتعاد عن محور طهران.

أما تركيا، فقد أصبح الخطاب تجاهها أكثر ليونة، مع تخفيف الحديث عن الصراعات التاريخية والحدودية، واستخدام مصطلحات أقل عدائية في وصف الحقبة العثمانية.

لكن المفاجئ، وفقاً لفالنسي، هو استمرار خطاب شبه محايد تجاه روسيا. فمع أن موسكو كانت داعماً رئيسياً لنظام الأسد، إلا أن المناهج لا تذهب إلى شيطنتها. وهذا يتوافق مع سياسة الشرع العملية تجاه روسيا، حيث يبدو أنه اختار الحفاظ على علاقة قائمة على المصالح، مع بقاء وجود روسي عسكري محدود في غرب سوريا.

الخلاصة التحريرية

تكشف الحلقة أن سوريا في عهد أحمد الشرع تمر بمرحلة انتقالية معقدة، تجمع بين الانفتاح الدبلوماسي الخارجي، ومحاولة إعادة بناء الدولة، وإعادة صياغة الهوية التعليمية والثقافية.

المناهج الدراسية الجديدة لا تقدم إجابة نهائية عن مستقبل سوريا، لكنها تكشف عن اتجاهات متداخلة: رغبة في بناء دولة عربية مركزية قوية، حضور إسلامي أوضح من السابق، تخفيف نسبي في الخطاب تجاه إسرائيل وتركيا، عداء متزايد لإيران، وحياد محسوب تجاه روسيا.

ومع ذلك، يبقى السؤال الأساسي مفتوحاً: هل هذه التحولات تعبر عن اعتدال حقيقي في مشروع الحكم الجديد، أم أنها تكتيك مرحلي إلى حين تثبيت السلطة وبناء جيش قوي ودولة مركزية قادرة على فرض رؤيتها؟

حتى الآن، تبدو سوريا الجديدة، كما يخلص النقاش، دولة في طور التشكل؛ لا يمكن وصفها بالديمقراطية، ولا بالجهادية، ولا بالعلمانية، بل بمزيج شديد التعقيد من البراغماتية السياسية، والهوية العربية الإسلامية، والحسابات الإقليمية الدقيقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews