سورياسياسة

تراجع المياه الجوفية يضغط على الزراعة .. مخاوف على الأمن المائي والغذائي في الجنوب السوري

سها المناصرة – مراسلين | درعا

تتزايد الضغوط على الموارد المائية في محافظة درعا جنوبي سوريا، في ظل تراجع غزارة عدد من مصادر المياه والآبار، واستمرار الاعتماد على المياه الجوفية لتلبية احتياجات السكان والقطاع الزراعي، بالتزامن مع تحديات مرتبطة بالجفاف والتغير المناخي وتضرر البنية التحتية للمياه والري.

وتشير بيانات محلية ودولية حديثة إلى أن أزمة المياه في المحافظة لم تعد مرتبطة بعامل واحد، بل بتداخل مجموعة من العوامل، تشمل الضغط على المخزون الجوفي، والطلب الزراعي المرتفع، وتذبذب الهطولات، وتراجع كفاءة بعض شبكات المياه، إلى جانب التداعيات المتراكمة لسنوات الصراع.

وتحذر هذه المؤشرات من انعكاسات تتجاوز تأمين مياه الشرب لتطال الإنتاج الزراعي وسبل عيش آلاف الأسر التي تعتمد بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الزراعة، ما يضع ملف الأمن المائي والغذائي في مقدمة التحديات التي تواجه جنوب سوريا.

آلاف الأسر تواجه صعوبة في الحصول على المياه

وتقدم بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» صورة مباشرة عن واقع المياه في درعا. ففي تقرير نشرته في 21 سبتمبر/أيلول 2026، قالت المنظمة إن النقص الحاد في المياه ترك آلاف الأسر في المحافظة تعاني منذ سنوات للحصول على مياه شرب آمنة وميسورة التكلفة، وإن انخفاض الهطولات وتضرر البنية التحتية دفعا كثيرًا من الأسر إلى الاعتماد على شراء المياه المنقولة بالصهاريج. UNICEF Global

ووفق التقرير نفسه، قد تصل كلفة صهريج المياه بالنسبة لبعض الأسر إلى 150 ألف ليرة سورية، فيما تعمل اليونيسف بالتعاون مع الجهات السورية على إعادة تأهيل محطة ضخ كحيل–إرواء بصرى والمحطة المساعدة في السهوة وثلاثة آبار مرتبطة بها. وعند اكتمال المشروع، يتوقع أن يوفر النظام نحو 1,680 مترًا مكعبًا من مياه الشرب يوميًا، بما يعادل قرابة 23 لترًا للفرد يوميًا، ليستفيد منه أكثر من 70,600 شخص في بصرى الشام ومعربة وجاسم والسهوة. UNICEF Global

ويأتي ذلك فيما تشهد المحافظة عودة للسكان، وهو عامل إضافي يرفع الطلب على الخدمات. ونقلت اليونيسف عن مهندس مشارك في المشروع تقديره أن العائدين باتوا يمثلون نحو 20 إلى 30% من السكان في المناطق المعنية، ما يزيد الضغط على شبكة المياه. UNICEF Global

2500 بئر مخالف.. مؤشر على الضغط على المياه الجوفية

وتكشف البيانات المحلية بدورها عن حجم الضغط الواقع على المياه الجوفية. ففي 18 سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت مديرية الموارد المائية في درعا إحصاء نحو 2500 بئر مخالف في المحافظة، مع استمرار عمليات الحصر وعدم اعتماد رقم نهائي بعد.

وأوضح مدير الموارد المائية في درعا، هاني عبد الله، أن عمليات الإحصاء لا تزال مستمرة بسبب العدد الكبير للآبار، فيما مددت المحافظة مهلة الإبلاغ عن الآبار المخالفة حتى الأول من أكتوبر/تشرين الأول 2026. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

ويمثل الانتشار الواسع للآبار غير المنظمة تحديًا إضافيًا أمام إدارة المخزون الجوفي، خصوصًا في محافظة يعتمد فيها جزء مهم من النشاط الزراعي على الري.

التغير المناخي يضاعف الضغوط

وقال الباحث في علم البيئة والزراعة العضوية إبراهيم مسلم، في تصريح خاص لـ«مراسلين» بتاريخ 28 سبتمبر/أيلول 2026، إن الجنوب السوري يعد من المناطق الحساسة أمام تغير المناخ والجفاف، بسبب الاعتماد الكبير على الزراعة والمياه الجوفية والهطولات المطرية.

وأضاف مسلم أن نقص المياه في درعا يعني تراجعًا في الإنتاج الزراعي وارتفاعًا في تكاليف الري، إلى جانب تحديات مرتبطة بمحدودية مصادر المياه وتكرار فترات الجفاف.

وأشار إلى أن أزمة المياه لا يمكن فصلها عن الواقع الاقتصادي والاجتماعي، موضحًا أن المزارع الذي يعجز عن الحصول على كميات كافية من المياه، أو يواجه ارتفاعًا كبيرًا في تكاليف الري، قد يضطر إلى تقليص إنتاجه أو التخلي عن أرضه، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي الريفي وقد يدفع باتجاه مزيد من الهجرة نحو المدن.

الزراعة ترفع الطلب على مورد محدود

وتبرز حساسية العلاقة بين المياه والزراعة بوضوح في الأرقام المحلية الخاصة بالمحاصيل.

ففي 22 مايو/أيار 2026، أعلنت مديرية زراعة درعا أن المساحة المزروعة بالبطاطا الربيعية وصلت إلى 3,323 هكتارًا، مقابل خطة كانت تستهدف 1,145 هكتارًا فقط، أي بزيادة قدرها 2,178 هكتارًا، مع تقديرات بإنتاج نحو 115 ألف طن خلال الموسم. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

ويضع هذا التوسع احتياجات الري في قلب معادلة الإنتاج الزراعي، وهو ما يظهر أيضًا في إدارة السدود. ففي 21 أبريل/نيسان 2026، أعلنت مديرية الموارد المائية إطلاق دفعة تكميلية من مياه سد تسيل استجابة لمطالب مزارعي البطاطا.

وبحسب مديرية الموارد المائية، بلغ مخزون السد في الموسم نحو 3.8 ملايين متر مكعب، مخصصة لري قرابة 600 هكتار من المحاصيل الشتوية والصيفية والأشجار المثمرة. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

ومع استمرار الحاجة إلى الري خلال الموسم، أعلنت الجهات المحلية في 27 سبتمبر/أيلول 2026 تزويد سد تسيل بنحو 500 ألف متر مكعب إضافية من المياه لدعم ري المحاصيل في المنطقة، وهو ما يعكس استمرار الطلب الزراعي على الموارد المتاحة. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

أزمة تتجاوز الجفاف الموسمي

ويرى إبراهيم مسلم أن سوريا تواجه أزمة مائية متزايدة التعقيد، لم تعد مقتصرة على الجفاف الموسمي، بل أصبحت نتاجًا لتفاعل عوامل طبيعية وبشرية متعددة.

وأوضح لـ«مراسلين» أن هذه العوامل تشمل تغير المناخ، وتذبذب الهطولات، وارتفاع درجات الحرارة ومعدلات التبخر، واستنزاف المياه الجوفية، وتدهور شبكات المياه والري، وضعف كفاءة استخدام المياه، فضلًا عن الآثار الممتدة للصراع وحساسية الموارد المائية العابرة للحدود.

وتعزز بيانات دولية هذا التوصيف على المستوى السوري العام. فقد أعلن البنك الدولي في 23 أبريل/نيسان 2026 أن أكثر من نصف البنية التحتية لإمدادات المياه في سوريا ونحو 70% من منشآت معالجة مياه الصرف الصحي تعرضت لأضرار جسيمة خلال سنوات الصراع، فيما انخفضت إمدادات المياه بنحو 40% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع. worldbank.org

وبحسب البنك، انخفضت المياه المتاحة في سوريا إلى أقل من 700 متر مكعب للفرد سنويًا، أي دون عتبة ندرة المياه، بينما يفتقر أكثر من نصف السكان إلى مستوى كافٍ من خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة. worldbank.org

وأقر البنك الدولي في أبريل/نيسان تمويلًا بقيمة 225 مليون دولار لمشروعين في قطاعي المياه والصحة، يتوقع أن يستفيد منهما نحو 4.5 ملايين سوري. worldbank.org

الأولوية لإدارة المياه وحماية المخزون الجوفي

ويرى مسلم أن إعادة التوازن المائي في الجنوب السوري تتطلب مسؤولية مشتركة بين المؤسسات السورية والسلطات المحلية والمجتمعات الزراعية، ضمن سياسة متكاملة لإدارة المياه.

وقال إن الأولويات ينبغي أن تشمل تنظيم استخراج المياه الجوفية، ورفع كفاءة أنظمة الري، وتأهيل شبكات المياه، وحماية المصادر المائية، وتطوير آليات للتكيف مع تغير المناخ.

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة في ضوء وجود آلاف الآبار المخالفة في درعا، إلى جانب استمرار الحاجة إلى توفير المياه لمساحات زراعية واسعة، ما يجعل تنظيم استخدام المياه الجوفية ورفع كفاءة الري عاملين أساسيين في الحد من الاستنزاف. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

اليرموك.. مورد مشترك لا يمكن اختزال الأزمة فيه

وفي ما يتعلق بمياه نهر اليرموك، حذر مسلم من اختزال أزمة المياه في الجنوب السوري في هذا الملف وحده أو تحميل طرف واحد المسؤولية من دون بيانات علمية موثقة.

وقال إن «إدارة مياه نهر اليرموك يمكن أن تكون أحد العوامل المؤثرة، ولكنها ليست السبب الوحيد، ولا يمكن تحميلها منفردة مسؤولية شح المياه في الجنوب السوري».

وأوضح أن اليرموك مورد مائي عابر للحدود، تتأثر موارده بالجفاف وتراجع الأمطار وارتفاع معدلات التبخر، إلى جانب حجم الاستخدامات المائية في دول الحوض والسدود والاستخراجات المختلفة.

وأضاف أن تحديد حجم تأثير الاستخدامات على جانبي الحدود السورية–الأردنية يحتاج إلى بيانات هيدرولوجية موثقة ومحدثة تقارن بين التدفقات التاريخية والحالية وكميات التخزين والاستهلاك، بدل الاعتماد على تقديرات غير موثقة.

وأكد أن استدامة الموارد في حوض اليرموك تستدعي تعاونًا سوريًا–أردنيًا في إدارة المورد المائي المشترك.

المياه والزراعة.. معادلة الأمن الغذائي في الجنوب

ورغم الضغوط القائمة، تظهر الأرقام الزراعية أن درعا ما تزال محافظة ذات نشاط إنتاجي مهم، وهو ما يجعل تأمين المياه قضية تتجاوز الخدمات الأساسية إلى استدامة الاقتصاد الزراعي نفسه.

فالزيادة الكبيرة في المساحات المزروعة بالبطاطا، والحاجة إلى إطلاق دفعات إضافية من مياه السدود لري المحاصيل، تتزامنان مع تسجيل نحو 2500 بئر مخالف، ما يكشف عن معادلة صعبة بين الحفاظ على الإنتاج الزراعي وحماية الموارد المائية من الاستنزاف. الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا

وفي الوقت نفسه، تظهر مشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية أن جزءًا من الأزمة يرتبط أيضًا بقدرة الشبكات ومحطات الضخ على إيصال المياه. ويبرز مشروع كحيل–إرواء بصرى مثالًا على ذلك؛ إذ يتوقع أن يوفر بعد تأهيله المياه لأكثر من 70 ألف شخص في شرق درعا. UNICEF Global

وعليه، فإن التعامل مع أزمة المياه في درعا لا يقتصر على البحث عن مصادر جديدة، بل يرتبط أيضًا بإدارة المياه الجوفية، وتنظيم الآبار، وتحسين كفاءة الري، وإصلاح محطات وشبكات المياه، وإدارة السدود، والتكيف مع التقلبات المناخية.

وبين الحاجة إلى مياه الشرب ومتطلبات الزراعة وحماية المخزون الجوفي، تبدو إدارة المياه واحدة من أكثر الملفات ارتباطًا بمستقبل الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في الجنوب السوري، إذ إن استمرار الضغط على الموارد دون إدارة مستدامة قد ينعكس بصورة مباشرة على الإنتاج الزراعي ودخل الأسر الريفية وقدرة المجتمعات المحلية على البقاء في أراضيها.

الوسوم:
#سوريا #درعا #الجنوب_السوري #المياه #الأمن_المائي #الأمن_الغذائي #الزراعة #الجفاف #التغير_المناخي #المياه_الجوفية #نهر_اليرموك #مراسلين #سها_المناصرة

أبوبكر إبراهيم اوغلو - شبكة مراسلين

صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى