أخبارسياسة

إسرائيل تراقب «اتفاق مكة» بقلق.. تحالف تركيا والسعودية وباكستان يفتح أسئلة جديدة حول ميزان القوى الإقليمي

مراســــلين – خاص
إسطنبول | 7 أغسطس/آب 2026

أثار توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاق مكة للدفاع المشترك» اهتمامًا واضحًا في الأوساط الإعلامية والاستراتيجية الإسرائيلية، في ظل تقديرات سابقة في تل أبيب بأن انضمام أنقرة إلى المظلة الدفاعية السعودية–الباكستانية يمكن أن يؤدي إلى إعادة تشكيل مهمة لموازين القوى في الشرق الأوسط.

وحتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يصدر عن الحكومة الإسرائيلية أو مكتب رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقف رسمي مباشر من الاتفاق بعد توقيعه. ولذلك، فإن الحديث عن «رد فعل إسرائيلي» يستند في هذه المرحلة أساسًا إلى طريقة تناول وسائل الإعلام الإسرائيلية للاتفاق، وإلى تحليلات إسرائيلية سابقة تابعت المفاوضات المؤدية إليه.

وتأكد الجمعة توقيع الاتفاق في مكة، وينص على أن أي اعتداء مسلح على دولة من الدول الثلاث يُعتبر اعتداءً عليها جميعًا، بهدف تعزيز الردع والأمن الجماعي. رويترز

«زلزال عسكري» في الشرق الأوسط

اللافت أن «يديعوت أحرونوت/واينت» كانت قد وصفت، خلال مرحلة التفاوض على انضمام تركيا، الاحتمال بعنوان شديد الدلالة: «زلزال عسكري في الشرق الأوسط؟».

وركزت الصحيفة على اجتماع ثلاثة عناصر للقوة في المنظومة الجديدة:

  • القوة المالية والسياسية السعودية.
  • القدرات العسكرية والنووية الباكستانية.
  • الجيش التركي، ثاني أكبر جيوش حلف الناتو، إلى جانب الصناعة الدفاعية التركية المتقدمة.

واعتبرت أن مثل هذا الترتيب قد يقود إلى «واقع أمني جديد» قادر على التأثير في توازنات الشرق الأوسط وما وراءه. تحليل واينت للتحالف

القناة 12: «ناتو إسلامي»

القناة 12 الإسرائيلية كانت أكثر وضوحًا في توصيفها للمسار، إذ استخدمت سابقًا تعبير «حلف ناتو إسلامي» عند تناول المفاوضات التركية للانضمام إلى الاتفاق السعودي–الباكستاني.

وركزت القناة على المزيج الذي يجمع قوة عسكرية تركية كبيرة، ودولة نووية هي باكستان، وقوة اقتصادية وطاقوية ممثلة بالسعودية.

لكن استخدام تعبير «الناتو الإسلامي» هو توصيف إعلامي إسرائيلي وليس الاسم الرسمي للاتفاق، ولا يعني أن آلياته مطابقة لحلف شمال الأطلسي. تغطية القناة 12

مصدر القلق الإسرائيلي: تركيا أكثر من السعودية وباكستان

تكشف مراجعة التغطية العبرية أن الحساسية الإسرائيلية الأساسية لا تبدو مرتبطة بالعلاقة السعودية–الباكستانية في حد ذاتها؛ فالتعاون العسكري بين الرياض وإسلام آباد قائم منذ سنوات.

المتغير الحقيقي هو دخول تركيا إلى المنظومة.

فالعلاقات التركية–الإسرائيلية تمر بمرحلة شديدة التوتر، بالتزامن مع الخلاف حول غزة وسوريا والنفوذ الإقليمي.

وكانت «واينت» قد نشرت في فبراير/شباط تحليلًا عن التقارب التركي مع السعودية ومصر تحت عنوان يشير إلى «تلاقي مصالح ضد إسرائيل»، ونقلت عن الباحثة غاليا ليندنشتراوس أن إسرائيل ينبغي أن تقلق إذا أدى تقارب هذه الدول إلى تعميق عزلتها الإقليمية.

وربط التحليل كذلك ابتعاد السعودية عن مسار التطبيع مع إسرائيل بسعي الرياض إلى البحث عن بدائل أمنية، بينها التعاون مع تركيا وباكستان. تحليل واينت للتقارب الإقليمي

هل الاتفاق موجه ضد إسرائيل؟

المعطيات المنشورة حتى الآن لا تسمح بذلك الاستنتاج.

الدول الثلاث تؤكد الطبيعة الدفاعية للاتفاق، والسياق المباشر لتوقيعه هو التصعيد الإقليمي والهجمات المرتبطة بإيران وحلفائها على دول الخليج.

كما أن النص المعلن لا يحدد إسرائيل باعتبارها خصمًا، ولا يتضمن تعاونًا نوويًا معلنًا.

لذلك فإن تصوير الاتفاق باعتباره «تحالفًا عسكريًا ضد إسرائيل» سيكون سابقًا لأوانه.

لكن مصدر القلق الإسرائيلي يكمن في سيناريو آخر: تحول الاتفاق بمرور الوقت إلى بنية أمنية إقليمية مستقلة لا تكون إسرائيل جزءًا منها ولا تمتلك واشنطن وحدها السيطرة على توجهاتها.

الضربة الثانية لفكرة المحور الإقليمي بقيادة إسرائيل

للاتفاق دلالة سياسية إضافية بالنسبة إلى تل أبيب.

فقد راهنت الحكومات الإسرائيلية طوال السنوات الماضية على بناء محور إقليمي يقوم على التعاون الإسرائيلي–الخليجي في مواجهة إيران، على أن يكون التطبيع السعودي الحلقة الأهم فيه.

أما الاتجاه الجديد فيظهر السعودية وهي توسع خياراتها الأمنية عبر:

الولايات المتحدة + باكستان + تركيا

بدل الاعتماد على مسار التطبيع مع إسرائيل للحصول على ضمانات أمنية.

وهذا لا يعني سقوط احتمالات التطبيع السعودي–الإسرائيلي نهائيًا، لكنه يقلل من قدرة تل أبيب على استخدام الاحتياجات الأمنية السعودية ورقةً لدفع الرياض باتجاهها.

باكستان.. السؤال النووي الذي يراقبه الإسرائيليون

تحظى باكستان بحساسية خاصة في النقاش الإسرائيلي لأنها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا.

وسبق لـ«واينت» أن أولت اهتمامًا كبيرًا للاتفاق الدفاعي السعودي–الباكستاني وللنقاش حول إمكان امتداد المظلة النووية الباكستانية إلى السعودية. تغطية واينت للبعد النووي

لكن «اتفاق مكة» المعلن حاليًا لا يتضمن التزامًا نوويًا باكستانيًا تجاه تركيا أو السعودية، ولذلك ينبغي الفصل بين القدرات النووية التي تمتلكها باكستان وبين الالتزامات القانونية الفعلية الواردة في الاتفاق.

سوريا وغزة تضاعفان القلق من الدور التركي

تنظر إسرائيل إلى الاتفاق أيضًا من خلال جبهتين أخريين.

في سوريا، تخشى إسرائيل من توسع البنية العسكرية التركية واقترابها من مناطق تعتبرها تل أبيب حيوية لحرية عملياتها الجوية والأمنية.

وفي غزة، تعارض إسرائيل منح تركيا دورًا أمنيًا مباشرًا في مراقبة نزع سلاح حماس، رغم مشاركة أنقرة إلى جانب مصر وقطر والولايات المتحدة في مسار الوساطة.

وبالتالي، فإن صعود تركيا داخل مظلة دفاعية تضم السعودية وباكستان يجعل أنقرة، من وجهة النظر الإسرائيلية، لاعبًا يصعب التعامل معه كقوة إقليمية منفردة فقط.

ماذا تخشى إسرائيل فعليًا؟

يمكن اختصار مصادر القلق الإسرائيلي في خمس نقاط:

  1. نشوء منظومة دفاعية إقليمية كبيرة خارج الأطر التي تشارك فيها إسرائيل.
  2. ارتفاع الوزن العسكري والسياسي لتركيا في الخليج وسوريا وغزة.
  3. تراجع أهمية الورقة الأمنية الإسرائيلية في حسابات السعودية.
  4. إمكانية توسع اتفاق مكة مستقبلًا ليضم دولًا إقليمية أخرى.
  5. تحول التوتر مع تركيا مستقبلاً من أزمة ثنائية إلى ملف يمس شبكة أوسع من الشراكات الإقليمية.

تقدير موقف

لا يبدو أن إسرائيل أمام «تحالف عسكري معادٍ» جديد بصورة فورية، لكن اتفاق مكة يمثل تحولًا غير مريح استراتيجيًا بالنسبة إليها.

المعادلة التي سعت إسرائيل إلى ترسيخها طوال السنوات الماضية كانت تقوم على أن الخطر الإيراني سيدفع السعودية ودول المنطقة بصورة متزايدة نحو إسرائيل.

أما الاتفاق الجديد فيقدم نموذجًا مختلفًا: تستطيع السعودية مواجهة التهديد الإيراني عبر بناء شراكات مع تركيا وباكستان من دون أن تكون إسرائيل عنصرًا ضروريًا في المنظومة.

وهذا هو، على الأرجح، العنصر الأكثر أهمية في القراءة الإسرائيلية للاتفاق.

كما أن تركيا حققت مكسبًا استراتيجيًا واضحًا؛ إذ تجمع الآن بين عضويتها في الناتو، وصناعتها الدفاعية، وحضورها العسكري في سوريا، ودورها في غزة، وشراكة دفاعية مع قوتين أساسيتين هما السعودية وباكستان.

الخلاصة: رد الفعل الإسرائيلي الرسمي ما زال حذرًا وصامتًا حتى الآن، لكن الخطاب الإعلامي الإسرائيلي السابق والحالي يكشف أن السؤال في تل أبيب ليس ما إذا كان «اتفاق مكة» يستهدف إسرائيل اليوم، بل إلى أي مدى سيعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة غدًا، وما إذا كانت إسرائيل تجد نفسها أمام نظام أمني إقليمي جديد يتشكل من دونها.

BAKR IBRAHIMOGLU

أبوبكر إبراهيم اوغلو صحفي، مترجم وباحث في الإعلام والعلاقات الدولية، محاضر بجامعة إسطنبول التركية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews