ضغوط سياسية وحقوقية في الخرطوم عقب «هجمات شمال الوادي»… والسيادي يقرر التحقيق

مصعب محمد- خاص مراسلين
الخرطوم: تصاعدت التفاعلات السياسية والحقوقية في السودان عقب هجمات جوية استهدفت مواقع للتعدين الأهلي في منطقة «شمال الوادي» الحدودية بين السودان ومصر، وسط شهادات مروعة من ناجين تفيد بسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى بين المعدّنين التقليديين، وتزايد الضغوط والانتقادات الموجهة للسلطات الرسمية بسبب تأخر ردود الفعل حيال الحادث.
شهادات حية وتضارب في أعداد الضحايا
وفي التفاصيل الميدانية، روى أحد الناجين من المعدّنين التقليديين لـ «مراسلين » تفاصيل اللحظات الأولى للهجوم الذي وقع صباح السبت (10 أكتوبر/تشرين الأول 2026)، مشيراً إلى أن طائرتين عسكريتين، إحداهما من طراز «سوخوي» والأخرى «أنتونوف»، قدمتا لاستطلاع المكان قبل أن تمطرا الموقع بالقذائف. ووصف الشاهد المشهد بـ «المهول»، متحدثاً عن تناثر الأشلاء والدماء وبتر الأطراف، وبقاء عدد من الجثث ملقاة في الصحراء لعدم التمكن من دفنها، في ظل تمسك بعض العمال بالبقاء قرب أحجار الذهب التي عثروا عليها. وأضاف أن سيارات تابعة لقبائل «الرشايدة» السودانية هبت لإنقاذ وإجلاء عدد من الناجين والمصابين.

وتتفاوت تقديرات الخسائر الإنسانية بشكل واسع بين الجهات الحقوقية والمحلية؛ إذ أفادت «منظمة مناصرة ضحايا دارفور» بأن التقديرات الأولية تشير إلى مقتل نحو 200 شخص وإصابة 120 آخرين. وفي المقابل، قدرت مجموعة «محامو الطوارئ» عدد الضحايا بـ 72 قتيلاً في حصرها المبدئي، معتبرة الاعتداء «انتهاكاً خطيراً للسيادة الوطنية». ومن جهتها، سجلت «شبكة أطباء السودان» مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 28 آخرين، لافتة إلى تلقي المعدّنين تحذيرات سابقة من الجانب المصري بإخلاء بعض المواقع.

ردود الفعل السياسية ومواقف القوى المختلفة
وأثار الحادث سجالاً سياسياً واسعاً؛ إذ انتقد «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)» الغارات التي استهدفت منجم «العقيدات» قرب سوق الأنصاري، محمّلاً قيادة القوات المسلحة والسلطات القائمة في السودان المسؤولية الكاملة عن حماية تلك المناطق الخاضعة لسيطرتها، ومطالباً بإعلان موقف صريح يحمي أمن المواطنين.
من جانبه، أصدر «تحالف السودان التأسيسي (تأسيس)»، المتحالف مع «قوات الدعم السريع»، بياناً ندد فيه بالهجوم ووصفه بـ «المجزرة الدموية الشنيعة»، وتزامن ذلك مع تصريحات صدرت عن رئيس الوزراء بالحكومة الموازية وكلمة متلفزة لقائد «الدعم السريع» الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي)، طالبت جميعها بتحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين.
التعقيب الرسمي الأول
وفي أحدث التطورات التي كسرت حالة الصمت المؤسسي، أصدر مجلس السيادة الانتقالي بياناً ترحّم فيه على أرواح المواطنين السودانيين الذين قضوا في «الحادث الأليم» بالمنطقة الحدودية، معرباً عن تعازيه لأسر الضحايا. وأعلن المجلس عن قرار أصدره رئيس مجلس السيادة بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية للتحقيق في ملابسات الحادث ورفع تقرير ب نتائجه، مؤكداً أن حماية أرواح المواطنين وصون سلامتهم مسؤولية أصيلة للدولة. كما كشف البيان عن تواصل جرى فور وقوع الحادث بين قيادتي البلدين بما يضمن حماية الأرواح ومراعاة علاقات الشعبين الشقيقين وتمليك الحقائق للرأي العام.
وكان الدكتور أمجد فريد، المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة الانتقالي، قد علّق على الأحداث معتبراً أن «الاعتداء على المعدّنين السودانيين وقصفهم جُرم غير مبرر وغير مقبول»، ومؤكداً وجود قنوات تواصل ديبلوماسية لمعالجة أي تجاوزات حدودية، ومشدداً على أنه على الرغم من وجود طرق لإنفاذ القانون، «إلا أنه لا يمكن قبول استخدام القصف الجوي ضد المواطنين»، وأن «الدم السوداني غالٍ والدولة ستبقى مسؤولة عن حماية مواطنيها».

تحليلات أكاديمية
وكان أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية بجامعة الخرطوم، منزول عسل، قد حذر في تحليل سابق من أن الصمت المؤسسي يفتح الباب أمام «تآكل مفهوم السيادة الوطنية»، مؤكداً أن السيادة «التزام عملي بحماية الأرض والإنسان وليست شعارات تُرفع»، ومطالباً بإنهاء حالة التردد وإجراء تحقيقات شفافة ومستقلة تُعلن للرأي العام.

خلفية متكررة وأهمية قطاع التعدين
ولا تُعد هذه الحادثة الأولى من نوعها؛ حيث شهدت المناطق ذاتها المحيطة بجبل العقيدات والجبل الأحمر في الوادي الشمالي حادثة مماثلة في منتصف يونيو (حزيران) 2026، إثر قصف بطائرات حربية ومسيّرات أسفر عن سقوط قتلى وجرحى بين المنقبين التقليديين، ما يعكس تكرار الاستهداف في تلك الشريط الحدودي الحساس.
وتعد السودان من كبرى الدول المنتجة للذهب في أفريقيا، إذ يُقدر إنتاجها السنوي بنحو 60 طناً من المعدن النفيس. ويشكل التعدين «الأهلي» العمود الفقري لقطاع الذهب في البلاد؛ حيث يعمل فيه أكثر من مليوني شخص، ويسهم بما يقارب 80 في المائة من إجمالي الإنتاج القومي، مما يدفع آلاف الشباب للعمل في هذه المناطق الحدودية تحت ظروف قاسية وبحثاً عن فرص كسب العيش.





