أخبارسوريامنوعات

بين الحقيقة والشائعات.. قصة “المبنى المنسي” تحت مقهى المأمورية في حماة

المأمورية تكشف وجهها الحقيقي: معلم أثري من 584 هـ حجبه الاستثمار عن أعين الحمويين

مساحة اعلانية 4

شبكة مراسلين
حماة – محمد شيخ الزور

ضجّت الأوساط الثقافية ومنصات التواصل الاجتماعي في مدينة حماة مؤخراً بأنباء تتحدث عن «اكتشاف أثري مدفون» تم العثور عليه أسفل مقهى «المأمورية» العريق المحاذي لنهر العاصي، وذلك بعد انتهاء عقد استثماره وخضوعه لعمليات تنظيف وتأهيل من قبل الجهات المحلية.
وتناقل الشارع الحموي روايات تفاوتت بين العثور على «مسجد سري» أو «دار نورية» أو «مدفن لولي صالح» ظل محجوباً لسنوات خلف برادات المقهى وشوادر المستثمرين.

فما الحقيقة التاريخية والأثرية القابعة تحت هذا المقهى الذي طالما شكّل ذاكرةً بصرية وثقافية لأبناء مدينة حماة؟

الخديعة البصرية: كيف حجب الاستثمار التاريخ عن مقهى المأمورية؟

لسنوات طويلة، كان رواد مقهى المأمورية يجلسون على أصوات النرد وهدير النواعير، دون أن يدرك معظمهم أنهم يتربعون فوق طبقات من التاريخ. الفيديوهات المتداولة مؤخراً أظهرت غرفاً ذات عقود حجرية قديمة وأبواباً منخفضة مبنيةً على الطراز الإسلامي، مما جعل البعض يظن أن الأمر يتعلق باكتشاف جديد بالكامل.

غير أن الحقيقة التي تؤكدها مصادر دائرة آثار حماة تشير إلى أن الموقع ليس «مكتشفاً حديثاً»، بل هو عقار أثري مسجّل وموثّق رسمياً في قيود الدائرة منذ عقود.
بيد أن المشكلة الحقيقية كانت تكمن في «التعدي الاستثماري البصري» الذي مارسه المستثمرون على مر عقود في ظل النظام البائد وتهميش المدينة الأثرية، إذ تعاقبت عقود استثمار المقهى دون أي مراعاة للهوية الأثرية للموقع، مما أدى إلى تغطية الواجهات الحجرية بالبرادات والشوادر والمستودعات الارتجالية، ليتحوّل المَعلم مع الوقت إلى مجرد «قبو منسي» في عيون العامة.

فك الشفرة التاريخية: موقع أيوبي يعود إلى عام 584 هجرية

تُظهر النقوش الكتابية واللوحات الحجرية الموجودة أعلى الباب المنخفض للموقع تفاصيل دقيقة تحسم الجدل حول هوية المكان وتاريخه.
فبحسب النصوص التوثيقية المسجّلة، يعود تاريخ بناء هذا المَعلم الأثري إلى عام 584 هجرية، في العهد الأيوبي المتأخر الممتد في ظل المناخ النوري والزنكي بالمنطقة.

وقد بناه الأمير نجم الدين توتان بن ياروق، وهو ما ينفي فرضية كونه «مسجداً نورياً» نسبةً لنور الدين زنكي، الذي شيّد الجامع النوري الشهير في حماة عام 558 هـ. وتُشير الدلائل المعمارية إلى خصائص محددة:

الأبواب المنخفضة: اعتُمدت في العمارة القديمة إما كتدبير دفاعي لحماية المكان، أو كجزء من الطقس الصوفي والديني الذي يفرض «الانحناء» عند الدخول تقديراً للمقام.

الهوية الوظيفية: يرجّح باحثون في تاريخ حماة أن الموقع كان يشكّل جزءاً من زاوية دينية أو «مدرسة عصرونية» أو مدفناً لأحد أعيان وقادة ذلك العصر، نظراً لصغر مساحته وهندسة عقوده القبوية.

قطع أشجار معمرة يُشعل الغضب الشعبي على هامش ترميم المأمورية

لم يمرّ ملف «المأمورية» دون توترات تستحق الوقوف عندها؛ إذ سادت حالة من الاستياء بين الأهالي والناشطين البيئيين بالتوازي مع حملة التنظيف وإزالة الأتربة التي تنفّذها مديرية النظافة ودائرة الحدائق بالتعاون مع مجلس مدينة حماة، وذلك إثر قيام ورشات العمل بقطع أشجار معمرة كانت تُظلّل المقهى وتشكّل جزءاً من الرئة الخضراء لساحة العاصي.
في المقابل، يرى آخرون أن هذه الانتقادات مبالغ فيها، معتبرين أن الموقع بحاجة ماسة إلى تعديل وترميم بوصفه معلماً أثرياً في قلب مدينة حماة أمام أعين السياح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
wordpress reviews