
شبكة مراسلين
سوريا – سها المناصرة
تعيش جالية إفريقية مميزة في قرية “جلين” بريف درعا الغربي، وتعود جذور عائلات هذه الجالية إلى مهاجرين أفارقة استقروا في المنطقة منذ أكثر من قرنين من الزمن. ويتواجد أفراد هذه الجالية اليوم في عدد من القرى الريفية في محافظة درعا، أبرزها: جلين، الشيخ سعد، وعين ذكر، كما تنتشر عائلات أخرى منها في محافظات سورية عدة، لا سيما دير الزور والرقة على ضفاف نهر الفرات.
ويبلغ عدد أفراد الجالية في قرية جلين وحدها ما بين 1000 و1500 شخص، مع وجود أعداد متقاربة جداً في قرية الشيخ سعد المجاورة، فضلاً عن توزعهم الجغرافي في مناطق مختلفة من البلاد.
خلفية تاريخية: كيف وصل أسلاف الجالية إلى سورية؟
تتطابق الروايات الشفوية المتداولة بين أبناء المنطقة مع التوثيق التاريخي لجنوب الشام؛ إذ تعود جذور أسلاف الجالية الإفريقية في سورية إلى حملة محمد علي باشا (والي مصر) على بلاد الشام في القرن التاسع عشر وتحديداً بين عامي (1831 – 1840) بقيادة ابنه إبراهيم باشا.
وضم جيش إبراهيم باشا آلاف الجنود والمجندين من السودان ومناطق شرق وإفريقيا الوسطى. وعقب انسحاب الجيش المصري من الشام، فضلت العديد من هذه العائلات والجنود البقاء والاستقرار في مناطق بيئية تشبه بيئتهم الأصلية الغنية بالمياه والزراعة، فكانت أراضي حوض اليرموك واليرموك الأعلى بريف درعا الغربي (بما تمتلكه من ينابيع وشلالات) الملاذ المثالي لهم، بالإضافة إلى استقرار مجموعات أخرى لاحقاً عقب خطوط الهجرة المتصلة بنهاية عهد الخلافة العثمانية ومواسم الحج.

طبيعة الأعمال والحفاظ على إرث الحرف التقليدية
جاء أفراد الجالية الإفريقية إلى جلين بحثاً عن سبل العيش واستقروا فيها بعدما اندمجوا بالكامل مع المجتمع المحلي الحوراني في كافة المجالات؛ حيث تميزوا بالانخراط في:
- القطاع الزراعي: العمل في زراعة الخضروات والأشجار المثمرة التي تمتاز بها قرى حوض اليرموك.
- تربية المواشي: الاستفادة من المراعي الطبيعية المحيطة بقرى درعا الغربية.
- الحرف التقليدية والديكور: امتهن أبناء الجالية أعمال الديكور المنزلي، إلى جانب تميزهم التاريخي في صناعة القصب (الخيزران والسيساوان) المستخرج من ضفاف الأودية والأنهر القريبة، والتي تُعد إرثاً متوارثاً للأفراد يحافظون عليه من الاندثار ويستخدمونه في بناء العرائش والمظلات اليدوية.
الاندماج الاجتماعي والتعليم والتربية
على مر العقود، ذابت الجالية الإفريقية في النسيج الاجتماعي الحوراني، وباتوا جزءاً لا يتجزأ من العشائر والقبائل المحلية عبر المصاهرة والروابط الاجتماعية المشتركة، مع الحفاظ على ملامحهم السمراء المميزة.
ويسعى وجهاء الجالية اليوم في قرى جلين والشيخ سعد إلى تنشئة أجيال جديدة قادرة على مواكبة الحياة من كافة النواحي العلمية والعملية؛ حيث يظهر ذلك جلياً في الحث المستمر على التعليم الأكاديمي، والتربية المنزلية الصارمة، مع الموازنة بين التحصيل العلمي الحديث وبين المحافظة على المهن التراثية كصناعة القصب التي تذكرهم برحلة أجدادهم الأوائل إلى أرض الشام.



